السِوار (1) قصة من خيال بلاد ما بين النهرين القديمة

عدد المشاهدات: 2التصنيف: مقالة

حامد خيري الحيدر *
(موقع الناس)

أنتظر الصغار عند حافة الطريق الموحل المؤدي الى البرية الواسعة الممتدة نحو الأفق، يترقبون قدوم عربة العجوز الطيب (لاثيل) الذي أعتاد أيصال الأطفال بعربته عند نقله الحبوب الى المطحنة، يسلون دربه الطويل بأصواتهم وضحكاتهم البريئة مستمتعاً بقفشاتهم وعالمهم الجميل الساحر ورفقتهم الممتعة المرحة…. تعالت صيحات الصغار فرحاً بعد وصولهم الأرض المراح المعشوشبة التي صورتها الطبيعة بشكل بهي فاتن، فبدت كسجادة خضراء ملأتها أوراد البابونج البيضاء والخشخاش الحمراء، جاعلة الارض تفوح بروائح عطرية أخّاذة تُسكر النفوس وترطب الوجوه والقلوب المتعبة.. قفز الجميع بسرعة من العربة مودعين صديقهم العجوز الطيب الذي تمنى لهم أن تمتلئ أكياسهم بحبات الكمأ، على أن ينطروه في نفس المكان ليأخذهم معه بطريق عودته من مقصده عند انتهاء الظهيرة… تفرق الصغار المتحمسين، منتشرين في كل مكان مقسمين أنفسهم كما تعودوا الى مجموعات صغيرة للبحث عما جاءوا من أجله، واتخذت (أيراما) مع صويحباتها الثلاث من بقعة منعزلة كشأن الآخرين مكاناً لمتعة بحثهن.. تراقصت الصغيرات غبطة وهن ينظرن الى الأرض وقد ارتدت رداءها الخلاب.. أنه (تُموز)، أنه حقاً الان في الطريق اليهم.. تلمست (أيراما) مرة أخرى سوارها كأنها تريد تذكير الربيع بأمنيتها ليكون جمال الطبيعة شاهداً على تحقيقها.. كانت الأرض مليئة بالشقوق كاشفة عن كميات كبيرة من الكمأ، لتنهمك الصغيرات بنبشها واستخراج ما حوتها ثم جمعها في أكياسهن الصغيرة، احداهن توجه الأخرى وترشدها الى الأماكن المنتفخة والمتشققة من الأرض.. (هذه واحدة…. في ذلك الشق هناك الكثير).. (ربما في هذه الحفرة العميقة، حتماً أنها ممتلئة).. (لا أيتها البلهاء هذه حفرة جرذ، لقد رأيت مثلها بجانب كوخنا)…. الأيادي تلطخت بالطين والأكياس أخذت تمتلئ شيئاً فشيئاً.. خطوات تسرق خطوات ودون شعور توغلت الصغيرات عميقاً في البرية.. أنساهن كرم الطبيعة الوقت وابعدهن عن طريق العربات، وأغوتهن الأرض بوفرة بما جئن ساعيات من أجله.

فجأة تغير الحال، ظلمة حالكة لفت المكان وابتلعت الأرض.. ضحكاتهن صمتت، أفواههن خَرُست، قلوبهن الصغيرة أعتصرها أحساس غريب جعلها تخفق بشدة، حَبسن أنفاسهن يترقبن نزوة الطبيعة هذه التي لم تكن على بال، عتمة المساء لم يحن وقتها بعد، ولم تكن غمامة عابرة حجبت ضوء النهار.. أصوات عواء يصل صداها السماء بددت السكون… تسمرت أطراف الصغيرات وتجمدت فلم يعدن يقوين على الحركة، أكياس تعبهن الممتلئة سقطت من أياديهن المرتجفة، (أيراما) تتلمس سوارها علّها تجد فيه عوناً… قطيع ذئاب هائج يعدو بجنون نحوهن.. لا يعرف من الطفولة سوى أجسادها الغضة التي أسالت لعاب أفواهها المفجوعة، بعد أن أثارت رائحة الحمائم الضعيفة المنكودة التواقة للفرح شهيتها وغريزتها المتعطشة للدم والموت، كأنهم شياطين من العالم الأسفل يسعون وراء ضحية مُبتلاة تكون بديلاً عن أنعتاق (تُموز)… أحاط القطيع بالصغيرات الباكيات المرتعدات من الهلع، كأنه فرقة جلادين تريد سوق مظلوماً للقصاص.. لم يكنّ يشاهدن من تلك الأفواه الكبيرة الكاسرة سوى نيوبها الحادة التي تقطر حقداً وشراسة، لا يضاهيها سوى قبح أفواه مُلاك الأراضي حين يختالون بابتساماتهم فرحاً وزهواً أمام قهر الفلاحين… لتحدث المجزرة… صرخات مخنوقة متتالية لم يتردد لها صدى سرعان ما خمدت.. المخالب القوية غُرست في الأجساد الرقيقة الناعمة، مزقّت اللحم وكسّرت العظام الطرية بيّسر واحترافية.. أصوات مضغ والتهام بشراهة.. عراك دموي بين المجرمين على توزيع حصصهم من الفرائس، قطعة لحم هنا أو بضعة أضلاع هناك.. لم يأخذ الأمر وقتاً طويلاً بيد من أمتهن رسم خرائط الدم….. لينسل الجناة من المكان كما جاءوا من غير دعوة أو موعد بعد أن نالوا ثأرهم من البراءة وذبحوا قربانهم المسكين للعام الجديد، لتنجلي بعد تنفيذ الجريمة تلك الدهماء القاتمة التي لم تكن سوى عتمة شؤم جاءت من عالم الظلام كي تغشي العالم عما سيجري، متسترة على ما سينفذه القدر المشؤوم المتباهي بانتصاره الدائم على المستضعفين والمظلومين….. أمطرت السماء بغزارة ذارفة دموع زائفة على طفولة حزينة لم تستنشق في حياتها شيئاً من نسائم السعادة، ولم تعرف في سنوات عمرها المعدودات سوى الأماني، لتغرق رشقات المطر الارض كأنها تحاول اخفاء مسرح الجريمة وتغسل آثار فعلة الغدر النكراء بحق النقاء والجمال ولوحات الفرح.

عربة العجوز (لاثيل) تتهادى بطريق عودتها مع نهاية الظهيرة… الصغار الناطرين يقفزون اليها من كل جانب ومعهم أكياسهم التي تفوح برائحة الكمأ، كل يتفاخر بكمية ما جناه، يرافقها ابتسامات وتشجيع العجوز السعيد بغِبطتهم وضحكاتهم…. لكن لم يكتمل الصغار.. (ما هذا.. أين الصغيرات الأربعة، (أيراما) ورفيقاتها؟).. (لم يرهم أحد).. (كنّ يبحثن في الجانب الآخر من التل البعيد)….

الوقت يمضي سريعاً والقلق أخذ يسري في جسد (لاثيل) الذي ائتمنته العوائل على صغارها… ترجل بهدوء من عربته طالباً من الصغار عدم تركها… سار مترنحاً بجسده الثقيل المُتعب باحثاً في هذا الاتجاه وذاك، متتبعاً بقايا آثار أقدام عند جانب الطريق وأخرى متوغلة في عمق البرية، حتى وصل مكان الفاجعة… راعته صورة المكان الذي لازالت تفوح منه رائحة الموت.. بقايا من أشلاء الصغيرات، وبقايا أثوابهن الممزقة الباهتة ملطخة بالدم والطين اختلطت بحبات الكمأة المبعثرة في كل مكان… أدرك العجوز المذهول تفاصيل المأساة وكل ما جرى.. ثم بعيون دامعة أنحنى على الأرض ليلتقط منها سواراً صغيراً منسوجاً من خيوط الصوف، مزين ببضعة خرزات ملونة، كانت قد أودعت فيه صاحبته أمنية صغيرة عسى أن يحققها لها (تُموز) مع حلول العام الجديد.

(1) القصة تمثل حادثة واقعية جرت عام 1995 في أحدى القرى البائسة التابعة لقضاء الحويجة، كان الكاتب قد أطلع على تفاصيلها المأساوية خلال عمله الآثاري في تلك المنطقة آنذاك.


* باحث آثاري