جاسم المطير
جاسم المطير
تأسيس دار المعارف السجينة
أغلب السجناء صاروا من محبي القراءة . يقضون جل وقتهم في النهار بالاطلاع على مضمون الجريدة اليومية التي تصدرها لجنة صحفية خاصة مرتبطة مباشرة بقيادة المنظمة الحزبية . بعد ذلك يأخذ كل سجين طريقته الخاصة في الانزواء للقراءة بما يتوفر لديه من صحيفة أو مجلة أو كتاب . بعضهم يمارس كتابة المقالات لإرسالها إلى الصحيفة السجينة أو إلى الصحف والمجلات البغدادية ، أو كتابة الملاحظات الشخصية أو الرسائل للأهل والأصدقاء ، داخل القاووش في أوقات الصيف الحارة أو تحت الشمس الشتائية الدافئة في ساحات السجن الواسعة. في المساء تبدأ المناقشات بين السجناء الذين قرءوا الجديد من الأخبار أو الأفكار أو الكتب والمجلات الواردة من بغداد ” تهريبا ” بواسطة العائلات القادمة للمواجهات أو بواسطة السجانين المتعاونين مع السجناء من خلال أحد أعضاء اللجنة الإدارية وخاصة كنعان العزاوي ( أبو سليك ) وعباس البغدادي اللذين يجيدان التفاهم مع بعض السجانين حول كيفية ” استيراد ” وتوفير الكتب الممنوعة من بغداد ومن مصادر مختلفة و إدخال الكتب التقدمية إلى السجن ، إضافة لكتب وكراسات التراث والمأثورات الشيوعية .
كانت الإرادة القوية للسجناء كافة تتجسد في التحدي لأوضاع حياتهم الصعبة التي أوجدتها وأسستها سياسات الحكام المتعاقبين الذين يريدون عزل السجناء المناضلين وإبعاد المثقفين عن التفاعل مع مجريات مجتمعهم لكن السجناء صمموا أن يكيفوا حياتهم اليومية في هذا المكان النائي المنعزل على مواصلة العيش مع الشعب العراقي ومتابعة الأحداث السياسية والاجتماعية في العراق وفي العالم العربي وفي العالم كله عن طريق الاستماع للراديو ولما تقدمه لهم الجريدة السجينة اليومية التي يحررها صحفيو السجن نفسه كما تجلت أرادتهم في العيش مع فولتير والجواهري والرصافي ولينين وجان جاك روسو ويوسف سلمان يوسف وفيكتور هيجو ومصطفى لطفي المنفلوطي وألبير كامو وبرتولد برخت وطه حسين ومحمود أمين العالم ونجيب محفوظ وغيرهم وذلك من خلال الكتب المتوفرة لدى هذا السجين أو ذاك . كل السجناء ينقسمون في كل ليلة دون شعور ودون تخطيط لينتظموا في حلقات للمناظرة السياسية او الأدبية وتخزين الأفكار والمعلومات في عقولهم أو أنهم يضيفون من خلال ذلك معلومات جديدة إلى خزين ماضي ثقافتهم ونضالهم .
الشيء الذي يلاحظ على الغالب ، وفي أكثر الأحيان في اغلب القاعات ، أن النقاش والأحاديث تتركز حول الشعر وذلك بسبب وجود شاعر أو شاعرين أو أكثر في كل قاووش وكانت الأحاديث المتصارعة تجري حول الفرق بين الشعر الحديث والشعر القديم الموزون والمقفى . الكثير من السجناء وغالبية الضباط وكبار السن والمعلمين والمدرسين يرون الشعر الحديث الذي يقرأه الفريد سمعان وخالد الخشان ومحمد الجزائري شيئا ناقصا ولا جمال فيه لأنه بلا وزن وبلا قافية بينما يدافع النقاد السجناء وفي مقدمتهم فاضل ثامر عن التجديد الشعري كما حدث في الشعر العالمي عند بودلير وغيره بينما يواصل هاشم الطعان ويحي قاف وصالح الشايجي تمسكهم في الوزن والقافية حتى أن هاشم الطعان نظم دورة خاصة لتلخيص الدروس فيها عن العروض والشعر القديم كما لخص ألفية ابن مالك أيضا مؤكدا في كل أقواله ومحاضراته أن الشعر في جوهره ، قراءة ً ونظما ً، إنما هي محاولة في يقظة الشاعر واستيقاظ القارئ وكثيرا ما كان يؤكد على دور الغناء والموسيقى في عملية الاستيقاظ الشعري كما فعل محمد عبد الوهاب وأم كلثوم مؤكدا أن الشعر الحديث لا يوقظ المشاعر في أغلبه .
الأكثر من هذا أن هاشم الطعان كان يشدد على السجناء ضرورة قراءة ودراسة واستيعاب أهم كتب التراث العربي. كان يوجه النصح إلى الشعراء السجناء الشباب بأهمية قراءة المعلقات السبع ( شرح الزوزني ) وديوان بشار بن برد وأبو نواس وديوان الحماسة ( أبو تمام ) وديوان ابن الرومي ففي نظره أن من لا يتعمق في قراءة هذه الكتب لن يكون شاعرا . أما السجين الراغب في أن يكون قصاصا أو روائيا فحسب نظرية هاشم الطعان عليه أن يتعمق بقراءة كليلة ودمنة ( أبن المقفع ) وكتب الجاحظ ومجلدات ألف ليلة وليلة . وإذا أراد أي سجين أن يكون ناقدا أدبيا في فنون الشعر والقصة فعليه أن يركز على قراءة طبقات فحول الشعراء ( محمد بن سلام ) وعيون الأخبار( ابن قتيبة ) . ومن يريد أن يكون مؤرخا عليه بقراءة واستيعاب فتوح البلدان ( البلاذري ) وتاريخ الرسل والملوك ( الطبري ) وفتوح البلدان . كان يختم نصائحه دائما بان من يريد أن يكون ماركسيا حقيقيا عليه بكتاب رأس المال ذي المجلدات الأربعة واضعا إياه في عقله وقلبه .
كان من حصاد الجهود الثقافية التي تبذلها المنظمة الحزبية واللجنة الثقافية واغلب الرفاق أن عدد الكتب أخذ بالازدياد وان الزيادة اعتمدت ليس فقط على الكمية إنما على النوعية أيضا مما يساعد بالتالي على زيادة المعارف بين السجناء وعلى تلبية بعض الاحتياجات للأبحاث والدراسات السجينة كما ازدهرت حركة الترجمة بين السجناء الذين يجيدون اللغات الأجنبية مثل الروسية والانكليزية والفرنسية والكردية وغيرها وقد لعب السجين الدكتور صلاح الخز رجي دورا مهما في تنشيط حركة ترجمة المقالات وبعض الكراسات والكتب والمقالات من الروسية إلى العربية .
ومثلما كان وعد الله النجار وعبد الزهرة مزبان يديران بكفاءة عالية عملية تزويد السجناء بوجبات الطعام اليومية الثلاث من خلال إشرافهما على المطبخ بمعاونة جمعة الشبلي ( أبو كادح ) كان عبد الوهاب طاهر وسامي احمد يديران العملية الثقافية بمعاونة الكثير من السجناء المثقفين مثل ألفريد سمعان وزهير الدجيلي وهاشم صاحب وعزيز سباهي وفاضل ثامر ومظفر النواب وغيرهم . وكان الكثير من السجناء المخضرمين يشجعون الشباب على ضرورة الاستفادة من وقت السجن في القراءة والتزود بالمعارف المختلفة . وكان سلطان ملا علي وعبد الحسين خليفة مثلا يشجعان المحيطين بهما داخل القاووش على القراءة والتزود بالغذاء الروحي من خلال ما هو متوفر من كتب داخل السجن . وكانا قد صارا مرجعا مهما في الرجوع إلى بعض المعلومات السياسية وخاصة المتعلقة بتاريخ الحزب الشيوعي العراقي أو بالحركة الشيوعية العالمية .
الأطباء هنا صاروا مرجعا ليس في تطبيب المرضى فقط بل صاروا مرجعا في كل المعلومات الطبية والصحية . أي سؤال حول معلومات الجراحة يمكن للسجين أن يسأل الدكتور الجراح رافد أديب بابان . أي سؤال عن قضايا الأسنان كان المرجع الدكتور فاضل الطائي . أي سؤال عن التخدير يمكن الاستفسار من الدكتور سعيد غدير . هكذا توفرت مصادر كثيرة للمعلومات الثقافية والعلمية إلى جانب الكتب والمجلات .
إذا أراد السجين كتابا أو كراسا من انتاجات الحزب الشيوعي فعليه الذهاب لطلبه من عبد الوهاب طاهر فإن كان صاحب الطلب عضوا في الحزب فإنه يسلمه الطلب فورا وإن كان ليس عضوا لكنه موضع ثقة عنده أو قريبا منه فأنه يسلمه أيضا . يعني لا يسلم عبد الوهاب من مكتبته إلا للموثوق والجاد في أبحاثه وقراءاته . كما تلعب ( الواسطة ) هنا دورا خاصا .
ذات يوم أردت قراءة كتاب عشرة أيام هزت العالم للكاتب الأمريكي جون ريد بعد أن علمتُ بوصوله إلى السجن من بعض السجناء في القاووش رقم 2 وهو الكتاب الذي نشره عام 1919 عن الثورة البلشفية بقيادة لينين والذي وزع في حينه بمختلف أنحاء العالم لأنه كان أول كتاب يتناول أول ثورة من نوعها في التاريخ ، وهو كتاب أعجبني كثيرا كنت قد قرأته قبل دخولي إلى السجن كما تأثرتُ عميقا بشخصية هذا الكاتب الذي توفي في روسيا وهو في الثالثة والثلاثين من عمره . وقد ذكر لي عبد الوهاب أن الكتاب قيد التداول الآن بين السجناء حسب ترتيب الجدول الخاص باستعارة الكتب وهو الجدول الذي كان الضابط الطيار السجين خالد حبيب مكلفا به وهو يقيم في القاووش رقم 5 وهو نفس قاووش عبد الوهاب طاهر وسامي أحمد وهو بسبب صداقته القوية للرفيقين يطلع على الكثير من نشاطاتهما وإسرارهما .
كانت تربطني علاقة محبة متبادلة مع خالد حبيب . جاءني في آخر الليل بكيس ورقي من النوع الأسمر موضوع بداخله كتاب جون ريد . سلمني إياه بسرية تامة و طلب مني إنهاء قراءته في يومين وقد فعلت والتزمت بتوصيته . هكذا كانت واسطتي المكتبية قوية بوجود خالد حبيب . غير أن الشيء الذي ابهر الجميع هو أن الاتجاه نحو إنشاء مكتبة عامة في السجن قد لقي رواجا واسعا وتأييدا كبيرا . صار كل من يملك كتابا أو مجلة يتبرع بها . كثير من السجناء كتبوا لأهاليهم برسائل خاصة لإرسال الكتب بقصد تأسيس دار المعرفة في نقرة السلمان الشبيهة بدار الحكمة التي شيدها وأسسها هارون الرشيد في بغداد . تقرر ان تكون الكتب المتبرع بها مجموعة في غرفة واحدة صغيرة قرب المطبخ والاستعارة تكون مناطة بمسئولي القواويش .
حين بدأ السجناء يغادرون بوجبات إلى سجون أخرى أو يطلق سراحهم كان أول قاووش قد فرغ من النزلاء هو القاووش رقم 10 فتم تخصيصه في الحال ليكون في أواخر عام 1966 مكتبة السجن أو دار المعرفة السجينة او دار الحكمة أو مكتبة الشيوعيين في الصحراء وغير ذلك من التسميات .
عندما عزمت المنظمة على تأسيس المكتبة لم تكن هناك خطة محددة لتزويدها بكتب معينة لكن الشيء الأساسي في جهودها انصب على ضرورة أن تكون هذه المكتبة دارا حقيقية تساعد العقل السجين على التطور في مجال إبداع أدب السجون وتطويع الحياة اليومية للسجناء على أسس نهضة فكرية فلسفية أدبية ، وكان من حصاد هذه الجهود أن تم افتتاح المكتبة بأكثر من 150 كتابا ضمت روايات عربية وعالمية وضمت أبحاثا ودراسات في أصول السياسة والعلوم والفلسفة والآداب وقد ساهمت أنا بما املكه من كتب وكان تبرعي الأول ب13 كتابا متنوعا واحتفظت ببعض الكتب تحت يدي وقد أحسست ُ بعد ذلك بأن الامتناع عن التبرع بكل ما أملك هو نوع من الأنانية فتبرعت بها بعد شهرين . بينما تبرعت المنظمة الحزبية ب55 كتابا وتبرع خالد حبيب بسبعة دواوين شعرية وغيرهم كثيرون .
ضمت المكتبة في بداية تأسيسها عددا من مجلة الكاتب المصرية ( 9 أعداد ) ومجلة الآداب اللبنانية ( 8 أعداد ) ومجموعة من روايات نجيب محفوظ ( 4 روايات ) . وتوسعت المكتبة بالتبرعات المتواصلة من السجناء ومن عائلاتهم فضمت كتبا قيمة من مثل :
رسالة الغفران / ابو العلاء المعري / وقد صنفناها في قسم الفلسفة .
ثلاثة روايات / أرنست همنغواي .
الفتنة الكبرى / طه حسين .
البيان الشيوعي / كارل ماركس .
نسختان من كتاب جون ريد / عشرة أيام هزت العالم .
لمحات من تاريخ العالم / جواهر لال نهرو .
رواية الأم / مكسيم غوركي .
بؤس الفلسفة / كارل ماركس .
الأخراج المسرحي / كتاب قديم ممزق غير معروف عنوانه / كتاب مترجم .
الميجر باربارا / برناردشو / مسرحية .
آنا كارنينا / تولستوي / رواية .
رأس المال / كارل ماركس / الجزء الأول .
خمسة كتب من سلامة موسى .
طه حسين / عدة كتب .
الساعة الخامسة والعشرون /كونستانتان جيورجيو / رواية
والفولاذ سقيناه / رواية / نيكولاي استوفسكي .
عطيل / شكسبير .
الفرسان الثلاثة / رواية / ألكسندر ديماس .
الأمير / ميكافيلي .
البيان الشيوعي / فريدريك انجلز وكارل ماركس .
الاقتصاد السياسي / ليونتيف
حق الأمم في تقرير مصيرها .
تقرير خروتشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي
ديوان عمر الخيام
خطب ماوتسي تونج .
ديوان المومس العمياء / بدر شاكر السياب .
محاضرات في فلسفة التاريخ / بليخانوف
قواعد الإملاء .
الفلاحون وحركة التحرر القومي / زوليانوفسكي
قصص / شولوخوف .
روميو وجوليت / شكسبير / مسرحية .
ذكريات من منزل الأموات / دستويوفسكي
ديوان المتنبي ، وآخر لعبد الوهاب البياتي ، ومجموعة كتب لسلامة موسى ، وقصة لكافكا ، عدة كتب اجاثا كريستي ، مصطفى جواد ،
وهناك الكثير من الكتب الأخرى حتى صارت المكتبة تضم حوالي 460 كتابا حين غادرت سجن الحلة منقولا إلى سجن الحلة في آذار 1967 . كما ضمت المكتبة نسخة متوسطة الحجم من القرآن ونسخة من الكتاب المقدس الجامع للعهد القديم والعهد الجديد أي التوراة والأناجيل الأربعة . الملاحظ أن الشعراء الشباب في السجن اعتادوا على التسجيل على الكتاب المقدس لقراءة نشيد الإنشاد الذي اعتقدوا انه سيساهم في رفع مستوى مفرداتهم الشعرية فانهمكوا في قراءته وحفظه .
كان عبد القادر العزاوي ( قدوري العظيم ) يملك عددا من دواوين بدر شاكر السياب لكنه رفض التبرع بها لأنه صمم أن يحفظها عن ظهر قلب ، بناء على نصيحة من شاعر ما ربما هو ألفريد سمعان الذي قال له ناصحا ( لن تصبح شاعراً إلا إذا حفظت عشرة آلاف بيت من الشعر العربي ) وقد أنجز حفظه لجميع قصائد بدر شاكر السياب المتوفرة لديه تحت وسادته .
يبدو ان المكتبة السجينة أخذت تنشر رسالتها بين السجناء ويمكن التعرف على هذه الحقيقة من خلال الإقبال الشديد عليها كما انعكس ذلك على مستوى الحوار والنقاش الذي يجري كل يوم بين مجموعات السجناء وحلقات الصداقة بينهم و كذلك في داخل الخلايا الحزبية فقد أصبحت المناظرات اقل حدة وتعصبا بين الرفاق الذين انغمر عدد كبير منهم على القراءة داخل المكتبة أو استعارة الكتب منها وقراءتها في القاووش .
لقد انتشرت داخل السجن وبنطاق واسع مناقشات يومية متواصلة حول ثقافة الماركسية وحول الستالينية وحول ثقافة الرفيق فهد وخول ثقافة ماوتسي تونج وجان جاك روسو وجان بيرك وجان بول سارتر والشاعر الروسي الجديد ( أفتشنكو ) الذي كان اسمه يتردد كل يوم في الأخبار الثقافية العالمية باعتباره شاعرا متمردا على الثقافة السوفييتية المعاصرة ، تحتل أخباره صدر الصحافة والإذاعات في هذه الأيام .
جرت نقاشات واسعة بين العديد من القراء حول الثقافة القومية والثقافة العنصرية والثقافات الدينية وكانت تنتج عن هذه المناقشات أسئلة كثيرة بين السجناء لم تحصل على إجابات واضحة وحاسمة . الشيء الذي يمكن قوله هنا أن المكتبة ساهمت في دخول السجناء في مناقشات حول الثقافات الإنسانية في مختلف العصور والأزمان تناولت فلسفة زكي نجيب محفوظ التي كان صالح الشايجي يحبها كما تناولت أفكار الإمام محمد عبده وجمال الدين الأفغاني مثلما تناولت مبادئ فرويد وتمثيل شارلي شابلن وأشعار ت . أس . إليوت وقصص دي . أج . لورنس .
المكتبة وليدة ولذلك فكثير من الكتب ينقصها وهذا أمر طبيعي في كل مكتبة بالعالم فكيف بمكتبة صغيرة في سجن نقرة السلمان التي عليها أن تتحدى الكثير من العوائق والجدران كي تستطيع تهريب كتاب واحد إلى داخل السجن بالحيلة أو بالرشوة والإغراء . ولذلك احتج العديد من السجناء المهتمين بالفنون المسرحية بنقص المكتبة من الكتب المسرحية وهذا حق بدون أدنى شك .
لكن اليوم وصلنا مقال مترجم عن مجلة انكليزية تناولت بعض جوانب حياة الكاتب المسرحي الأمريكي آرثر ميللر وبعض السجناء كان يعتقد أن هذا الكاتب كان شيوعيا تعرض هو وزوجته مارلين مونرو وشارلي شابلن وغيرهم من المثقفين والفنانين الأمريكان إلى حملة ضغوط وتحقيقات جنائية من قبل لجنة المكارثية التي اتهمت المئات في الولايات المتحدة بالانتماء إلى الحزب الشيوعي الأمريكي و التي ركزت نشاطها لوقف نشاط الشيوعيين الأمريكان بالضغط عليهم لإعلان براءتهم من المبادئ الشيوعية ومن المبادئ التي تعادي أمريكا دولة الحرية العالمية كما يسميها الغربيون . وقد انتقلت عدوى هذه الإجراءات إلى بهجت العطية ونوري السعيد والى حكومة نور الدين محمود وحكومة حافظ الجمالي حتى وصلت العدوى إلى الانقلابيين البعثيين في 8 شباط 1963 الذين أصدروا بيان إراقة دم الشيوعيين بالبيان رقم 13 بقتلهم في الشوارع والمعتقلات وفي مقرات الحرس القومي ، كما مارسوا في ما بعد انتزاع صكوك البراءة من المعتقلين العراقيين والسجناء الشيوعيين ا في أواخر حكمهم القصير . ومارستها أيضا حكومة عبد السلام عارف وتمارسها في هذه الأيام حكومة عبد الرحمن عارف ، وكلهم استندوا إلى تجربة المكارثية الأمريكية التي كادت أن تطيح برأس الشيوعيين الأمريكان وبخيرة الكتاب والفنانين العالميين فيها . كما كادت تطيح بالعقل المسرحي الجبار المتمثل بتجربة آرثر ميلر الذي كشف المقال الذي ترجمه السجين بديع عمر نظمي عن عظمة كتاباته المسرحية . كان الموضوع المترجم مهما ومثيرا خاصة أن مترجمه إلى العربية بديع عمر نظمي مشهود له من جميع أدباء السجن بالمعرفة والمقدرة وبإجادة اللغتين العربية والانكليزية .
الحديث تشعب وتوسع عن آرثر ميللر اثر استنساخه بعدة نسخ وتوزيعه مع النشرة الإخبارية اليومية وصارت أسماء أمريكية تقدمية أخرى يتداول بها السجناء إلى جانب اسم ميللر مثل ارنست همنغواي الروائي المعروف في العراق حيث كانت رواياته تباع بكثرة في سوق السراي وبطبعات رخيصة الثمن لكن الحديث تركز لدى البعض بعد أن اعد عباس سكران مقالة ومعلومات مفصلة بثلاثة صفحات فولسكاب نشرت بالملحق الثقافي من الجريدة السجينة التي صدرت يوم الأربعاء الماضي وفيها معلومات وافية عن مسرحية آرثر ميللر المعنونة ( كلهم أولادي) و مسرحية (وفاة رجل المبيعات ) وغيرها وقد وقع عباس سكران في بعض الأخطاء في التسلسل التاريخي لنشاط ميللر لكن بديع عمر نظمي صححها لنا شفويا وقد رفض نشر التصحيح في الجريدة .
الشيء المهم في علاقتي من خلال آرثر ميللر بالسجين بديع عمر نظمي انه اوجد حلا جذريا لمشكلة الدراسة في صف الاقتصاد السياسي في السجن الذي كنت أقوم به أنا شخصيا .
عندما كلفتني المنظمة الحزبية عام 1965 بمهمة القيام بتدريس مادة الاقتصاد السياسي في السجن أخذت أبحث عن المصادر المتاحة بهذا الموضوع وقد كانت شحيحة تماما . كانت بعض المقالات محفوظة في أرشيف سامي احمد وكان متوفرا ايضا كتاب الاقتصاد السياسي لمؤلفه السوفييتي ( ليونتيف ) لكن هذا الكتاب تم إلغاؤه بعد المؤتمر العشرين وحل محله كتاب آخر قام بتأليفه مجموعة من الخبراء السوفييت ليحل محل الأول في اعتماده المادة التثقيفية لخلايا الشيوعيين في البرنامج الثقافي للحزب الشيوعي العراقي كنت قد قرأت الكتاب بجزأيه قبل دخولي إلى السجن . أعطاني سامي أحمد كتاب ليونتيف الذي سبق أن أعتمده عزيز سباهي في تدريس حلقات من السجناء في النقرة قبل ذلك . كما كان متوفرا لدى سامي احمد الجزء الأول من الكتاب الجديد . غير أن المصادفة وفرت الجزء الثاني من الكتاب حين تبرع أحد السجناء بجزأين من نفس الكتاب باللغة الانكليزية . وقد قامت المنظمة الحزبية بتكليف بديع عمر نظمي بترجمة مختصرة للجزء الثاني من هذا الكتاب لكي أقوم بتدريسه بالصف المخصص للاقتصاد السياسي.
اختار بديع عمر نظمي بعض الفصول من الكتاب كما طلب من المنظمة أن تختار مساعدا له ليملي عليه الترجمة العربية . خلال يومين استلمتُ أكثر من 50 صفحة من الترجمة التي هي خلاصة مفيدة من الجزء الثاني . استغربتُ سرعة الترجمة فقيل لي هذه هي ميزة بديع عمر نظمي ومقدرته الفائقة في الترجمة السريعة والدقيقة كما كان معروفا عنه أيام عمله في جريدة اتحاد الشعب . قيل لي انه كان قد امسك الكتاب الانكليزي بيده ، يروح ويجيء في القاووش ويملي بالعربية على مساعده الذي كان يكتب بسرعة فائقة أيضاً . ثم قرأ بديع عمر نظمي النص العربي مصححا بعض الأخطاء ومكملا بعض النواقص .
هكذا ساهمت المكتبة السجينة ومصادفاتها في استكمال حاجات السجناء ليس فقط إلى مواد الاقتصاد السياسي بل إلى جميع فروع الثقافة والآداب .
يتبع


