جاسم المطير
جاسم المطير
في هذه الأيام المضيئة من الأيام العراقية الأمينة يجول الفنان حمودي الحارثي في بغداد . يحظى باهتمام المؤسسات والعناصر الفنية والثقافية بعد أن ورث من تاريخه الفني الشعبي لطفا ً سلوكيا ً ودماثة أخلاق حتى غدت شخصيته الشعبية ” عبوسي ” تتحدد بحب صارم للفن وبحب أبناء الشعب له .
ما معنى أن يكون حمودي الحارثي في بغداد ..؟
ما معنى تكريم حمودي الحارثي ..؟
منذ سنوات عشر ثمة أحلام كثيرة تدق قلب حمودي الحارثي وترهقه .. يريد أن يرى النجوم متلألئة في سماء بغداد .. يريد رؤية نار قادحة حول سمك مسقوف في شارع أبي نواس .. يريد أن يبتسم طريا وهو يسمع مقاما عراقيا في أجواء بلاده برنين مجلجل يتجاوز الحواجز الإسمنتية .. يريد أن يرى الفتاة العراقية تجول بحرية وأمان كفراشات ملونة .. يريد أن يقول لأطفال بغداد غنوا ارقصوا فقد صار الإرهاب جثة هامدة .. يريد أن يرى وطنه لا يستعدي فيه إنسان على إنسان .. يريد أن يرى الفن العراقي حرا لا يخضع لمآرب سياسية .
استيقظ العراق لتوه وكل عراقي صار يتعرف على نفسه وعلى جاره وعلى صديقه وعلى أبناء مدينته وعلى أصحابه المغتربين في دول العالم وها هو الجيل الجديد الخارج لتوه من فراغ الصدمات يتعرف إلى الفنان عبوسي في شوارع بغداد مما يذكــّر جميع الفنانين العراقيين المهاجرين خلال السنوات الخمس الماضية بأن الغياب عن الوطن هو تهميش قاتل كما يذكــّر الدولة العراقية أن استمرار تغييب الفنانين والمثقفين والعلماء العراقيين عن الممارسة الوطنية المركزية في تطوير مجتمعنا وإعادة بناء إنسانه هو أمر خطير لا يخلو من كمية كبرى من إهمال لكثير من جوانب الحياة الجديدة .
ينبغي أن تكون زيارة عبوسي لبغداد بداية لعودة جميع الفنانين والمثقفين والمبدعين وبداية لتحرير الفن العراقي (مسرح ، سينما ، غناء ، موسيقى ، تشكيل ) من قيود الانقسامات الطائفية لضمان أن يكون لكل فنان عراقي صورة ذات صدى وتأثير في أعماق المجتمع العراقي الجديد وان يمنح الفرص كاملة ليكون له موقع ودور ليس فيهما مخاطر لا على حريته الإبداعية ولا على حياته .
بغية تصويب الانطباع السوداوي عن الواقع العراقي الحالي المتحرر من ظلام الميليشيا فأن الضرورة تقتضي أن يساهم الفنانون العراقيون سريعا في تنمية ثقافة الحرية والديمقراطية والسلم الاجتماعي . أولى المهام بهذا الصدد ملقاة على عاتق وزارة الثقافة العراقية وعلى الاتحاد العام للأدباء والكتاب وعلى الجمعيات الفنية باتخاذ القرارات الضرورية والإجراءات العملية لكي ينتقل الفنانون والمثقفون من ممرات الغربة الضيقة إلى الحدائق الواسعة داخل الوطن الحر .
حتى لا يضيع الفنان العراقي طريقه لا بد أن تكون كل الأبواب مفتوحة أمام عودة المغتربين .
لا تتركوا عائدا يقعد في باحة الوزارة منتظرا ،
لا تتركوا فنانا بوصفه أسير الحاجة والعوز ،
لا تتركوا فنانا أو أديبا أو عالما ضحية لغطرسة البيروقراطية والبيروقراطيين ،
لا تتركوا فنانا يرفض تحدي أنياب الهيمنة الطائفية ،
لا تتركوهم مستعبدين ،
لا تتركوهم مستغيثين .
تلك هي معاني وجود عبوسي في بغداد محركا لكل فصائل الفنانين العراقيين المتأهبين لاقتحام كل الجدران العالية وإضاءة جميع المباني الفنية والثقافية والعلمية العراقية ليكون العراق بكل أركانه مليئا بالمسقفات البارزة كما مسقفات بابل وسومر وآشور .
تحية إلى الفنان حمودي الحارثي يسير حالما في شوارع بغداد متحررا من ليالي الغربة المظلمة وتحية لكل منتسبي الجيش والشرطة ممن ساهم بصنع عراق آمن منبثق من أعماق الظلمات والإرهاب .
تحية لكل القلوب الشجاعة القوية التي نهضت لتكريم الفن العراقي في وجه حمودي الحارثي المنطلق دائما بروح الصيف العراقي . لا صيف غيره يحي الحقول ويزهر البراعم على ضفاف النهرين الخالدين .
بصرة لاهاي في 19 – 1 – 2009


