نقرة السلمان (30)

عدد المشاهدات: 2التصنيف: مقالة

جاسم المطير

جاسم المطير

السجناء يسبحون في مياه البحيرة العذبة ..!
أول مكان وجدتُ نفسي فيه بعد نقلي من هيئة تحرير جريدة نقرة السلمان هو النشاط في مجال الثقافة الاقتصادية من خلال تكليفي بمهمة تدريس مادة ( الاقتصاد السياسي ) للسجناء الراغبين بعد افتتاح عدة صفوف لتدريس اللغة الانكليزية ، واللغة العربية ، واللغة الفرنسية ، واللغة الروسية ، والاقتصاد النفطي (تم تكليف سامي احمد العباس) ومكافحة الأمية ( يحي قاف ) ، والمسرح ، والفنون التشكيلية ، والعروض الشعري ( هاشم صاحب ) .

ألقيت بنفسي بتيار قراءة كل كتابا وكل جريدة أو مجلة تضم موضوعا اقتصاديا او بحثا ما في علم الاقتصاد السياسي كانت المصادر معدودة وقليلة داخل السجن تعبت كثيرا من الأسئلة التي أوجهها لبعض السجناء المهتمين بقضايا الاقتصاد فما وجدت لديهم ما يعينني في التحضير لإلقاء المحاضرات الاقتصادية اليومية لذلك كنت الجأ براسي وإذني في ستار الليل إلى الراديو والإذاعات العربية باحثا عن موضوعات اقتصادية علمية ونظرية يحتمل أن تذاع في برامجها مما يساعدني أن أقف بمستوى اقتصادي لائق أمام الطلاب السجناء الباحثين عن المعرفة في صف الاقتصاد السياسي خاصة وأن هناك صفين آخرين لتدريس الاقتصاد . الأول يقوم بتدريسه عزيز سباهي والثاني يقوم صادق جعفر الفلاحي بتدريس الطلاب فيه .

لم أبصر حقا إلا القليل من المصادر فكنت ألعن مع نفسي هذا الوضع الصعب الذي وضعتني فيه اللجنة الحزبية القيادية في النقرة وأنا متأكد أن عبد الوهاب طاهر أو سامي احمد ، كليهما أو احدهما ، قد وضعني في هذا المأزق ، فهما الوحيدان في المنظمة كانا يعرفان حصولي على شرف إلقاء المحاضرات الاقتصادية على الخلايا الحزبية في البصرة ــ قبل الدخول إلى السجن ــ تطبيقا للبرامج الثقافية الفصلية التي كانت اللجنة المحلية للحزب في البصرة تضعها لرفع المستوى الثقافي لأعضاء الخلايا الحزبية حيث لم أكن وقتها قلقا إذ تتوفر تحت يدي من مكتبتي الشخصية مصادر كثيرة وغنية تتلاءم مع المستوى العام لتلك البرامج الثقافية .

لكن الوضع في النقرة مختلف تماما.

بدأت اشعر بشيء من العذاب بسبب ندرة المصادر رغم أن سامي احمد كان يبذل جهودا كبيرة في البحث عنها في ما يقع تحت يديه وقد زودني بمصادر مهمة .

المهم أن عليّ التحرك السريع وسط هذا القلق .

عليّ واجب ومهمة أن يكون مستوى الدروس الاقتصادية أعلى وارفع من تلك المحاضرات التي ألقيتها أمام خلايا البصرة . هنا في هذا الصف مجموعة من الرفاق الحزبيين وغير الحزبيين بمستويات ثقافية عالية مختلفة . مجموعة من العسكريين من مثل المقدم سليم الفخري والطيار خالد حبيب والطيار ناجي فرج يمتلكون رؤية سياسية واسعة لكنهم يشعرون بالحاجة الماسة لعلم الاقتصاد السياسي بجانبهم طلاب وعمال وفلاحين من مثل عبد القادر العيداني وجياد تركي وأبو اسلم وحميد غني وعبد الواحد كرم ونعيم الزهيري وعباس سكران وعباس المظفر والمحامي كاظم علي جواد وعشرات غيرهم ( كان عدد كل دورة حوالي 25 طالبا ) ممن يتطلعون جميعا لان يكونوا مالكين لقدرة التعامل مع الثقافة الاقتصادية

المهمة صعبة أمامي وعلي أن أضاعف جهدي وقوتي وثقافتي .

كان عليّ بهذا المعنى تقديم محاضرات يومية اقتصادية تحمل أفكار ادم سميث وريكاردو وكارل ماركس مرورا بتجارب تطبيقات الدول الاشتراكية من دون نسيان أوراق اقتصادية جديدة النوع والفكر قدمها في بداية الستينات الفيلسوف الفرنسي شارل بتلهايم ولم يكن متوفرا منها غير بعض مقالات منشورة في مجلة الكاتب المصرية الداخلة إلى السجن . باختصار أن الكنز الهائل من المعلومات الاقتصادية التي تمتلكه الحركة الشيوعية العالمية لم يكن متوفرا منه في نقرة السلمان غير القليل جدا وعليّ أن أجهد نفسي في التحليق حول هذا القليل بقصد تبادل الأفكار مع العقول العميقة لطلاب الدورة من السجناء الذين يملكون ثقة لا نهائية بالماركسية .

وجدتُ نفسي بعد إعداد أول محاضرة اقتصادية ألقيتها أمام الطلاب أنني غير قادر على محاصرة الكثير من الخواطر والذكريات المماثلة فأراها أمامي كل ليلة خلال ساعات التحضير والاستعداد لدروس ومحاضرة يوم غد . تأتي الخواطر وتذهب لكنها تحفزني على تحقيق النجاح في مهمتي التي كنت أمارسها بشوق شديد . وجدت نفسي أنني عائد لبداية الخمسينات حين طلب والدي من صديقه عبد القادر السياب رئيس فرع حزب الاستقلال أن يوظفني في جريدته . كان عضو الهيئة الإدارية للفرع أبن عمتي رضا الملا ينافس صديقي جبار الحلوجي على ” كسبي ” سياسياً فكل واحد منهما يرغب بضمي إلى حزبه . الأول يسعى ليجعلني (قومياً) والثاني يريد أن يجعلني (شيوعياً) وكنتُ أميل لصديقي جبار أكثر من ميلي لقريبي رضا .

فها أنا أشاهد في المدينة الكادحة بأم عيني عالم الاستغلال والجشع يا رضا ..

هذا هو جبار يفتح عيني على عالم الشقاء ونهب قوت الشعب .

هو ذا الماء يتحول إلى نقود .

هي ذي النار تتحول إلى نقود . هو ذا الهواء يتحول إلى نقود ..

كل شيء يحفر في نفوس الكادحين علامة ، أو أخدوداً ، أو نهراً من الآلام .

في هذا العالم نشأتُ . من وسط هذا العالم دخلت بقوة البصر لمتابعة حكايات آلام الناس الفقراء فيه .

عملي في دائرة ماء وكهرباء البصرة ، وعملي في المكاتب التجارية ( كاتب حسابات التاجر الكبير الحاج رضا أبو معاش ) منحني إرادة الحب والانحياز والصبر . نفس الوسط بلور قدرتي على تصور الفقر وتصور مذلة الأيدي الممدودة للغير ، وتصور الوجوه الموحشة بالأسى .

عرفتُ بسرعة أن ثراء الأثرياء يزداد باختصار المسافة بين الظلم والنقود . عرفتُ أيضاً أن شجاعة سنبلة واحدة على الصمود بوجه الجفاف والحر اللهب ، يمكن أن تعطي ارض بلاد الرافدين حريتها بالانفجار لمزيد من الحنطة . عرفتُ أيضاً أن النفوس المحبة للعدالة كثيرة لكن سنابلها قليلة العدد . عرفتُ أن مرارة القلوب توجع الناس أكثر من أي شيء آخر .

قفزتُ إلى سن الرشد بسرعة ليحملني عبد الجبار الحلوجي عبء الانتماء للحزب الشيوعي على ظهري ، وعبء الوعي الطبقي ، والوعي الاقتصادي ، والوعي الوطني .

في جريدة الناس كان رأسي يتعب من التفكير في حياة المتاجرة . كنتُ أتعب مع تعب التجار الصغار والكسبة والعمال الذين ينوءون بوطأة الشروط الاستغلالية للشركات الأجنبية ، والوكالات الأجنبية العاملة في البصرة .

عرفتُ أسماء شركات أجنبية كبرى عاملة في لواء البصرة : بيت لنج .. شركة أندروير .. الدوكيارد .. كري مكنزي .. المصرف البريطاني في الشرق الأوسط.. البنك العثماني.. شركة السوس ، وشركة نفط البصرة .

عرفتُ أسماء شركات عراقية تعمل لصالح الشركات الأجنبية .

أسماء شركات يهودية ( بيت لاوي .. بيت عدس ) تعمل لصالح الشركات الأجنبية .

أسماء كثيرة .. عناوين كثيرة .

عرفتُ أيضاً أن كل هذه الأسماء محروسة بحراب القوات الانكَليزية المحتلة الموجودة في الشعيبة لتحرس المصالح الأجنبية في هذا الجزء من الوطن ، كما عرفتُ أن القوات الانكَليزية الموجودة ( في سن الذبان بالحبانية ) تحرس باقي المصالح في باقي أجزاء الوطن .

من اجتماعاتي مع الشيوعيين ومن بيانات الحزب الشيوعي وكتبه عرفتُ أن الظلم لا يرضاه قلب الإنسان الحر ..

كان عبد القادر السياب العنصر القومي في الحركة الوطنية بالبصرة قد ساهم أيضاً ، مثل عبد الجبار الحلوجي ، في غرس حب الفقراء في أعماقي رغم أنهما لم يكونا فقيرينً . . غرسا عندي شجاعة الدفاع عن الفقراء وإنسانيتهم.

أسرعت في قراءة الموضوعات الخاصة باقتصاديات البصرة ، التمور والنفط ، كما أسرعت في الاهتمام بكتابة الموضوعات الاقتصادية والمالية والتجارية . ثم أومأ لي أنه على استعداد لزيادة راتبي إن فعلتُ ذلك . ثم ألزم نفسه بوعد زيادة أجرتي بحدود الدينار الواحد شهرياً .

كان الصمت عندي كتابة .

الثواني المسرعة تزيدني معرفة .

القراءة عندي تمدني بإحساس الشقاء وبإحساس الحياة .

ذهابي إلى مقبرة الزبير لزيارة قبور أخي وأختي وجدي وجدتي تعلمني الفرق بين الحياة والموت .

الحديث مع صادق المجنون في حديقة أم البروم علم ٌ من نوع خاص .

مداعبة الحمالين الصغار في سوق التجار معرفة من نوع خاص .

الفرجة على أطفال محلة البجاري وهم يلعبون كرة القدم في شوارعها تزودني بمعرفة غنية ..

الحرير الذي يرتديه أغنياء وغنيات محلة العشار معرفة .

الشتائم التي تصدر من أفواه الفقراء ضد الحكومة معرفة .

النفس المستكينة معرفة .

نهلتُ من كل المعارف ومن كل المصادر الأولية لشقاء الناس .

إلى جريدة ” الناس ” حملتُ معي أفكاراً صغيرة . كنتُ مصححا نشيطاً مما جعلني رضا صاحبها أن أكون المصحح الوحيد فيها لمدة عام كامل.. وفي يوم شديد البرودة كنت متفرغاً لنفسي ، أفكر وأكتب وأمزق ما أكتب حتى خطت يداي فكرة صغيرة بمقالة صغيرة ..

ــ أنها فكرة مضيئة حقاً .

هكذا وصفها السياب لكنه لم يوافق على نشرها . لم أعرف السبب لكن الأحجار الكلسية كانت كثيرة في دروب التجارة والاستغلال الطبقي في المدينة الطيبة ، بينما كنتُ قد تابعت يوماً بيوم معركة تأميم النفط في إيران أيام كانت تشتعل فيها مطالبات الصحف والشارع بتأميم شركة النفط البريطانية التي دعا إليها الدكتور محمد مصدق ، رئيس الوزراء ، التي خاض فيها معركة قاسية وصعبة مع قوى الاستعمار النفطي العالمي ففشلت في انقلاب عسكري أطاح به إلى السجن . فطالبتُ أنا بمقالتي الصغيرة بتأميم وكالات شركات النقل في العراق فقد كتبتُ فيها بضعة أسطر ( في العراق كثير من وكالات شركات النقل البرية والجوية والبحرية . معظم هذه الوكالات تدار من قبل الأجانب ولا بد من إخضاعها للإدارة الوطنية ) ..

نظر السياب إلى الأسطر . وقال :

ــ جيد .. استمر .. اغسل فكرتك بالماء أولاً ثم جففها .

أضفتُ بضعة سطور أخرى ( لقد أصبح من الضروري جداً مطالبة الحكومة بتأميم وكالات شركة النقل في العراق ومنع الأجانب من استغلالها والاستفادة من أرباحها ، بل تترك ذلك على عاتق الوطنيين من أبناء بلادنا لتتاح مجالات العمل الواسعة أمام أبناء الشعب ..) ..

ــ رائع

قالها السياب أمام عدد من قياديي حزبه ومن المحررين . ثم أمر بنشرها فكانت أول مقالة ” اقتصادية ” تنشر لي في جريدة ” الناس ” البصرية أواخر شباط 1953 وقد أثر نشرها في تخصيب قلمي وفي اندفاعي نحو الكتابة السياسية والاقتصادية إلى جانب اهتمامي بكتابة القصة القصيرة .

كان التشجيع ثم نشر المقالة التي أعجب بها عدد من رفاق خليتي ومن الشيوعيين الآخرين قد أوقعني بشراك فكرة أخرى هي الجواب على سؤال : لماذا تحتكر شركة ( لاوي ) تجهيز البصرة والعراق بسيارات الركاب الكبيرة وأدواتها الاحتياطية ..؟

نشبت مخالب هذه الشركة في السوق التجارية البصراوية في مجالات عديدة وأصحابها من اليهود التي كانت جريدة الناس وحزب الاستقلال يكرهونهم ويسمونهم بالصهاينة . كان موقع الشركة في الطريق العام الموصل بين البصرة والعشار وكنت ألاحظ مبنى الشركة يتسع ، يوماً بعد آخر . عدد السيارات المستوردة المباعة إلى الآهلين ماليا في ازدياد والأرباح في ازدياد لكن أجور خليل إبراهيم وكيل إخراج بضائعهم من الكمارك باقية على ما هي عليه كما اخبرني صديقي محمد وهو أبنه . ثم ” احتكرت ” شركة ( بيت لاوي ) تجهيز السيارات الكبيرة والصغيرة ، الانكليزية والأمريكية ، إلى مديرية الموانئ ، والى شركة نفط البصرة مع جميع أدواتها الاحتياطية . كما احتكرت فيما بعد تجهيز مصلحة نقل الركاب في البصرة بسياراتها الكبيرة .

من هذه الصور كلها عرفت أوليات أعقد موضوع في القرن العشرين ( الاحتكار والرأسمالية ) وهو الموضوع الذي كان يتكرر التطرق إليه في الأدبيات الحزبية الشيوعية بما فيها كتابات الرفيق فهد .

الاحتكار : هذه الكلمة وجدتها كالصخرة .. لا اعرف إلا معناها البسيط حسب . ضمن تناقضات هذا المعنى البسيط سلطت كلماتي على الورق في مقالات اقتصادية أخرى ( عن مشاكل التمور وعمال البساتين ) التي نشرتها في جريدة ” صوت الكادح ” وهي جريدة الحزب الشيوعي السرية التي تصدر في البصرة ، ومن ثم كتبتُ الكثير من الموضوعات الاقتصادية الأخرى في جريدة ” صوت الطليعة ” وهي جريدة الحزب الشيوعي العلنية في البصرة بعد ثورة 14 تموز .

اليوم أجد نفسي مولعاً من جديد وأنا في نكَرة السلمان في الدوران بمدار الاقتصاد السوفيتي مع كتاب وحيد متوفر داخل السجن لمؤلفه العالم السوفيتي ” ليونتيف ” وبضعة مقالات ، كمصادر أساسية ، من هنا وهناك مقتطعة من صحف ومجلات .

من أجل توفير بعض المصادر الاقتصادية الأخرى كتبت هذه الرسالة الى والدتي يوم أول من أمس ( والدتي العزيزة .. مع هذه الرسالة قائمة بأسماء وعناوين بعض الكتب الاقتصادية التي صرت بحاجة ماسة إليها في هذه الأيام التي أقوم فيها بتدريس مادة ( الاقتصاد السياسي ) لعدد غير قليل من السجناء . خذي أسماء الكتب معك إلى بغداد . وبعد زيارتك للإمامين الكاظمين أرجو أن تتوجهي إلى شارع المتنبي ــ سوق السراي ــ حيث تجدين هناك مكتبة مشهورة أسمها مكتبة المثنى يمكنك أن تجدي فيها هذه الكتب أو بعضها . جهزي الكتب المتوفرة من القائمة وأرسليها بالبريد إذ راجعنا مدير السجن فقال أنهم لا يمانعون من دخول الكتب غير الممنوعة بشرط اطلاعهم عليها قبل دخولها إلى السجن . أرجو أن تسألي صاحب المكتبة أو مديرها عن الموافقة أو عدمها في مراسلتهم من السجن مباشرة وطلب الكتب بموجب رسالة بريدية . في حالة موافقتهم فسوف أكاتبهم رأساً لتلبية حاجاتنا من الكتب حيث تقرر توسيع المكتبة السجنية الداخلية وأصبح بريد قضاء السلمان مخولاً بتحويل المبالغ أيضاً ..)..

في السجن الآن شعبتان لدراسة الاقتصاد السياسي لكثرة إقبال السجناء على دراسته . بنينا الصف الجديد بالقرب من ساحتي كرة السلة والطائرة لتكون منزعاً لملابس اللاعبين عصراً ومساءً . ولتكون صباحاً صفاً لطلاب الاقتصاد السياسي الذي أقوم أنا بتدريسه . الشعبة الثانية يقوم بتدريس الطلاب فيها ( صادق جعفر الفلاحي ) بعد أن تأسست ليقوم بتدريس الدورة الأولى فيها ( عزيز سباهي ) .

اليوم انتهى الفصل الدراسي الأول من التدريس ( مدة الفصل الواحد شهرين ) . السجناء الدارسون منكبون على التعلم والدراسة .

صادق الفلاحي نفسه كان قد درس الاقتصاد السياسي عندما كان سجيناً قبل ثورة 14 تموز .أما أنا فقد احتجتُ إلى بعض الترجمات لتطوير وتجديد المعلومات في هذا العلم وكان بديع عمر نظمي يقوم بترجمة بعض المصادر الموجودة في السجن من اللغة الانكليزية إلى العربية ويقدمها لي حتى بلغ ما ترجمه في اقل من شهر حوالي 200 صفحة .

ابتدعت أسلوباً مرناً ، شيقاً ، وشفافاً في التدريس . أمنح ، بواسطته كل دارس حيوية الاستيعاب بعد مناقشات حرة مستفيضة .

كل طالب دارس يقوم بنفسه بمهمة المدرس أيضاً ، كما يقوم بمهمة غيره من الدارسين . على كل واحد أن يحضر مادة الدرس قبل دخوله إلى الصف . يهيئ أسئلته لنفسه ولي وللدارسين الآخرين . بهذه الطريقة لا يضيع فهم أو استيعاب المادة اليومية . تستبد ، بكل دارس ، جراء المناقشات الحرة والموسعة بطريقة ( سؤال وجواب ) الرغبة الحقيقية في أخذ نصيبه من الحصيلة الفكرية اليومية بطريقة متحمسة لكن متزنة .القيمة الأساسية لكل دارس تتجلى في توافر مقومات الحوار الفكري وعطاءاته كأنما كل واحد من الدارسين ( الطلاب ) يؤدي رسالته للآخرين جميعهم .

ألاحظ أن كل طالب يقضى وقتاً سعيداً في المشاركة الديمقراطية أثناء المناقشات الصفية . على ضوء ذلك أقول : أنها تجربة عظيمة من تجارب نكَرة السلمان التي جعلت السجناء بلا طريق ثالث : فأما نهل المعارف والعلوم . وإما قتل الفراغ بالقهر .

أغلب السجناء ما ضيعوا فرصة السجن . بعضهم أتقن اللغة الانكليزية وهو يسأل هل من مزيد ..!

وذاك تزود بمعلومات عن بنية الاقتصاد العراقي .

كل الطلاب والدارسين عرفوا طبيعة العالم الثالث .

كلهم عرفوا دور النفط في التنمية .

كلهم عرفوا أسباب التخلف الاقتصادي .

كلهم عرفوا أن الصرخة وحدها بوجه السجان لا تكفي .

فقد استطاعت الثقافة السجنية النشيطة أن تكون قادرة على تعميق الوعي الأساسي بمعرفة تفاصيل وتناقضات الحياة الاجتماعية .

يسعدني كثيراً بأنني ساهمتُ بترسيخ جذر الآراء الاشتراكية لدى ما يزيد على الخمسين دارساً في صف ودورات الاقتصاد السياسي . فقد كانوا يجدون فوائد مفضلة في المادة اليومية و أسلوب الحوار فيها مما جعل الدارسين في رحلات ممتعة مع ليونتيف ، وكارل ماركس ، وآدم سميث ، وهيجل وغيرهم .

رحلة صحية جداً تتواصل مع الشيوعيين وأصدقائهم من الوطنيين والديمقراطيين في هذا السجن ذي الأرضية الساخنة التي أريد لها أن تحرق الشيوعية العراقية وحزبها اللذين حولا النقرة الى بحيرة عذبة لازوردية .


يتبع