جاسم المطير
جاسم المطير
قلب الإنسان ساحة قتال ..
خلال الأشهر القليلة الماضية كنتُ أحاول إدراك حرفة الأدب وإتقانها من جديد . هاشم الطعان يلح عليّ بممارسة حرفة القصة القصيرة بعد أن قرأ العديد مما كتبته منها . بعض المسودات ” لعب ” بها شطبه أو تعديلا أو إضافات وبعضها الآخر مزقها . وجد الكثير من الأخطاء اللغوية فألقى أمامي ثلاث ” محاضرات ” لثلاثة أيام عن تلك الأخطاء وكيفية تلافي مثيلاتها في المستقبل .. كان يتحدث بجدية وهو منشغل بحياكة ” جنط ” النمنم التي كان مهتماً بها منذ أن كنا معتقلين معاً في موقف مركز شرطة البصرة معتبراً هذه ” المهنة ” مريحة للأعصاب .
جربتُ بإشرافه كتابة قصة قصيرة بعنوان ” نجمة ” أقترح عليّ بعد أن قرأها إرسالها من السجن إلى مجلة الآداب اللبنانية وباركني إذ لم يجد فيها أية غلطة ، لا إملائية ولا إنشائية مثنياً على جهوده الخاصة في تعليمي . في اليوم التالي هيأت القصة والرسالة إلى سهيل أدريس وأرسلتهما من بريد قضاء السلمان .
مرت عشرة شهور على ارسال تلك القصة كانت فيها مهنة تعليم الاقتصاد السياسي للسجناء قد أجبرتني بسرور وحبور أن أكون ” معلماً ” للأقتصاد السياسي في السجن ، فتغلبت هذه المهنة على مهنة الأدب التي لم أمارس منها شيئاً غير المشاركة ببعض الندوات الأسبوعية .
اليوم أصبت بانزعاج كبير حين قلبنا سوية ، أنا وهاشم الطعان .. العدد الجديد من مجلة الآداب بين أيدينا نتصفحه على عجل فأيقنتُ أن قصتي ( نجمة ) لم تحظ على موافقة نشرها . كدتُ أتخلى عن الكثير من الصبر الذي هو ميزتي الأولى ، لكن هاشم الطعان أعاد ثقتي بنفسي وامكانية تجديدها كل يوم حتى أجد فيها مكاناً لتقديم نتاج أدبي ما . شدد هاشم الطعان على احتمالين ، أحدهما يمكن أن يكون السبب في احتجابها عن صفحات مجلة الآداب ، الأول أن الرسالة البريدية لم تصل إلى المجلة فمن يضمن سلامة مرورها على رقيب بريد سجن السلمان أو رقيب بريد بغداد الخارجي . الاحتمال الثاني أن ” مضمون ” القصة لم يعجب رئيس التحرير إذا ما أدرك أن بطلة القصة المعلمة ” سميرة ” الهاربة إلى منطقة السيبة مقابل عبادان هي من كوادر الشيوعيين العراقيين . ثم ختم تعليقه بالقول : قصتك كاملة الأوصاف لا يمنع الجانب الفني نشرها .
حين قلتُ له أنك صديق مجامل .
أجابني أنني لم أجامل أحداً في حياتي ، بل أنا فظ وشديد التعامل بالنقد مع كل المخطئين والمنحرفين وغير المؤهلين . وأنت لست منهم . وقال لي : أمامك هاشم الطعان .. أنا أكفأ من سهيل أدريس في تقييم قصتك .
أكثر من سبب أزعجني في هذا اليوم . فقد حملت رسالة وردتني من والدتي صباحاً بضعة أسطر غير كافية على منحي صورة واضحة عن الوضع المعيشي والمالي لعائلتي . لقد وجب على والدتي رعاية والدي العزيز فأنها ، مثلي ، تعتبر رحيله قبل موعده خسارة لا تعوض خاصة وهي تعرف أنني أردتُ تدوين ذكرياته عن الأحداث السياسية التي مر بها خلال الحربين العالميتين وخلال أنقلاب رشيد عالي الكَيلاني وحوادث البصرة خلالها ، وعن حوادث ” الفرهود ” في البصرة التي نهبت فيها أملاك اليهود ، تلك الحوادث التي أجبرت أهالي العشار على تشكيل لجنة من الوجهاء والأهالي لتأمين الأمن والاطمئنان والحفاظ على ما تبقى من بضائع مخازن اليهود وأثاث بيوتهم وكان والدي واحداً من أعضاء تلك اللجنة .
والدي الآن يعاني من حالتين : آلام في صدره نتيجة الالتهاب المزمن في قصباته الهوائية . كما يعاني من الظلام الدامس بامتناعه عن إجراء العملية الجراحية المقررة لعينيه .
والدتي تعرف جيداً أن صدري يتسع لكل شقاء ، سواء كنتُ موقوفاً أو سجيناً ، أو طليقاً ، لكن بدت رسالتها اليوم كأنها تخفي شيئاً . نزلت دمعة من عيني وأنا أسأل نفسي : هل مات والدي يا ترى ..
قبل أنقلاب شباط أجبرته أن يقص علي محاولته لاغتيال نوري السعيد في البصرة عندما أشعل النار في غرفته بيخت الملكة عالية فحولتها إلى قصة قصيرة ــ نشرتها في مجموعتي المعنونة ( الزمن المخجل ) فيما بعد ــ فهل مات يا ترى وأخذ معه الكثير من الأسرار دون أن أطلع عليها ..؟
شغلتني شكوى والدتي ، المدونة بالألم في رسالتها ، من الوضع المالي الصعب الذي تعانيه . لا أملك أي حل سوى الكتابة إليها : يشغلني كثيراً ما تعانونه من آلام العوز ومفاجأته وأنا سجين ليس بيدي شيء أفعله لك ِ .أعتقد أن أفضل شيء تعملينه الآن هو بيع جزء من قطعة الأرض . فهي أكبر من حاجتنا ، الآن وفي المستقبل ، وحسبما علمتُ من حسين عبود الخياط قبل مدة عن رغبة عائلته أو عائلة أخرى صديقة لها في شراء مائتين متر مربع بسعر مائة وثمانين دينار . هذا حل جيد في الوقت الحاضر . أرجو أن لا تترددي عن ذلك . أؤكد لكِ أن امتناعك عن البيع لن يرضيني . لا أحتاج إلى أثاث بيتي .. اعرضيها للبيع كلها ما عدا المكتبات الصاج . بإمكانك ِ أن تقترضي حالاً بعض المال من ( الحاج عباس الأنصاري ) أو غيره ( أبو داود ) فالكثير من الطيبين على استعداد لذلك . بإمكانك ِ تسديد الديون حال بيع جزء من قطعة الأرض .
بإمكانك أيضاً الاقتراض من العمة الحاجة بدرية ولو أنني أكره أن يأتي منها أي فلس إلى بيتنا لأنها تكرهني وتكره شيوعتي ولو كانت ” آدمية ” لبادرت هي في مساعدتكم قبل أن تطلبوا منها . .
أرجو أن تخبريني عن موقفكِ من الحلول المقترحة .
لم يكن أمامي بعد أن أنهيت توصياتي لوالدتي بالرسالة التي كتبتها عن الهم المالي الذي يعانيه أغلب السجناء الذين انقطعت عنهم رواتبهم بمجرد دخولهم السجن ، حتى المتقاعدين قطعوها عنهم وباتت عوائل السجناء تبحث عن مورد تعيش به .
ألتفتُ إلى يمين فراشي كي أبدأ قراءتي لكتاب جديد اخترته من مكتبة السجن كنتُ قد حجزت عليه بتدوين أسمي وأسم الكتاب لدى ” مأمور المكتبة ” قبل شهر تقريباً وربما أكثر . أسم الكتاب ” كلهم أبنائي ” وهي مسرحية لآرثر ميلر ، الكاتب الأمريكي المعاصر . وقد كان ميلر زوجاً لمارلين مونرو لأربعة أعوام تقريباً . بدأت بقراءة المسرحية بدقة وبإمعان فراحت نفسي في أرجاء الدنيا الظالمة . وضعتني أفكار الكاتب على خلاف تام مع العالم الرأسمالي ,. أعطتني كثيراً من الحقائق التي تشي بسيئات هذا العالم الذي يحتجب خلف قناع خادع .
في الحقيقة أن مقدمة الكتاب دفعتني إلى مغامرة قراءته رغم أن الساعة كانت بعد الثامنة والنصف بقليل وما زال السجناء في القاووش يتناقشون ويتصايحون فلم يحن موعد الهدوء بعد ، وهو الساعة العاشرة تماماً حيث يصمت الجميع كالنمل . وينشغل الأقلية بالقراءة بينما الأكثرية يبدءون رحلة النوم إن لم تكن لديهم واجبات حراسة أو غسل ملابس أو اجتماعات خلوية أو واجبات طبخ أو غير ذلك .
كذلك دفعتني قراءة مقدمة كتاب ” كلهم أولادي ” إلى مغامرة جديدة هي مغامرة البحث عن مؤلفات ديستيفسكي الموجود بعضها لدى سجناء آخرين ، وخاصة كتاب ” ذكريات بيت الموتى ، لكنني بالنتيجة ما وجدت غير رواية (الأخوة كرامازوف ) التي وجدت فيها أن الناشر ذكر بأن هذه الرواية هي التي جعلت آرثر ميلر أديباً ..
ترى هل هناك في حياة آرثر ميلر شيئاً من صدى حياة ديستيفسكي ..؟ هل كان كوكب السعد قد أضاء ليل آرثر ميلر المظلم في مجتمع الرأسمالية الصاخب بواسطة الأخوة كرامازوف ..؟
كان هذان السؤالان وغيرهما قد حرك عندي رغبة البحث عن العلاقة بين الكاتبين والبحث عن أسباب التأثير الذي نوّه عنه الناشر : ( لقد تركت رواية الأخوة كرامازوف أبلغ الأثر في نفس آرثر ميلر وحفزته على الكتابة ، بل أنها أوحت له بأنه ما خلق إلاّ ليكون كاتباً ، فأقبل على الكتابة المتواصلة حال انتهائه من القراءة ..) .
قرأتُ ” الأخوة كرامازوف ” بسرعة لكن بدقة بناء على اقتراح من اللجنة الثقافية في السجن بعقد أمسية استماع عن الرواية وعن تفاصيلها كجزء من النشاط الثقافي .
في الحقيقة أنني عندما أنهيتُ القراءة لم أجد مطابقات عميقة بين حياة الكاتبين أو رؤيتهما للحياة ، برغم أن كلاً منهما عاش حياة صعبة قاسية فيها الكثير من الاضطهاد والمعاناة والآلام والقلق واليأس وشظف العيش ومشاكل الحياة اليومية . وهي كما يعرف الجميع صفات وسمات الحياة المحيطة بأكثرية الناس ، أدباء وغير أدباء في مختلف العصور .
أقدر أن أقول أن القارئ يتحد بسرعة مع سرعة فوران الدم وانتعاشه في رواية الأخوة كرامازوف . فالأسرة في هذه الرواية تتنفس التناقضات الأسرية والاجتماعية المختلفة . فقد ظهرت الرواية في عام 1879 ــ 1880 وبرغم أن الكثير من النقاد والباحثين يعتبرون الرواية محتلة المرتبة الأولى بين جميع روايات ديستيفسكي ، إلاّ أنني صنفتها بمرتبة أقل من الرواية العظيمة ( الجريمة والعقاب ) من ناحية الترابط الفني والبناء القصصي ومن ناحية العمق الإنساني .
المهم أن الفكرة الأساسية في الرواية هي التي جعلتها في المرتبة الأولى كما أعتقد . فأن هذه الفكرة اعتمدت على التحليل النفسي المكثف الذي تناول حياة ( أليوشا ) الأخ الأوسط بين الأخوة كرامازوف . ومع أن أغلب روايات ديستيفسكي اعتمدت أيضاً على النفس الإنسانية وتحاليلها ، غير أن الكاتب نجح إلى حد كبير في تصوير التناقض العنيف بين الأب الروسي وابنه في إحدى المدن الروسية . فقد صورت الرواية عائلة كرامازوف متكونة أساساً من الوالد العجوز ومن أولاده الشرعيين الثلاثة ومن الابن الرابع غير الشرعي . ولكل واحد من هؤلاء صفاته الخاصة وطباعه المنفردة وأخلاقه المتميزة . وقد دخلت جميعها في تناقضات عميقة . وأحياناً عنيفة ..الأحداث تحركهم وتحرك تناقضاتهم أيضاً . ومن خلال هذه الحركة يقع التصادم بينهم ويثور الشقاق ..
الابن غير الشرعي وأسمه ( سمردياكوف ) كان عنيداً وفاسد الأخلاق ، وقد اتخذته الأسرة خادماً لها .أما (ميتيا) وهو من الأبناء الشرعيين فقد كان ماجناً . بينما كان إيفان مثقفاً . و(أليوشا ) كان صوفياً يفكر بكيفية تخفيف آلام الناس .
الجميع دخلوا في صراع طويل تركز في محاولات الكشف عن مصرع الوالد الذي وجد مقتولاً ذات ليلة .
احتلت الرواية عن جدارة مكانتها في الآداب الأوربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر . وقد مثلت الرواية تياراً أدبياً عميقاً بعد انحسار العفوية في الأدب الأوربي ، فحلت محلها الروايات النفسية التي قدمت إمكانية فهم التناقضات والصراعات البشرية . وقد عبر دستيفسكي عن هذه الإمكانيات الأدبية الجديدة بالتزامه التام والعبقري بالقضايا الإنسانية التي يواجهها أنسان التحولات الاجتماعية الهامة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين .
يعبر ( ميتا ) عن الرواية بأكملها بما يلي : أن قلب الإنسان ليس إلاّ ساحة قتال يتصارع فيها الله والشيطان .
إن الخير والشر بارزان في معظم الرواية . بإمكانك أن ترى ( أليوشا ) متفتح القلب على النعمة السماوية لكنه لم يستطع التحرر من جراثيم الوراثة . ومن جهة أخرى يمكنك رؤية ( سمردياكوف ) باتجاه آخر فقد استولى الفساد على كل جوارحه فاقداً الإحساس بالمسئولية ثم يعي بالنهاية تفاهته فيقدم على الانتحار .
لم أجد مخاطبة مشتركة بين دستيفسكي وآرثر ميلر . كل واحد منهما يدفعه شعاع للنور خاص به وبأسلوبه وهو يواكب الأيام الطويلة المعذبة لأبطاله . كلاهما تتصارع الأحداث أمام عينيه وكلاهما يتأملان دموع الضعفاء والجبناء والخونة في مجتمعيهما . كل منهما يوصي المجتمع الموشك على التغيير للاحتفاظ بالأشواق الحية الشفوقة على الفقراء والبائسين .
انتهت الأمسية في القاووش رقم (2 ) عند الساعة 12 في منتصف الليل وكان عليّ في تلك الليلة خفارة الحراسة الليلية لمدة ساعتين . كنتُ متعباً جداً ، خاصة كانت أسئلة المتناقشين معي كثيرة ، فاتفقت مع شاكر محمد العبد الله أن يلتزم خفارتي الليلة معوضاً إياه بالتزامي بدلاً عنه بخفارته القادمة بعد غد .
السماء صافية وقمر أيلول في بهائه فألقيت نفسي على فراشي ، على أرض الجانب الأيسر من قاووشي ، وكأنني نائم على سطح بيتنا في الخليلية .
نهضت صباحاً لكتابة هذه السطور لضمان عدم ضياعها ..
يتبع


