فن التركيب الفني (الحوار) للفنان عباس الكاظم: سرد بصري تأملي

عدد المشاهدات: 3التصنيف: مقالة

أسامة عبد الكريم
(موقع الناس)

فن التركيب الفني، أو فن التجهيز، يمثل أحد الأشكال البارزة للتعبير الفني في المشهد المعاصر، حيث يسعى إلى دمج الفنون التشكيلية مع التجربة الإنسانية بأبعادها المختلفة. يتميز هذا النوع من الفن بقدرته على تحويل المساحات إلى تجارب حسية تتفاعل مع الفكر والوجدان على حد سواء.

الفنان عباس الكاظم (مواليد 1954)، بفضل رؤيته الفنية العميقة، استطاع تقديم هذا الفن بأسلوب يوازن بين الأصالة والمعاصرة، حيث تتجلى أعماله في قدرة فريدة على نقل المشاهد إلى عوالم فكرية وروحية.

في عمله التجهيزي (الحوار، ٢٠٢٤)، يقدم الكاظم تجربة فنية متكاملة تمزج بين الضوء والظل والفضاء، لخلق مشاهد تحمل أبعاداً رمزية تعبّر عن قضايا إنسانية واجتماعية.

العمل يسلط الضوء على العلاقة العميقة بين الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيغارد والمفكر العراقي كامل شياع. من خلال هذا الحوار البصري، يتجاوز الكاظم حدود الزمان والمكان، ليقدم تأملًا في المعتقدات والأفكار التي شكلت فكر كلا الرجلين. يتمحور العمل حول عنوان (الحوار،٢٠٢٤)، والذي يعكس دور كيركيغارد كشاهد على المآسي والتنوير في الوقت ذاته، بينما يمثل كامل شياع الشهيد الذي قدم حياته في سبيل الفكر والتنوير.

هذه الصورة الفنية تجسد اتصالاً عميقاً بين كيركيغارد وشياع، حيث يظهر شياع في لحظة تأملية أمام صخرة كيركيغارد، مما يرمز إلى أن الفكر التنويري يتجاوز الحواجز الزمنية والثقافية ليصبح شاهداً حياً على الإنسانية.

الصخرة في هذا العمل تمثل رمزاً ثابتاً للفكر الفلسفي، في حين تضيف صورة شياع بعدًا روحياً يعزز من قيمة الاستمرارية الفكرية عبر الأجيال.

يقدم الكاظم من خلال هذا العمل تجربة فنية غنية بالتأمل، حيث يعكس تفاعله مع التفاصيل وبناء العلاقات البصرية بين عناصر العمل حالة من التواصل العميق بين المشاهد واللوحة، مما يجعل من كل قطعة فنية تجربة متفردة. الرمزية في العمل تكمن في الصورة التي تظهر الشهيد كامل شياع تحت صخرة كيركيغارد. هذه الصخرة، التي تحمل اسم الفيلسوف الدنماركي، تجسد ثقل الأفكار الفلسفية والتنويرية التي طوّرها كيركيغارد في القرن التاسع عشر. كيركيغارد، الذي يعتبر أحد رواد الفلسفة الوجودية، ركّز في كتاباته على الفردانية، الحرية، والاختيار الشخصي، مع طرح تساؤلات حول الوجود والمعنى في الحياة.

تجسيد شياع تحت هذه الصخرة يمكن قراءته كتعبير عن الصلة الفكرية والروحية التي تربط الشهيد بفكر كيركيغارد. شياع، بمشروعه التنويري، حمل نفس التساؤلات الوجودية حول الحرية والعدالة، ملتزمًا بتعزيز الوعي الاجتماعي والسياسي في العراق، كما كان كيركيغارد ملتزماً بإيقاظ الوعي الفردي.

إن وضع شياع في لحظة تأملية تحت الصخرة يشير إلى أن مشروعه الفكري ووجوده الشخصي قد استند إلى قاعدة فكرية عميقة، تشبه تلك التي أرساها كيركيغارد. الصورة في هذا العمل الفني ليست مجرد تكريم للشهيد والفيلسوف معاً، بل تعبير عن لقاء رمزي بين الفكر والفعل، بين التأمل والعمل. إنها لحظة تأمل صوفي يعيشها شياع أمام صخرة كيركيغارد، لحظة تعكس استغراقاً روحياً في المعاني الكبرى للوجود، وهو ما يتقاطع مع سعي كيركيغارد الدائم للوصول إلى فهم أعمق للحياة والإيمان.

العلاقة بين الصخرة وشياع تمثل تلاقي فكرين يركزان على البحث عن الحقيقة والمعنى، بين شخصين لم يفصلهما الزمان والمكان بقدر ما جمعتهما القضايا الكبرى. الصخرة، بما تمثله من استمرارية وتجذر، تعكس الثبات في الفكر الفلسفي، بينما يجسد شياع الديناميكية في التفكير والفعل التنويري الذي يبني على هذا الأساس الثابت.

سورين كيركيغارد، الفيلسوف الدنماركي، يعد من أعظم فلاسفة العصر الحديث، ومؤسس الفلسفة الوجودية. تناول في كتاباته مواضيع مثل الحقيقة، الحرية، والوجود، مؤكداً على أهمية الفردانية والشجاعة في مواجهة الحقائق الصعبة للحياة. كان يؤمن بأن الطريق إلى الحقيقة يمر عبر الصراع الداخلي والتحدي الدائم للذات. من بين أفكاره التنويرية، برزت رؤيته للمفارقة الدينية، التي تعتبر أن الإيمان بالله يتطلب تجاوز العقل والمنطق، وأنه يأتي من خلال مغامرة وجودية تتطلب التفاني التام واليقين الباطني.

كان كيركيغارد يرى أن البحث عن الحقيقة يجب أن يكون شخصيًا وعميقًا، وهو ما يدفع الإنسان إلى اختبار حدود وجوده. وعلى الرغم من مرور الزمن، تبقى أفكار كيركيغارد حية ومؤثرة، وهو ما يتجلى في ارتباطها بمشروع التنوير الذي حمله كامل شياع، الكاتب والمفكر العراقي، الذي استشهد في عام 2008، كان رمزاً للتنوير في العراق. سعى من خلال كتاباته وأعماله إلى نقل العراق نحو أفق جديد من الفكر والثقافة، حيث تعانقت الحرية مع المعرفة والتفكير النقدي.

بين كيركيغارد وشياع، نجد تقاطعاً عميقاً في البحث عن الحقيقة ومواجهة الظلام. رحلة كيركيغارد الفلسفية اتسمت بالتأمل العميق والصراع الداخلي، وكذلك كانت رحلة شياع، ولكن في سياق مختلف، حيث كانت مواجهته مع الظلامية والتطرف في سياق اجتماعي وثقافي محلي.

شياع كان يدرك تماماً أنه يتحرك ضد التيار، وأن مشاريعه التنويرية تحمل مخاطر كبيرة في ظل الظروف التي عاشها العراق، لكنه لم يتراجع أبداً عن التزامه بفكره التنويري.

الصورة التي تراها في هذا العمل الفني تحمل رمزية كبيرة. حيث يظهر الشهيد كامل شياع في حالة من الخشوع الصوفي أمام نصب كيركيغارد. هذه الحالة التعبدية ليست فقط تكريماً لكيركيغارد، بل هي أيضاً تعبير عن العمق الروحي للفكر التنويري الذي حمله شياع.

النصب التذكاري لكيركيغارد، الصخرة التي تمثل الفكرة، تتحد مع صورة شياع لتخلق لحظة من التأمل العميق والاحترام المتبادل بين فكرين وإن اختلفت زمانهما ومكانهما.

في ذكرى استشهاد شياع، يتجدد السؤال حول استمرارية الفكر التنويري في ظل التحديات الحالية. مرور 16 عامًا على استشهاده يذكرنا بالحاجة الملحة إلى إبقاء شعلة الفكر حية. للأسف، لم يكن هناك استذكار جدي وعميق لهذه المناسبة من قبل المجتمع أو المؤسسات الثقافية، وهذا ما يزيد من خشيتنا من نسيان مشروع شياع التنويري. كأننا نحن أحبته وزملاءه في حالة من الذعر من أن يطوي النسيان ذكراه.

من الضروري أن نعمل على تذكير العالم بفكر كامل شياع وأسباب استشهاده. ليس فقط لأنه ضحى بحياته من أجل الفكر والحرية، بل لأن مشروعه التنويري كان يمثل أملًا لمستقبل أفضل. مشروع شياع لم يكن مجرد كلمات أو أفكار، بل كان نضالًا حقيقيًا في وجه الظلامية والجهل.

إن تذكر كامل شياع هو تذكير بضرورة الاستمرار في مواجهة التطرف والتعصب، وبأن التنوير ليس مجرد خيار بل هو واجب. تذكير العالم بفكر شياع هو دفاع عن الحرية والمعرفة، وتأكيد على أن التضحيات التي قدمها لم تكن بلا جدوى، بل كانت جزءاً من مسيرة طويلة نحو عالم أفضل، حيث يبقى النضال الفكري مستمراً من جيل إلى جيل، حاملًا مشعل التنوير في وجه الظلامية.