جاسم المطير
نقرة السلمان
(38)
جاسم المطير
حوت كبير في أم قصر ..
وصل اليوم من البصرة سجين جديد أسمه ( أحمد ) . سلّم علي بحرارة بعد أن استقر في مكانه بنفس القاووش رقم 4 . لم أكن أعرفه من قبل . فقد كان من أعضاء التنظيم العسكري ــ ضابط دبابات ـ برتبة رئيس أول . لكنني كنتُ أعرف والده الحاج درويش الخطيب وهو أشهر من نار على علم في مدينة البصرة كلها ، كما يقال أنه من أطيب الناس . لا يوجد مظلوم في البصرة إلاّ ويذهب إلى مكتبه مقابل بناية المحاكم ليكتب له عريضة بخط جميل إلى الجهة التي ظلمته طالباً إنصافه في دعواه ، وليس مهماً كم يدفع المرء لقاء أتعابه فالغني يدفع كثيراً إن كان كريماً بينما الفقير يدفع قليلاً أو لا يدفع شيئاً … في الحالتين تسمع من الحاج درويش : شكراً جزيلاً ..
بالنسبة لي فالحاج درويش هو صديق والدي وقد توسط لي عام 1954 لدى مدير تجنيد العشار فأسعف طلبي في حينه . هكذا يدور دولاب الحياة فيظهر أبن الحاج ليصبح صديقاً لي في هذه المساحة المسيجة بالظلم .
أخبرني الرئيس الأول الركن أحمد أن والدتي جاءته إلى محطة القطار وطلبت مساعدة الشرطيين المصاحبين لنقله إلى سجن نقرة السلمان ورجتهما أن يسمحا له تسلم رزمة صغيرة من الملابس لكي يوصلها لأبنها السجين في النكَرة . وقد وافقا لقاء هدية هي علبة سيكَاير من نوع ( الجمهورية ) ..
وصلتني الرزمة فعلاً بعد وقت قصير من استراحته في قاووشنا . تضمنت الرزمة بعض الملابس الداخلية وبعض الصحف البصرية والبغدادية ولم تكن معها أي رسالة . وقد بدأ ساكنو القاووش يتبادلون قراءة الصحف داخل القاووش مخالفين بذلك القواعد المتبعة في مثل هذه الحالة التي يجب تسليم ما يرد من صحف ومجلات إلى الهيئة الإدارية في السجن أو إلى لجنة التنظيم الحزبي ،المسؤولتين عن ترتيب توزيع وقراءة الصحف بصورة تجعل الجميع قادرين على القراءة والمتابعة .
أثار انتباه الجميع في اللحظات الأولى لتوزيع الجرائد ذلك الخبر الجميل ، غير السياسي ، الذي سرى بين السجناء بسرعة فائقة ، حول دخول ( حوت كبير الحجم ) إلى مياه الخليج العربي ووصوله ميتاً إلى مياه ميناء أم قصر . وقد قيل في الأخبار أن أحد الأدلاء البحريين ، وهو من عائلة السعدون ، قد رأى شيئاً غريباً يطفو على المياه في تلك المنطقة . وما أن صار قريباً منه حتى تأكد من كونه حوتاً ، لكنه كان ميتاً . هذه أول مرة يصل فيها حوت كبير الحجم إلى هذه المنطقة مما أثار العجب لدى أهالي الفاو والبصرة وقد هرع الكثير من أصحاب السيارات ، مع عوائلهم وأطفالهم ، لمنطقة أم قصر بقصد مشاهدة الحوت ..
بعد يومين تم سحب الحوت إلى رصيف الميناء وأخرج من الماء بواسطة الرافعة ( الكرين ) وترك في العراء لكي يجف ثم تم نزع هيكله العظمي . وقد باركت السلطات المحلية جهود جميع عمال الميناء الذين ساعدوا في الحصول على أول هيكل عظمي لحوت يزور المياه الإقليمية العراقية .
بسرعة انتقلت الأخبار بين السجناء ولم يحل الليل حتى تكاثرت الأسئلة عليّ وعلى غيري من البصراويين عن أم قصر .. بعضهم كان يسأل عن القصر ..! وعن أم هذا القصر وأبيه ..! ..
كنتُ سعيداً حقاً في تلك الليلة وفي الأيام التالية . يبدو أنا الوحيد في هذا السجن يعرف بعض المعلومات عن ميناء أم قصر ، وقد أسفت كثيراً لأنني لا اعرف القصر ولا أمه . ..!! كان كل خمسة أو ستة من السجناء يحيطون بي مستفسرين عن أم قصر ، فأعيد نفس المعلومات أكثر من مرة في اليوم الواحد . صارت المعلومات متداولة كثيراً بين السجناء البصريين وغير البصريين عن أم قصر ، الميناء الواقع في جنوب البصرة والزبير ، وفي شرق خور عبد الله والفاو . هذه المنطقة في الحقيقة منطقة نائية فيها العديد من الخلجان الصغيرة لكن العميقة . كان بعض البحارة الإنكليز ، في أوائل 1940قد اكتشفوا بعد بحث دائب أن عمق الخلجان يساعد البواخر الكبيرة على الرسو فيها . وصار في بالهم ، وهم يحتلون البصرة والعراق كله ، أن هذا الميناء ، كموقع بحري ، يمكن أن يتحول إلى ميناء عسكري ، كما يمكن أن يكون بديلاً مفضلاً عن نهر شط العرب وعن ميناء المعقل وأرصفته التجارية .
كان والدي قد حدثني ، أكثر من مرة عن انطباعاته عن أم قصر وقت كان يعمل سائقاً لماطور صغير يملكه أبن خالته ( مجيد ) لكنني لم أكن آبها بأحاديثه عن دور الإنكليز في تحويل تلك المنطقة بما يخدم أغراضهم ، وأنا الآن نادم على عدم إصغائي لقصصه وأحاديثه . . كان الماطور المائي يستخدم في أكثر الأحيان وسيلة لتهريب بعض المواد الغذائية وغيرها من سلطنة مسقط وعمان . هذه النقطة كانت قد أثارتني أكثر من غيرها في جميع أحاديثه فكنت أشتاق لسماع تلك المغامرات التي كانت الشرطة تتعقبهم فيها ..
ذات يوم ، في أواخر الخمسينات ، كنا قد توجهنا ، أنا وأعضاء لجنة الفاو للحزب الشيوعي بالزورق البخاري متجولين لمجرد السياحة والاطلاع في تلك المنطقة بعد أن تحركنا من الفاو باتجاه مياه أم قصر في أعقاب اجتماع حزبي دام طويلاً في اليوم السابق . كنا نتبع بعض صيادي الأسماك واستطعنا ، فعلاً ، أن نعود ، بعد نهاية الجولة وقت الغروب ، إلى العشار بسيارتنا التي تركناها في الفاو أمام بيت أحد الرفاق الفاويين ، بعد أن ملأناها بثلاث تنكات من مختلف أنواع الأسماك اشتريناها من الصيادين بثمن زهيد .
في ذلك اليوم تحدث لنا صاحب الزورق مقدماً لنا معلومات كنا نجهلها عن موقع أم قصر ودور الإنكليز الاستكشافي في مياهها وشواطئها ، حتى اتخذته السلطات العسكرية والبريطانية بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية ميناءً رئيسياً عام 1942 لنقل المعدات الحربية إلى داخل العراق والى إيران أيضاً . وقد قال أن أم قصر صارت بنظر الخبراء العسكريين الإنكَليز موقعاً ستراتيجياً ممتازاً .. كلهم أحبوا أم قصر ، أرضها وبحرها ، بل كان مؤملاً لها أن تكون محطة النهاية لخط سكة حديد ( بغداد ــ برلين ) لكن الصراعات والتداخلات الدولية هي التي منعت ذلك .
البريطانيون لم يتركوها فقد أنشأوا رصيفاً كبيراً على الجانب الغربي لأم قصر ثم أوصلوا فرع السكك الحديد من أم قصر إلى الشعيبة ، ومن الشعيبة إلى بغداد .أي أنهم ربطوا بغداد بهذه المنطقة . وقد أدى هذا الميناء خدمات كبيرة إلى الاتحاد السوفيتي خلال الحرب العالمية الثانية ، إذ تم نقل المساعدات الحربية التي أعارتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الحكومة السوفيتية بما فيها الطائرات المقاتلة التي كانت ترد بصناديقها على ظهر البواخر . وقد كانت الصحف والإذاعات البريطانية بعد نهاية الحرب تتبجحان بأن هذه المساعدات كانت سبباً رئيسياً من أسباب انتصار السوفيت على النازيين الألمان .
أخبرني والدي في ما بعد بشيء آخر لم يذكره لنا رفاقنا في الفاو وخاصة صاحب الزورق ، وأعتقد أنهم لم يكونوا يعرفون هذا الشيء . فقد أنشأ البريطانيون فرعاً من سكك حديد المعقل ، يعبر شط العرب ، في منطقة ٍ أمام مطار البصرة ، متوجهاً من المعقل إلى الحدود الإيرانية ، وهو الخط المرتبط بداخل إيران حتى يصل إلى طهران .
أي أن البصرة ارتبطت في تلك الفترة بالعاصمة الإيرانية عبر جسر خشبي مقام على نهر شط العرب هو جسر (هول)..
كان الإنكليز يعولون كثيراً على هذا الجسر وعلى خط السكك الحديد الواصل إلى طهران بنقل حمولاتهم التجارية بعد نهاية الحرب . لكن هذا المشروع مات نهائياً في الايام الأولى بعد نهاية الحرب ، كأنما المشروع مرتبط بالحرب وليس بغيرها .
لا أدري لماذا مات هذه المشروع وغيره من المشاريع المماثلة بعد نهاية الحرب .. من الذي أماتها ..؟
كان يمكن لقطار متعدد الاتجاهات أن يكون ينبوعاً مهماً من ينابيع التطور الاقتصادي والاجتماعي ويمكن أن يغير وجه الصحراء ، مثلما يكون منفرداً في ربط البصرة والعراق بكل البلدان المجاورة . ولو ظل خط سكك حديد (المدينة المنورة ــ عمّان ـ دمشق ــ بيروت ) قائماً إلى جانب هذه المشاريع في الأرض العراقية لكان ذلك أساسا اقتصاديا هاماً لتطور منطقة الشرق العربي .
يبدو واضحاً أن المصلحة الاستعمارية كانت وما زالت هي الاعتبار الأول في كل مشروع أو علاقة بين بلدين في هذه المنطقة . فما أن انتهت مصلحة الإنكليز والأمريكان بميناء أم قصر بنهاية الحرب حتى بادرت الحكومتان إلى غلقه ورفع كل موجوداته وبيعها بالمزاد العلني كما رفعت قضبان سكك الحديد وعادت المنطقة نائية موحشة لا نفع فيها ..
هكذا تجري العلاقة مع المستعمرين أنفسهم . مصلحتهم فوق كل مصلحة ..
كانت ثورة 14 تموز مناسبة مهمة لأعادة النظر بالمشروع . أول خطوة في هذا الاتجاه بدأت في البصرة نفسها حيث أعيد تقييم العلاقة من جديد بين مديرية موانئ البصرة وموقع أم قصر .عرض بعض الفنيين اقتراحهم بإعادة إنشاء ميناء أ م قصر .أقبل المسؤولون في الموانيْ وفي بغداد على إطاعة الاقتراح .. درس بعناية .. سافر بعضهم إلى بغداد .. حضرت من بغداد وفود فنية عديدة ، ثم قرر الزعيم عبد الكريم قاسم أن لمنطقة أم قصر كل الأهلية والنفع في أن تتحول وما حواليها من منطقة جرداء إلى منطقة آهلة بالسكان والأرصفة والبواخر . وقد أوحى للجميع أنه مهتم بهذا الأمر إلى الحد الأقصى . فكان ربيع 1961 ( أظن في أواخر آذار ) موعداً حضر فيه عبد الكريم قاسم بنفسه إلى أم قصر ليضع حجر الأساس في احتفال ضخم حضره عدد كبير من المسؤولين ، كما حضره الشيخ عبد الله المبارك الصباح نائب أمير الكويت . وتم تحديد ثلاث سنوات لإنجاز بنائه . تأخر قليلاً عن موعده وتم افتتاحه هذا العام بدخول أول باخرة للميناء وكانت باكستانية الجنسية ..
ما زلت سعيداً جداً وأنا أتحدث عن ميناء أم قصر في سجن نقرة السلمان .. ترى في أي عام في المستقبل يمكن لحكومة عراقية أن تحول نقرة السلمان إلى منطقة زراعية تسقى بالمياه الجوفية المتوفرة بغزارة .. ومتى يمكن تحويل سجن النكَرة إلى متحف يزوره أولادنا وأحفادنا للسياحة كي يستمتعوا ويتذكرونا ..
ابتسمنا جميعاً وربما صار حلم السجين السياسي يشطح يميناً ويساراً بلا معنى ..
ثم سمعنا ذلك الصوت المحبب : قواوويش غده .. قواويش غده ..
لقد حل موعد الغداء وهذا هو صوت أبو كادح ينادي الجميع للذهاب إلى المطبخ ونقل الغداء منه إلى حيث السجناء ينتظرون فقد أحسستُ أن بطني ، كبطون السجناء الآخرين تقرقر أيضاً ..
يتبع
¤ نقرة السلمان (37)
¤ نقرة السلمان (36)
¤ نقرة السلمان (35)
¤ نقرة السلمان (34)
¤ نقرة السلمان (33)
¤ نقرة السلمان (32)
¤ نقرة السلمان (31)
¤ نقرة السلمان (30)
¤ نقرة السلمان (29)
¤ نقرة السلمان (28)
¤ نقرة السلمان (27)
¤ نقرة السلمان (26)
¤ نقرة السلمان (25)
¤ نقرة السلمان (24)
¤ نقرة السلمان (23)
¤ نقرة السلمان (22)
¤ نقرة السلمان (21)
¤ نقرة السلمان (20)
¤ نقرة السلمان (19)
¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


