أستاذي.. وأيام مضت في ذكرى فقيد الآثار العراقية الدكتور فوزي رشيد

عدد المشاهدات: 2التصنيف: مقالة

حامد خيري الحيدر *
(موقع الناس)

احتضنني بشدة كأنه أحس أن هذا اللقاء سيكون هو الأخير بيننا.. كنت أسمع حشرجة صدره، حينها أحسست أن قلبه كان يجهش بالبكاء دون العيون… لم يكن ذلك وداعاً بين أستاذاً وتلميذه أو بين أب وأبنه ، كان بحق وداعاً بين جيلين… جيل خبر الدنيا وتجاربها فعرف أن جنان الأرض التي نقل ترحاله بينها لاتساوي بضع حبات رمل من الأرض التي تدعى الوطن وعِشرة شعبها الطيب الصابر الحنون… وجيل مازال في أوج ربيع الحياة تملؤه الحيوية والعزيمة للعمل باخلاص من أجل أن يرى بلده في طليعة بلدان العالم المتقدم، لكن أضواء الغربة وبريقها المُبهر أغوته وأغشت عيونه التي أرهقها وأحجب رؤياها دخان الحروب وآلامها، فسارع مهرولاً الى سرابها، حالماً بوطن جديد يرى فيه بعضاً من الامان وشيئاً من الكرامة التي أفتقدها، ليترك معشوقته أرض النهرين الخالدين فريسة للمتخلفين والجهلة ليعيثوا فيها فساداً بعد تركها أهلها ومحبوها .

مضى كل منا في طريق قدره بعد ذلك اللقاء، لتدور بنا دوامة السنين وبمن حولنا أبتلعتنا خلالها هموم الدنيا ومتاعبها، ثم لأقرأ كحال الغرباء خبر رحيله الأليم في 26/3/2011، أخذت دموعي تنهمر بغزارة دونما أرادة أو شعور مع كل كلمة أقرأها لذلك الرحيل.. فالدكتور فوزي رشيد لم يكن بالنسبة لي أنساناً وصديقاً رائعاً أو أستاذاً فذاً ولا عالماً من الطراز الأول فحسب، بل كان يمثل حقبة زمنية كاملة وجيلاً متميزاً من المفكرين والباحثين يصعب أن لم يكن مستحيلاً على العراق في أوضاعه القاهرة الحالية أن يجود بمثله… مع ذلك ربما كان أستاذي محظوظاً حيث لم يودع الدنيا غريباً مشرداً رغم معاناته، خاصة في آخر أيام حياته، ليحصل من الوطن ولو على بقعة صغيرة من الأرض احتضنت جثمانه، ليثبت عراقية بلاد الرافدين الى جانب أجدادنا السومريين… ليبقى الم الغربة وحرقتها يرافق من تظل عيونهم دوماً شاخصة نحو العراق وتربته الطاهرة، بالأخص أولئك المُبتلين بعشق تاريخها الخالد وآثارها العظيمة كحال كاتب هذه السطور.

وبالرغم من مرور تلك السنين فلا تزال كلمات وعبارات أستاذي الجميلة ونوادره اللطيفة خالدة في الذاكرة.. فالى اليوم كلما أرتكب حماقة من حماقات البشر حتى وأنا في هذه السن، أشعر كأن صدى صوته يأتيني من عالم الغيب مصحوباً بصورة ابتسامته الطفولية الجميلة صائحاً.. (حتى أنت يا بروتوس).


* باحث آثاري