نقرة السلمان (43)

عدد المشاهدات: 2التصنيف: مقالة

جاسم المطير

جاسم المطير

لا حلية في السجن غير الكلام ..!
الليلة ليست ككل الليالي . غبار كثيف لونه أحمر يلف السجن وجدرانه والسماء كلها . لا نستطيع أن نرى الحراس المفترض وجودهم في الروابي . شددت الغترة على رأسي وعلى وجهي . عيناي امتلأتا بالغبار . كان معي في حراسة الليلة من الثالثة حتى الرابعة صباحا صديقي فاضل الروضان. فعل بالغترة نفس ما فعلت لكنه كان يضع عوينات سوداء لتحمي عينيه.. كل 5 دقائق يقترح أن أشاركه عويناته لحماية عيني لكنني أرفض .

كثيرا ما جذبت انتباهي شخصية هذا الرجل الذي تعرفت عليه منذ عام 1950 بينما كنت اسكن البصرة وهو من أهالي القرنة وسكنتها . في لقاءاتنا الحزبية وغير الحزبية كنت اشعر دائما بهزة في أعماقي كلما تحدث عن مضمون كتاب ما أنهى قراءته توا . وكان يثقل قلبي أن معلوماتي عن الحياة لا تضاهي معلوماته وان ثقافتي دون ثقافته . وقد ساقتني هذه النظرة للسعي من أجل أن تكون ثقافتي أوسع من ثقافته لأنني أعلى مرتبة حزبية منه . من تلك العلاقة اندفعت نحو امتلاك كنز القراءة وتفريغ المعلومات من كل كتاب أقرأه لنقله إلى مستودع دماغي بعناية تامة . بدأت من تلك اللحظة ومن تلك الفكرة رحلتي الحقيقية المتعبة مع الكتاب .

فاضل الروضان شيوعي مثالي وجدت لديه منذ سنوات بعيدة صفات لم أجدها عند غيره من الشيوعيين الذين عرفتهم في حياتي . أول وآخر شيوعي رأيته في سجن نقرة السلمان يضحي بكل ما يملكه من اجل غيره من السجناء . دائماً مفلس إذ ما أن يستلم حوالته الشهرية التي ترده من عائلته من (القرنة ) بواسطة بريد ( النقرة ) حتى يوزعها على الآخرين من المفلسين أو المحتاجين . لديه قميص واحد فجميع قمصانه الجديدة والقديمة موزعة على المحتاجين ولا أدري ولا غيري يدري كيف يحافظ على أناقته دائماً ونظافته دائما وهو يرتدي بيجامته نفسها كل يوم .

حتى الغترة الموضوعة على رأسي هي من هداياه .

حتى الأدوية الواصلة إليه يوزعها على المرضى من السجناء .

بعض السجناء يسمونه ( فاضل أسبرين ) .. إذا أصاب أحدنا صداع قوي ينصحونه بالذهاب إلى فاضل الروضان للحصول على حبوب الأسبرين التي كان يتناولها بكثرة . أما إذا سمع أحدهم بأسم أسخيلوس ويريد التعرف على معلومات عنه ينصحونه بالذهاب إلى (فاضل غوتة ) أو الفيلسوف فاضل الروضان .

أي اختلاف بين أثنين حول واقعة معينة في تاريخ السيطرة البريطانية على العراق أو أية واقعة في التاريخ العراقي فيقال أن فاضل الروضان هو الحكم ..

في الأدب والشعر وأنواع التمر ليس في السجن أكثر منه معرفة .

باختصار هو موسوعة في هذا السجن . يعطيك فوراً ما تشاء من المعلومات .

يقول انه يفهم الشيوعية بهذه الطريقة . ويردد قولا مشهوراً عنده : الشيوعية هي أداة فضلى في مشاركة السجناء الآخرين بما أملك من مال ومعلومات .

الشيء الغريب الذي عرفته عنه في السجن أنه يتحدث بطلاقة تنهمر فيها بسرعة المعلومات المخزونة في دماغه لكنه يواجه صعوبة في الكتابة . يقول أن من السهل عليه أن يجيب شفهياً على أي سؤال لكن من الصعب عليه أن يكتب تلك الإجابة على ورق.

على وجه الدقة أقول أنه لا يستطيع أن يكمل الموضوع الذي يبدأ كتابته . وقد تعود على الهزيمة أمام الكلمات والحروف التي يكتبها حالما يواجه صعوبة ما في مرحلة من مراحل الكتابة . قبل أسبوعين أو أكثر سمعنا من إذاعة الحزب الشيوعي المسماة صوت الشعب العراقي نداء جديدا يدعو شعوب العالم كلها إلى النضال والمطالبة بإطلاق سراح السجناء العراقيين . كلما يسمع السجناء نداء كهذا أو مقالة بنفس المعنى فأنهم في تلك الليلة يتنفسون نسيما خاصا يقترب من نسيم الحرية ويشعرون بقوة وإيمان أن نهار الحرية سيجيء . في اليوم التالي لإذاعة البيان جاءني حاملاً بين أصابعه ورقتين كتبهما تحت عنوان ( العالم صامت صمت القبور ) حين قرأتهما وجدتُ أنهما مكتوبتان بصياغة أدبية ــ شعرية رائعة تحمل نفس مضمون ما أذيع . اقترحت عليه تغيير العنوان ونشره في جريدة السجن ليوم غد .

علاقاتنا في السجن صارت قوية خاصة بعد أن عملنا سوية في تحرير الجريدة السجنية لمدة قصيرة فقد كان بطيئاً في تحرير التقرير الخبري وكنت على عكسه تماماً فأنا سريع الكتابة والتحرير .

أخبرته الليلة عن فكرتي ومشروعي لكتابة ذكرياتي في السجن. أخبرته أن بعض صفحات كتابي ستتناول بعض جوانب حياته كي تبقى معاناتنا داخل السجن واضحة للأجيال القادمة من الشيوعيين . لم يرفض بل توقف قليلا عندما انعطفنا نحو القاووش رقم واحد ..أجبرني على التوقف ليقول لي : السجن يا صديقي ليس مجتمعا إقطاعيا ولا برجوازيا ولا بروليتاريا.. انه مجتمع من نوع خاص فهو تنظيم معقد الشكل والمضمون من العلاقات الاجتماعية والإنسانية لا يصح أن يدخل التاريخ من دون علاقة مباشرة مع تاريخ الحزب الشيوعي العراقي نفسه . أزمة هذا المجتمع ذي الجدران الأربعة هي جزء من أزمة الحزب الشيوعي العراقي ذي الجدران الألف .. لماذا لا يتطلع الشيوعيون القياديون هنا وهم رجال الحزب وكوادره من أعمار مختلفة ومن تجارب مختلفة ومن قوميات مختلفة ومن مدن وأرياف عراقية مختلفة إلى مهمة كتابة تاريخ ثلاثين عاماً من نضال الحزب الشيوعي . لماذا نقضي أوقاتنا بمشاحنات فكرية وصراعات فارغة أحياناً وبأنواع من المزاح في أحيان ٍ أخرى وبهذا نضيع وقتنا في الأخذ والرد غير المفيد ، والمفيد منه غير مدون . سيفنى في سجن نقرة السلمان وقت عظيم .

كان يحاول تشجيعي على إنجاز مهمة تدوين يوميات السجين السياسي في نقرة السلمان استنادا إلى تيار حياته الذي تدفق مع الحزب قبل دخوله السجن . ثم قال بطريقته” الفلسفية “:

ــ الوقت في وادي السلمان في أزمة . نحن هنا مهزومون أمام الزمن الذي يمضي للمستقبل أسرع منا . نحن أيضاً في أزمة لا نعرف كيف نتقدم إلى أمام ولا نفر إلى وراء .

لا يوجد سجين بيننا لا يعاني من أزمة . كل سجين يجد نفسه منذ الصباح الباكر أنه أضعف من تلك الجدران التي يبدو ارتفاعها قوياً بسلاح حراس الرابية الذين هم أعداءنا لكنهم لا يبدون كذلك لأنه ليس من المحتمل أن تقع بيننا وبينهم معركة دامية . لا يريدون أن يزحفوا علينا ولا نريد أن نهجم عليهم لكننا أعداء . هم في حيرة وتردد كيف يحمون جدران السجن وأبوابه من تسللنا أو تسلل أحدنا إلى الخارج . نحن أيضاً في حيرة وتردد من كيفية اقتناص فرص المكر والشجاعة لإدخال حاجاتنا من الورق والأقلام والكتب والمنشورات وجريدة الحزب الشيوعي والراديوات وغيرها من الممنوعات. كنا ننتحل أعذاراً مختلفة وأقوالاً مختلفة لإدخال كيس طحين زائد عن المقرر أو بضعة دجاجات زائدة في مناسبات الأعياد خاصة ، سواء الأعياد الوطنية (ذكرى 14 تموز ) أو الأعياد الحزبية ( ذكرى ميلاد الحزب في 31 آذار ) أو الأعياد الدينية ( عيد الفطر وعيد الأضحى ) أو الأعياد الأممية ( أول أيار وثورة أكتوبر) .. ولم أجد تفسيراً حتى الآن لظاهرة انفتاح شهية السجين للأكل الزائد في الأعياد والمناسبات .

واجب السجين السياسي الأول هو كيف يقتحم الاضطراب الداخلي الذي يعانيه .

لا يوجد سجين غير متأزم . من الصعب عليه أن يشارك الآخر في بحث أزمته إلاّ في ما ندر . الشيوعي القيادي له أزماته التي لا يعرف أسبابها الحقيقية غيره . الشيوعي القاعدي له أزماته أيضاً . بعضها معروف الأسباب وبعضها غير معروف .

ذاك هو مظفر النواب طريح الفراش منذ أسبوعين يعاني من ارتفاع خطير في درجة الحرارة لم يتعرف أطباء السجن على أسبابها . سرت إشاعة قوية داخل السجن لا أدري مدى صحتها تقول أن أنباءً من الخارج وصلته مؤكدة تخلي حبيبته ( ن.ج ) عنه واعلان زواجها فأصيب بهذه النوبة من المرض . الأدباء في السجن يقولون أن أزمته سببها الشعر . بعضهم يقول أن أزمته مع السياسة الحزبية الجديدة التي يرفضها ويعارضها .

سليم الفخري في أزمة منبثقة من جوف نار سجن نقرة السلمان نفسه .

صادق جعفر الفلاحي لا يريد أن يدير ظهره للماضي .

مكرم الطالباني يتصارع بدهشة مع مجريات السياسة الحزبية .

سعدي الحديثي في أزمة لأنه يبحث عن صفاء في صحراء نقرة السلمان فلا يجد لأغانيه منفذا إلى صحارى أخر .

أزمة عبد الوهاب طاهر أنه مختص باستقبال وتوديع السجناء بصفته السجين المعمر ..

محمد السعدي أزمته صغيرة .. لكنها أزمة .

سعدي السماوي في أزمة مع موهبته الناهضة .

هندال جادر بروليتاري أزمته الأساسية أنه يريد تطهير نقرة السلمان من القوى الرأسمالية ..!

ألفريد سمعان متأزم لأن أمنيته لم تتحقق في ارتفاع مستوى شعراء النقرة إلى مستوى الشعر ..!

وذلك هو الفلاح عبد الواحد كرم متأزم من أخبار وردته من عائلته .

يحي قاف يشكو أزمة ضعف السمع والبصر وهي أزمة لا تريد أن تتقلص مع زيادة كمية الأدوية اليومية التي يتناولها .

أنا في أزمة .. هو في أزمة .. كلنا في أزمة .

الحياة في السجن هي في الغالب حياة متأزمة لكائن متوحش أو شبه متوحش موجود داخل كل واحد منا . لا يجد السجناء وسيلة للتخلص من هذا الكائن غير البحث عن سرور وقتي في كتابة قصيدة أو المشاركة بندوة أو لعبة رياضية أو في حياكة جنط النساء من حبات النمنم .

أزمة السجناء الشيوعيين عموما الموجودين فيه نابعة من أزمة الحزب نفسه . فهم جميعا يخضعون للمؤثرات الأيديولوجية.. إذا ناقشت أحدهم وانهزم أمامك أو أمام الآخرين فانه يشعر أن شيوعيته قد انهزمت وربما تتحول المداخلات عنده إلى عناصر سلبية في وعيه.. .في أحيان كثيرة تعقد علاقة السجين مع رفيقه السجين من دون أن يشعر فتبعث بينهما الهموم .

نصحني فاضل الروضان في تلك الليلة بقولٍ وجدته مفيداً :

ــ السجين صاحب خيال و خياله يبدا هنا لكنه سرعان ما يمتد إلى خارجه ولذلك فأنا لا أؤيدك بكتابة مذكراتك عن السجن بجدرانه الأربعة بل اخرج مع خيال السجين إلى خارج السجن أي إلى مدينة السجين وعائلته وعشيرته ومجتمعه وأخيرا إلى وضعه الحزبي..

في الحقيقة إنني كنت املك مخططا لكتاباتي لا يبتعد عن مضمون اقتراحه . منذ بدايتي في كتابة أول صفحة قررتُ أن لا أكتب عن مجرد متاعب ومضايقات السجين بل أكتب عن كل موج يتعلق بحياته حتى ولو بدفقة واحدة أو بصورة واحدة من صور غليظة أو رقيقة ..

حين تحركنا من خلف القاووش رقم واحد كان الغبار قد اصبح ثقيلا على عيني فرحت اغتسل من حوض ماء بقرب الجدار ثم شعر هو بحاجة إلى ماء يشربه . كان عليه أن يدخل إلى مخزن القاووش رقم واحد للبحث عن ماء صالح للشرب غير ملوث بالغبار لكنه تردد كأنه خائف من وجود أحد . دخلت المخزن ثم ناديته مبتسماً .

ــ هذا هو ” جدر الباجة ” الباجة جاهزة والخبز جاهز والفرصة متوفرة كلهم نيام حتى خفر القاعة نائم ..

أجابني كأن في فمه قيد :

ــ ليس لنا حق التصرف بالباجة . أنها اليوم حصة غيرنا .. دعنا نغادر المخزن . لا أريد ماء .

غادرنا المكان بسرعة كي لا يرانا أحد . سحب يدي مرتين لنسرع مغادرين المكان وكأننا ارتكبنا جريمة ، مع أننا نملك حق الدخول إلى أي مكان في السجن أثناء الخفارة حسب تعليمات الهيئة الإدارية الصادرة حول واجب الخفراء والحراس الليليين داخل السجن .

وجبة الباجة تطبخ يومياً لكنها بالتناوب . كل يوم تكون الباجة ( الرؤوس والكراعين والاطراف ) من حصة أحد القواويش . أي أن السجين يتناول إفطاره من الباجة مرة واحدة كل عشرة أيام . لكنني أتناوله مرتين أو ثلاثة بالأسبوع . فأنا وبعض السجناء من المحبين لها ننظم بين فترة وأخرى ” غارات ” بعد منتصف الليل على المطابخ الفرعية للحصول على بعض ٍ من لحم الرأس لنتناوله وهو بارد بعد نضوجه وقبل ” تحميته ” على نار شديدة في الصباح . كنا قد اعتدنا على باجة القاووش رقم 8 فطباخها عندهم هو الأكثر من غيره قدرة على تلذيذ الباجة التي يصنعها بدقة متناهية . عندما شعروا ، أكثر من مرة ، أن باجتهم تواجه عملية ” سطو ” متكررة شددوا رقابتهم لشهر أو شهرين ثم تركوها حسب معلوماتنا الاستخبارية . قررنا أنا وجميل جبر السطو مجددا واستغلال غفلتهم . كنتُ مترددا في معاودة الكرة حين ألح عليّ جميل الذي شاركني خفارتي ذات ليلة بضرورة تذوق سندويجة ” الباجة” . كان الضياء في مطبخ القاووش خافتا وخفر القاعة نائماً .

أخيرا وافقته على السطو ..

دخل إلى المطبخ واضعاً يده كالعادة للبحث عن احسن قطعة لحم ” مستوية ” لكنه خرج من المطبخ الصغير دون أن يحمل شيئا . كانت يده مصبوغة باللون الأحمر فذهب في الحال إلى الحنفية مستخدماً كل أنواع الصابون الحلبي وصابون لوكس وتايد ولايفيوي دون جدوى . أخبرني أنه لم يجد في القدر لحوم الباجة بل وجد بقايا جلود أحذية قديمة مقطعة على شكل قطع لحوم الباجة داخل القدر ، فاستنتجنا أننا وقعنا في كمين . لقد خدعونا وسيكتشفون في الصباح عصابة سرّاق الباجة من اليد ذات الأصابع الحمراء .

في الصباح كان جميل جبر قد لف يده اليمنى بالشاش الأبيض ليخفي اللون الأحمر من أصابعه . لم تمض غبر بضع ساعات حتى أفتضح أمرنا بنطاق واسع بين السجناء الذين ضحكوا كثيراً من تفاصيل الكمين كما ضحكنا نحن أيضاً .

خيوط تجيء وأخرى تروح في ذكرياتنا ( جاسم المطير وفاضل الروضان )ونحن نحرك عيوننا كحارسين متطلعين إلى أنحاء السجن كافة . تحدثنا عن الصواب وعن الخطأ في حياتنا وفي حياة الحزب الشيوعي . ننتقل من ذكرى إلى أخرى حتى تجاوزت الساعة الرابعة . لم يحضر البديلان فاستمرت خطانا مضيفين خطأ البديلين ، بعدم حضورهما بموعد واجبهما ، إلى قوائم الأخطاء الكبرى . كنت متشددا في الذهاب إلى قاووشهما لإيقاظها غير أنه منعني من ذلك .

الحقيقة كانت ليلتنا مرهقة ومظلمة مما اضطررنا لمواصلة الخفارة حتى السادسة صباحا بدلاً من الخامسة حين لاحظنا عدم استيقاظ أكثرية السجناء أو عدم خروجهم من القواويش .

صحبة فاضل الروضان ممتعة دائماً . اكتشفت تلك المتعة من سنوات مضت . ففي جولات إشرافي الحزبي على منظمات القرنة و” المدينة ” والهوير كنت افضل المبيت في داره دون غيره من الرفاق وهم يلحون عليّ .

بيني وبينه مسافة قصيرة في الثقافة والسياسة والعلوم لكنني وجدته الرجل القرناوي الأكثر غزارة في معلومات المحيط الشاسع الذي يعيش فيه . يعرف العشائر كلها . يعرف الموظفين كلهم من القائمقام حتى الفراشين . يعرف المعلمين والمدرسين ومدراء المدارس واتجاهات كل واحد منهم . يعرف الأنهار الصغيرة و الكبيرة في المنطقة كلها . يعرف مداخل الاهوار واحداً واحداً . يعرف منافذ تهريب ( صناديق الشاي السيلاني المستورد ) من القرنة إلى إيران عبر الحدود . يعرف الشيوعيين كلهم من أول شيوعي قرناوي عام 1948 حتى القرناويين الموجودين في النقرة وفي السجون العراقية . يعرف الرجال الذين يضربون زوجاتهم ويعرف النساء العانسات . يعرف أصحاب الألسنة السيئة . أحلى الأوقات كنتُ أقضيها معه , الشيء الوحيد الذي ينقصه هو روح النكتة لا يحفظها ولا يرغب في سماعها .

في العام 1954 أو 1955 ذهبنا معاً في سيارة ” بلشقة ” من القرنة إلى ” المديْنة ” . سارت السيارة حوالي 20 كيلومترا . طريق ترابي من جهة نهر الفرات . وطريق شبه مبلط من جهة اليسار . لكن أشياء كثيرة تتداخل بين المدينتين . أشياء كثيرة تتشابه وأشياء كثيرة تختلف . لكنه لا يترك شاردة أو واردة نجتازها ألاّ ويقدم معلومات عنها وعن أصلها وفصلها . وقد تذكرنا الليلة خلال جولتنا ذلك اليوم من أيام الاجتماع الفلاحي الذي هيأته الخلية الحزبية.

مجموعة من الفلاحين يزيد عددهم على العشرين .. شابان عشرينيان فقط والباقين بأكثريتهم ثلاثينيين وأربعينيين ومعهم اثنان من الكهول ..

كان منظم الخلية ( سيداً ) بمعنى جده رسول الله أسمه ( سيد سجاد ) وهو من النشطاء المحبوبين في المدينة وفي أريافها تمتد سمعته الطيبة إلى هور الحمار . مخلوق نبيل جداً حسب وصف فاضل الروضان المختصر . حين اعتقل قبل عام عذبوه في مركز شرطة العشار لكن الفلاحين هجموا على مركز شرطة ” المدينة ” مطالبين بإطلاق سراحه . اشتغلت البرقيات بين شرطة ” المديْنة ” وشرطة العشار ومديرية الشعبة الخاصة فصدر قرار يومها بإطلاق سراحه وعاد منتصراً تحفه لمدة شهر وليمة يومية في ديوان عشائري أو في مضيف من مضايف المدينة أو في الجامع أو الحسينية .

هذا اليوم استقبلنا الفلاحون بدعوة من ” السيد ” .. كان واقفا باستقبالنا مرحباً بكلمات طيبة معرّفاً الآخرين ” أنهم جاءوا من الحزب الشيوعي بالبصرة ..” .. كشر بعضهم عن أسنانه بينما لاحظنا وجوه الآخرين مغمورة بالبشر عندما فرغ السيد من كلامه . ينظرون إلينا كما لو كنا سنحقق على الفور كل مطالبهم المدونة في الورقة التي كتبها السيد سجاد يوم أمس ..

كان بعضهم يعرف من هو المعلم فاضل الروضان الذي ذاع صيته كشيوعي في القرنة وأطرافها حتى بوسط الهور. أما أنا فكانوا ينظرون إلي باستغراب . يتطلعون بوجهي ليكتشفوا من هو هذا الشاب الافندي الأنيق .

ــ الأول هو صديقنا ورفيقنا المعلم فاضل الروضان . أما الرفيق الثاني فهو حسين حميد جاء مرسلاً من قبل الحزب الشيوعي بالبصرة .

توقف عن الكلام ثم قام بتوزيع بعض نسخ البيان الأخير الصادر عن اللجنة المركزية بعنوان : يسقط الخلف التركي ــ الباكستاني .

قدمني فاضل الروضان باعتباري مندوباً من الحزب لشرح أبعاد ومخاطر هذا الحلف الاستعماري . تنحنحتُ قليلاً وانطلقتُ في التحدث عن الحلف الاستعماري الجديد الذي يستهدف تكبيل منطقة الشرق الأوسط كلها بقيوده الستراتيجية الأمريكية الثقيلة خاصة وان هناك دلالات واشارات واسعة تشير إلى احتمالات دخول إيران عضوا في هذه المجموعة لتطويق الاتحاد السوفيتي العظيم ودول المنظومة الاشتراكية وإيقاف إشعاعها الثوري عن العالم جميعا وعن الشرق خصوصا ..

استمر خطابي على هذا المنوال من دون أن أدرك تأثيره على السامعين . كانوا يتمعنون في النظر إلى وجهي مرة والى وجه فاضل الروضان ثانية والى وجه السيد سجاد ثالثة من دون أن ألحظ ما يعتريهم من عدم اهتمام بحديثي بل توترهم منه ، حتى نهض أحدهم واقفاً رافعاً يده بكف مفتوحة :

ــ قف يا رفيق .. لقد شبعنا كلاماً لا نفهمه . . تحرك سريعاً أنت والحلف التركي الباكستاني الذي لا يعنينا بشيء فليس هو من أقاربنا وليس نحن من أقاربه وهو لا يوفر لنا أرضا ولا زرعاً .. تحرك سريعا عائدا إلى المكان الذي جئت منه ..

عندما حاولت تقديم إيضاحي له صرخ بوجهي قائلاً :

ــ عد من حيث أتيت وإلاّ رميناك وحلفك الباكستاني في نهر الفرات ..

عدنا أدراجنا خائبين إلى مدينة القرنة لنواصل جدلنا لليلة كاملة عن كيفية مخاطبة عقول فلاحين بسطاء على حافات أهوار لا تكفل لهم خبز بطونهم .

من يدري ماذا صنعت رياح السياسة في العراق بعد تلك التجربة وتلك الأيام من تغيرات .

هؤلاء هم فلاحون بسطاء رست سفنهم في أعماق هذا السجن الرهيب من أعلى جبال كردستان ومن اسفل الاهوار ومن الفرات الأوسط وهم يحملون وعيهم ومشقتهم وأملهم يعلموننا دروساً كثيرة في الوفير من علوم النضال ..

أنه السجن على قيد الحياة .

أنهم الفلاحون صناع الحياة .


يتبع