نقرة السلمان (39)

عدد المشاهدات: 2التصنيف: مقالة

جاسم المطير

جاسم المطير

الأهوار .. عالم بنشيج مكتوم ..

مثلما في كل بقعة من المعمورة يوجد فقير وغني ، كذلك في نقرة السلمان كان هناك سجين من أصول غنية ، وآخر من أصول فقيرة . كما هو الحال الآخر بوجود سجناء جاءوا من المدن ، كذلك يوجد سجناء فلاحون جاءوا من أقصى القرى النائية .

الحكومات التي حكمت بغداد لا تفرق بين الغني والفقير إذا عارضها أحد ، ولا تفرق بالتالي بين الشيوعي الغني والشيوعي الفقير ، ففي قوانين حكمها ما يلي ( لا مكان للشيوعي في المجتمع كي يتمتع بحريته ، مكانه السجن ) أما الفاشست الذين جاءوا إلى حكم العراق في شباط 1963 فقد كان نصيب الشيوعيين هو الإعدام أولاً بدون محاكمة استناداً إلى البيان رقم 13 الصادر في صبيحة الانقلاب . من كان محظوظاً لم يقتل ولم ينله الموت تحت التعذيب في قصر النهاية او في مقرات الحرس القومي .

في السجن شيوعيون من كل طبقة : بورجوازيون وعمال ، لكن الأكثرية هم من طبقة البتي بورجوا ( كما يحلو لهندال الجادر أن يسميها ) أي الطبقة المتوسطة .

في السجن شيوعيون ووطنيون وديمقراطيون من كل المهن : ضابط ، وطبيب ، ومهندس، وعامل ، وفلاح ، ومعلم ومدرس ، ومن أساتذة الجامعة . طلاب من مختلف الجامعات العراقية والاجنبية ومن شتى المدارس في المدن والأرياف . يوجد عدد غير قليل من الأميين .

في السجن شيوعيون ووطنيون من كل الأديان : مسلمون ، ومسيحيون ، وصابئة ، ويزيديون . يوجد متدينون والى جانبهم من لا يؤمن بالدين رغم أنهم يحترمون الأديان .

في السجن شيوعيون ووطنيون من كل الأقوام : عرب ، وأكراد ، وآثوريون ، وتركمان .

لكن أي فخر يشعر به السجناء وهم أخوة متساوون أمام تنظيم السجن وأمام قوانينه الداخلية التي شرعها السجناء أنفسهم . كلهم متساوون في وجبات الطعام وفي الحصة المائية ، وفي واجبات العمل السجني ، وفي الدخول إلى دورات التعليم ، وفي الحصول على سكن ٍ متساو ٍ .. وحتى العذابات السجنية كانت متساوية ..! أول مرة يطبق قانون العدل والمساواة منذ انطلاقه في الثورة الفرنسية ، رغم شعوري بالمبالغة أحياناً عندما أورد هذا القول .

تماماً مثل السفينة الواحدة التي تمخر عباب البحر ، لا فضل لواحد على الآخر . الجميع يواجهون نفس المسرات ونفس الأخطار ونفس العدو ونفس الجدران . يلتئم شمل الجميع منذ شروق الشمس حتى غروبها .

كنتُ أتحين كل فرصة لمعرفة طرق العيش والحياة لكل مدينة عراقية لم أتعمق في معرفتها عندما كنت ” حراً ” خارج السجن . اشتدت بي رغبة أكثر للتعرف على حياة سكان الأهوار ، خاصة الاهوار الشرقية والوسطى ولذلك أنشأت علاقة وطيدة مع ( طعمة مرداس ) ومع ( عبد الواحد كرم ) ومع ” علامة ” القرنة وموسوعتها فاضل الروضان الذي يعرف كل شيء عنها بل يعرف حتى نوع تمرها بمجرد رؤية نواها . أما الأهوار الجنوبية فقد كنت ُقد تعرفتُ عليها وبتفاصيلها حين أصبحتُ ذات يوم مسؤولاً عن تنظيمات الحزب الشيوعي في الريف ( بخاصة أرياف القورنة والمديْنة ) حيث تعرفتُ إلى ( الهوير ) في القرنة وجلت به بالمشاحيف ، كما تعرفت على هور بصرياثا في البصرة .

كنتُ قد زرتُ هور الجبايش ليوم واحد مع والدتي وكنت فتى بقصد إيصال رسالة حزبية كلفت بإيصالها والدتي فصحبتها .

أثناء فيضان عام 1954 ساد مدينة البصرة رعب هائل في شوارعها حيث نزح خنزير مع الفيضان من الهور وكان هائجا يضرب برأسه كل شيء ، كل عربة ، كل كشك ، وكل انسان ، وقد ظل الحدث بذاكرتي بعد قتل الخنزير في المعقل برصاص الشرطة وشاهدته طريحاً على الأرض يجتمع حوله الكثير من الناس للفرجة .

شدتني رغبة عارمة طيلة سنوات لزيارة الأهوار والعيش فيها والتعرف على كل شيء حواليها .

أول محاولة كانت بتشجيع ومساعدة الخلية الشيوعية في مدينة الهارثة ( كَرمة علي ) الواقعة في نهاية الأهوار الجنوبية . كان يوم جمعة حين أخبرت اللجنة المحلية التي كنتُ عضواً فيها مسؤولاً عن التنظيم الطلابي أنذاك ) برغبتي في زيارة الهور الجنوبي ( بصرياثا ) انطلاقا من مدينة الهارثة ” كَرمة علي ” وهي مدينة صغيرة تقع في شمال المعقل التي فيها الموانئ ومحطة سكك الحديد الذاهبة إلى بغداد وكذلك فيها مطار البصرة . يفصل الهارثة عن المعقل نهر كبير تصله المياه من الاهوار الأربعة التي يكونها نهر الفرات في تلك البقعة . يصب النهر في شط العرب يسمونه ” نهر كَرمة علي ” .يقال ، وهذا صحيح كما شاهدته ، أن الكمية الأكبر من مياه نهر الفرات تذهب إلى شط العرب عبر نهر كَرمة علي وليس عبر فرع الفرات الموجود في القرنة . نهر كَرمة علي أعمق نهر في لواء البصرة يقع عليه جسر كبير يصل المعقل بالهارثة ويعتبر أحد الطرق الرئيسية بين البصرة وبغداد . المنطقة ذات تاريخ عريق إذ كانت في القرن الخامس الهجري مدينة كبيرة فيها أبنية و أسواق وجوامع . فيها بيت شاهق للعلامة الكبير ( الشيخ محمد أبي القاسم الحريري ) صاحب المقامات المشهورة ، فقد كان من أثرياء البصرة . آثار قصره موجودة حتى الآن تسمى بأسمه ( جزيرة حرير ) وقد تداعى بيته الكبير عندما غمرته مياه فيضان نهر الفرات ذات سنة حتى غدت خرائب سكنها المعدان وصيادو الأسماك . في كَرمة علي يزرعون البطيخ بكثرة وهي تزود منه لواء البصرة كله . بطيخ ” الكَرمة ” لا مثيل له في حلاوته كأنه العسل . يكثر في شباط ــ آذار ــ نيسان سمك السبور في شط العرب قرب الهارثة . على الجهة الشرقية منها تقوم معامل الطابوق . ومن المعروف أن طريق الهارثة كان طريقاً ستراتيجياً مهماً في الحرب العالمية الأولى بالنسبة لعمليات ” السَوْق ” في الجيش البريطاني . إذ تم إنشاء جسر حديدي عائم في حينه لتزويد الجيش بالمعدات والأعتدة لذلك أنشئت على الجسر سكة حديد ( قطار خاص ) لنقل تلك الإمدادات . توجد في المدينة الواقعة على مدخل الهور منشآت حكومية ومدارس ومخفر للشرطة ومستوصف ومصفاة مياه وإدارة أعمال كهرباء وتلفونات . وعلى بعد مسافة قصيرة من هذه المدينة نجد ( الماجدية ) التي في غربها تقع ( جزيرة حرير ) في منتصف مياه الهور التي كان فيها بيت الحريري . كانت أغلب أراضي الماجدية تعود ملكيتها لآل المنديل .

أيام فتوتي الأولى كانت عندي رغبة شديدة في الانتقال من عالم المدينة إلى عالم الأهوار للتعرف عليه وسبر غوره . اعتقدت أن هذا الانتقال هو محاولة أكيدة في البحث عن طبيعة المجتمع . وقد تحركت عندي هذه الرغبة في لقاء تم بيني والرفيقين محمد إبراهيم المظفر ( مسؤولي الحزبي ) وسلام عادل القادم من اللجنة المركزية للبحث في تطوير عمل الحزب الشيوعي بين ( العمال والفلاحين ) وحضر معنا شاكر علوان القادم من العمارة والذي يملك الكثير من معلومات الاهوار بما فيها اهوار البصرة . شعرتُ أن سلام عادل كان يستحثني أنا شخصياً للتعرف على طبيعة العقل البشري الذي يتحكم بالعالم الداخلي البعيد عن المدن والحضارة والمنسحب بعيداً في وسط مائي كثيف . لم أكن ، في الواقع ، متفهماً لجميع الآليات المتحكمة في هذا العالم وأناسه . أنهم ” معدان ” هكذا كنا نقول عنهم من دون أن نعرف غير أن ” المعدان ” هم أشد الناس تخلفاً في عقل أهل البصرة وبغداد . وقد كانت المصادفة وحدها هي التي قادتني ، يوماً ما ، إلى بلوغ هدف أولي في التعرف على بساط الأرض في مياه الأهوار المتدفقة بهدوء .

تزاحمت الأفكار في خضم حياتي اليومية والطاقة الكامنة في داخلي تدفعني أليها والى توسيع رغباتي في الخروج من الدائرة الضيقة التي تدور فيها الخلية الحزبية وحلقات الزملاء والأصدقاء في جلسات الدومنة بمقاهي كورنيش العشار . فتعرفت أولاً إلى مهدي آصف الديراوي ( من أهل الدير ) . كان شاباً ، كادحاً ، ينمو بالاتجاه القومي . وجدته قريباً ، إلى حد ما ، من تطلعاتي . بل هو ملم أكثر مني ومن غيري من البصراويين بعالم الأهوار . فقد ولد مطلاً عليها . فثقل معاناة أهالي الأهوار يشكل المادة الأساسية في صلابة هذا الشاب للدفاع عن المخلوقات البشرية البائسة التي تعيش في هذا الوسط .

كان يكتب عن ” هور السناف ” وينشر ما يكتبه في جريدة الناس البصرية . لا ينفك عن الدفاع الجوهري وبمنطق بسيط مفهوم عن مصالح الفلاحين من سكان الأهوار . تعرفت إليه داخل جريدة الناس ثم ازدادت علاقتنا في مكان عمله في كراج سيارات بمنطقة أم البروم بالعشار ..

ما ” السناف ” .. ما هذه الكآبة التي تحملها مقالات الديراوي عن آلاف الفلاحين الذين يسكنون أهوار البصرة ، عمقاً أو شاطئا ، . أحسست أن هؤلاء الناس هجروا قلب التاريخ فعاشوا في هامشه في هزيمة دائمة أمام العصر ومعطياته . هنا في (هور السناف ) الممتد من ” كَرمة علي ” حتى نقطة التقائه بهور ( الحمّار ) في جنوب ناحية ” المدْينة ” غرب الفرات، لا يعرف أنسان الأهوار غير قلق الطفولة والأمومة والتوزيع الطبيعي للحياة المندفعة جميعها مع تيار الإرادة الإنسانية التي تغدو حلماً مجرداً في كثير من الأحيان ويغدو فيها ” المعيدي ” نفسه آلة من آلات الطبيعة .

قرأت مقالة كتبها مهدي آصف عن هور ” السناف ” فوجدت أفكارها تجري طبقياً عند دفاعه عن الفلاحين . يطلق نفس صرخاتنا الداعية إلى الحياة . وهو يحاول أن يجد رسماً تخطيطياً لإنقاذ كل الناس هنا بالدعوة إلى تخليصهم عن الارتداد في عصور سحيقة في القدم . لكنه بدا لي كمن يكتب على جدار من الريح فهؤلاء الناس لا ينظر لهم الناس في المدينة غير كونهم ” معدان ” كما تتجاهلهم الحكومات كتجاهل نمل الأرض .

من بعض كتاباته عرفت أن هور ” السناف ” مثلاً صالح لزراعة الشلب والذرة وزراعة بعض المخضرات . بصورة عامة تعرفت إلى أن هذا الهور والجزر الصغيرة والكبيرة المتكررة بداخله صالحة للزراعة ، لكن كبار الملاكين لا يهتمون لا بالزراعة ولا بمصالح الفلاحين .

أعجبني هذا الشاب في كتاباته المبكرة عن موضوع هام كهذا . بدا لي أنه راقب منذ زمن طويل حياة الناس في الأهوار ، في هذا الجزء المنسي من الوطن . أتجه الديراوي مباشرة إلى حياة ” المعيدي ” الكادح ، ثم أصطدم بحاجز الفكر الإقطاعي المهيمن . ثم تراجع في خط مستقيم لينظر في تركيب الهور الذي تحول بفعل الإقطاعيين والحكومة معاً إلى أدنى مراتب الحيوانية .

من وخزات مقالات الديراوي في تلك الأيام ــ عرفت بعد حين أنه انتمى إلى حزب البعث العربي الاشتراكي وصار مسؤول الحزب في البصرة ثم تركه مبكراً ــ تساقط على رؤوس المسؤولين الحكوميين في البصرة فعل جبار حملته عريضة موقعة من قبل 700 فلاحاً بالمبادرة العفوية الواعية حملوها من داخل الأهوار وحافاتها إلى متصرف لواء البصرة والى رئيس ” لجنة أعمار واستثمار الأراضي الزراعية الأميرية ” ..

لم يقرأ أحد العريضة .. بل أن اللجنة اعتبرت العريضة مثل أعشاب المستنقعات ، ضارة يجب التخلص منها . أما متصرف اللواء فقد قال لمدير شرطته :

ــ دع هذا التيار يمر ثم اضربوا الزورق ..

مر التيار بعد انبساطه فبدأ الضرب بتحريك قوة من الشرطة إلى ناحية ” السويب ” .. اعتقلوا عدداً من الفلاحين كان من بينهم معلماً مرشحاً لعضوية الحزب الشيوعي متهماً بأنه كاتب العريضة ومهيج الفلاحين . من الدير حملت سيارات الشرطة المسلحة بعض الفلاحين المقيدة أياديهم بعد أن دخلت الشرطة أراضي ( الحمرة ، والشرتة ، وهور الحميس ) لتضع هناك بصمات العنف الموجه إلى أعصاب وأحاسيس الناس الذين يحاولون النفاذ من حياة الأهوار إلى الموت المتدفق من المدنية المسلحة بالشرطة التي تحركها قوالب من الأوامر متفرخة من عقول الإقطاعيين .

حين وضعت تقريري بيد سلام عادل قرأه بسرعة . حك رأسه ثم نهض واقفاً ليقول :

ــ أيها الرفاق أبنوا خلاياكم في وسط الأهوار .

في السابعة والنصف صباحاً تحركنا ، ذات يوم ، من البصرة أربعة ( أنا وحاكم التحقيق في العشار ، الشيوعي حميد الحكيم وحاكم محكمة الاستئناف بالبصرة حسين ميرزا نصير المعتقلين الشيوعيين الذي كان يجاهد بإطلاق سراحهم كلما مرت أوراقهم بين يديه ، وبصحبتنا الرأسمالي الوطني صديق الشيوعيين عبد الله فاضل ) . كان الماطور جاهزاً في الثامنة والنصف بعد أن تناولنا فطورنا في بيت رفيقنا مسؤول خلية الهارثة ودخلنا الهور . كان حميد الحكيم قد جهز نفسه ببعض المعلومات التي حصل عليها من الشرطي المسؤول عن حمايته أثناء دوامه في المحاكم . كان الشرطي أسمه مطر ولكنهم يدعونه بالمعيدي . بعض الأحيان كان ينزعج من هذه التسمية وفي أحيان أخرى كان يتفاخر بالتسمية خاصة بعد أن بذل حميد الحكيم مجهوداً ” تثقيفيا ً” بعدم التنكر للأصل مؤكداً عليه أن المعيدي هو من خلق الله كسائر البشر . وقد أصطحبه معه ذات يوم إلى منطقة العشار حيث يوجد أكبر محل للعوينات الطبية والشمسية تحمل قطعة بلاستيكية كبيرة بعرض مترين مكتوب عليها ( محلات سامي المعيدي للعوينات ) كان المحل يدل على أن صاحبه من الأثرياء . في ذلك اليوم اقتنع الشرطي مطر المعيدي أن لقبه ليس عيباً . لاحظنا السرور على وجهه .

أما عبد الله فاضل فقد كانت لديه الرغبة منذ زمان طويل أيضاً للتعرف على حياة المعدان الذين يتعامل معهم يومياً في مدينة العشار وعلى باب معمل الألبان الذي يمتلكه فهم الذين يزودون معمله بالألبان التي يوزعها على مختلف الأنحاء في مدينتي البصرة والعشار بعد أن يحولها في معمله إلى زبد وجبن وقيمر .. وقد أخبرنا ذلك اليوم أنه قرأ باللغة الإنكليزية محاضرة المستشرق البريطاني ( وليم تسيفر ) التي ذكر فيها معلومات واسعة عن حياة المعدان أهل الهور عموما وكيفية عيشهم البعيدة كليا عن حياة المدينة ورفاهها والحاجات التي لا تتوفر في اهوارهم بينما كانت متوفرة لأهل المدن .

ما شاهدته في ذلك اليوم بالأهوار الأربعة التي تجولنا فيها و أكبرها بصرياثا ، كان شيئاً ساحراً حقاً . الناس غير الناس ، والطيبات غير الطيبات والأخلاق غير الأخلاق والحياة غير حياة . مساكن مبنية من القصب والبواري منتشرة بوسط المياه وحولهم الجاموس . كل عائلة في مملكة منعزلة عن الأخرى . تعيش أبسط أشكال العيش (اللبن والحليب والقيمر في الفطور) وفي الظهيرة والمساء وجبتهم الأساسية المتكررة هي ( السمك والخبز ) وفي موسم تكاثر الطيور تكون هي الوجبة الرئيسية . حين حلت الساعة الثانية عشرة أخرجنا سندوتشاتنا وما أن شاهدنا أحد الذين مررنا به وسلمنا عليه حتى أصر بقوة على ضرورة التوقف عنده وتناول الغذاء . بدا لي بعمر الستين لكنه في الحقيقة كان أنشط وأصح وأكثر حيوية منا نحن القادمين من مدينة البصرة حيث المستشفيات وحبوب ( 693) المشهورة تعالج أمراضنا . اكتشفنا المزيد عن نمط عيشهم البدائي . كثير من النساء لا يعرفن معنى استخدام النقود ولا كيفيتها . أرباب العوائل هم الذين يستخدمونها عند الذهاب إلى الأسواق لبيع بعض منتجاتهم من الألبان ليشتروا ما يحتاجونه فوراً . أما معيديات الهارثة فهن ينزلن إلى مدينة البصرة أو العشار منذ الصغر مع أمهاتهن لبيع القيمر والحليب منذ الصباح الباكر . وما أن تأتي الساعة العاشرة صباحاً حتى تعيدهن الباصات الخشبية مع قدور الحليب وصواني القيمر الفارغة في تلك الساعة إذ تم تصريفها جميعاً .

من صباحات العشار عرفنا المعدان . ناس بسطاء وطيبون . . يعيشون بساطة الحياة كأنهم في فترة الحياة الأولى . منعزلون عن وسائل الترفيه كافة . بدأت معلوماتي عن المعدان تزداد مع الزمن . كلما ذهبت إلى القرنة والهوير كلما ازدادت صفحاتي ، وحين ذهبت إلى الناصرية مسؤولا عن لجنتها المحلية فرضت واجباتي نفسها أن أزور سوق الشيوخ وهور الجبايش وأزور مدينة الشطرة وهور ” الغموكًة ” لكن السكان هنا لا أحد يسميهم بالمعدان . كل واحد منهم ينتمي لعشيرته ويتباهى بها .وصارت كلمة ” المعيدي ” صفة ملازمة لكل إنسان يبدو بنظر الآخر متخلفاً عن الحياة الاجتماعية أو عن الحياة العصرية .

شكا طعمة مرداس وهو من أهالي سوق الشيوخ يحبه الناس كثيراً في تلك المنطقة من استصغار شأنه من قبل بعض الجاهلين من السجناء إذ يطلقون عليه صفة المعيدي . بينما ا الشرطة الملكية والقاسمية في الناصرية يعرفونه شيوعياً وشيوعياً ” كبيراً ” كما يطلقون عليه ، لكنهم لا يلقون القبض عليه حتى ولو كان متلبساً بــ” جريمة توزيع منشورات ..! أو بــ” جريمة ” عقد اجتماع مع خلية أو مع لجنة قضاء سوق الشيوخ للحزب الشيوعي لأنهم يهابونه. حتى أصبح نائب العريف الشرس يسمي كل شيوعي من ” جماعة أبن مرداس ” . حتى في ” الرفاعي ” عندما نقل اليها نائب العريف عدنان أخذ يعذب طالباً شيوعياً في الصف الخامس الثانوي طالباً منه الإقرار والاعتراف بأنه من ( جماعة أبن مرداس ) بينما الطالب لم يكن لا يعرف طعمة مرداس ولم يسمع باسمه أصلاً ..

هذا هو أبن مرداس في السجن البعثي الآن وهو يعاني من الإحساس بالمهانة وهو يسمع كل يوم ولمرات عديدة من فم أحد رفاقه في القاووش رقم 3 كل كلام يسيء إلى المعدان . فكل خطأ يقع فيه أحد رفاق السجن يقول : هذا معيدي .. وذاك معيدي .. كل المخطئين بنظره هم من المعدان . لا يوجد إنسان متخلف إلا المعيدي ، فأضطر طعمة مرداس لأن يشكو لي عن هذا ” الضابط ” الذي لم يكن يعرف أن طعمة مرداس يعيش في مدينته على ضفاف الأهوار ، كما لم يكن يعرف بدقة ماذا يعني المعيدي بالنسبة له . أوصلت شكواه إلى المنظمة الحزبية التي وجهت لوماً للرفيق العسكري ، ثم نقلت طعمة مرداس إلى قاووش آخر .

عبد الواحد كرم ، الفلاح الذي ترتفع ثقافته العامة عن طعمة مرداس لم يكن يهتم حين يسمع بكلمة المعيدي تقال عنه أو عن فلاحين آخرين من جنوب العراق ..

ــ نعم أنا معيدي .. نحن معدان .. هكذا خلقنا الله .. لكننا بشر نحب أن نحيا كما يحيا الآخرون . ( بالرغم من أنه لم يكن من المعدان ) ..

المعدان هم فقراء شعبنا المعدمون .

هكذا كان يتحدث عبد الواحد كرم ( كادر فلاحي شيوعي من العمارة ).

منه ومن طعمة مرداس ( كادر فلاحي شيوعي من الناصرية ) ومن فاضل الروضان ( كادر فلاحي شيوعي من البصرة ) صارت مصادر ندوة القاووش رقم 4 عن أهوار العراق . لم يكن في مكتبة السجن أي كتاب عن الأهوار. لم يكن لدى أحد من السجناء أي مصدر . كتبت إلى مكتبة المثنى ببغداد وبأسم صاحبها قاسم الرجب رسالة طلبت منه أي يرسل لي نسخة واحدة من الكتاب الذي اخبرني عنه وهو المصدر الرئيسي عن اهوار العراق ترجمه باقر الدجيلي عام 1956 ولكن سرعان ما جاء جواب مكتبة المثنى سلبياً : لا توجد نسخة لدينا . نفد الكتاب .

لم يبق َ أمامي غير الإمساك بالورق والتوجه الى ثلاثة قواويش :

تعال يا طعمة مرداس زودني بمعارفك عن الأهوار وسكانها ..

تعال يا عبد الواحد كرم دلني بمعلومات كيف يحيا المعدان ” في أهوارهم ..

تعال يا فاضل الروضان حدثني عن كل شيء ..

جمعتُ ملاحظاتهم ببضع أوراق ألقيتها في ندوة القاووش حيث قدمني نصيف الحجاج مسؤول القاووش بكلمات مقتضبة : يتقدم جاسم المطير أبن الصحراء ليتحدث عن أبن الأهوار في الفرات الجنوبي كيف يعيش وكيف يكافح من أجل الحياة ، وأنا متأكد أنه سيمتعنا كما استمتعنا ، في ليلة سابقة ، بأحاديثه عن نضال جعفر أبو التمن أبن الفرات الأوسط .

كان بعض أولئك الضباط الذين أساءوا لطعمة مرداس مدعوين أيضاً .

أول شيء قلته أنني أبن مدينة البصرة عايشتها كلها بمدنها وأهوارها وصحرائها . فألمعيدي أبن الأهوار ليس كما يصورونه نسخة من الإنسان القديم أو كالأنسان المتخلف .. أنه صورة من أنسان العراق كله لكنه الأكثر اضطهاداً من غيره فلا حكومة من الحكومات المتعاقبة أولت اهتمامها لتزويده بمنجزات الحضارة الإنسانية . كل الحكومات وكل الحكام تجاهلوا أنسان الأهوار . البعض من الحكام ( متصرف البصرة وبعض القائمقامين ومدراء النواحي وبعض الوزراء ) كانوا يزورون الأهوار ليس لمواكبة انسانه أو للبحث في كيفية تحسين حياته بل لغرض المتعة السياحية وكشف ما يهمه من طيورها وأسماكها . يزورون الأهوار في شهري الشتاء ( كانون الثاني وشباط ) لصيد الطيور التي تأتي من أقاصي روسيا ومن بعض أقطار أوربا ومن أفغانستان وهي تطلب الدفء في هذه البقعة المائية النائية المغطاة بالقصب والبردي متخذين منها أعشاشاً للتبييض وتفقيس بيوضها . ثم تقع الطيور الجميلة ضحية لبنادق الصيادين . لم يكن دخولهم إلى الاهوار بالأمر الهين . ليس فيها طرقات ولا شوارع ولا أزقة وبالتالي لا توجد عناوين أو أرقام شوارع كما هو حال المدن . لا يمكن لأي زائر أو سائح أو رياضي ( كان الزورار يعتبرون صيد الطيور رياضة ) أن يجوب أي مساحة من الأهوار من دون دليل من أنسانها . لم يكن يحمل أية خريطة بيديه لكنه يعرف مسالكها شبراً شبراً ، يعرف أماكن الطيور وكراً وكراً ، ويعرفون مناطق تجمع الاسماك متراً متراً ، ولا يعود زائر الأهوار إلاّ ويحمل الانطباع عن ذكاء سكانها ومعرفتهم الدقيقة بكل شيء عن الطيور والأسماك وعن كل ظواهر منتجاتها من القصب والبردي وكيفية معالجتهما في المواسم كي لا تغطي مياه الأهوار دون حركة المياه فيها .

ليست الأهوار بقعة واحدة ، ولا تعطي ناتجاً موحداً وليس لمياهها حركة واحدة . فالأهوار ( الشرقية ) الواقعة بين نهر دجلة والحدود الإيرانية ( من قلعة صالح الى القورنة ) حيث ” الهوير ” يزود الفرات بآخر مياهه في القرنة ملتقياً مع دجلة مكونين شط العرب في أعلاه . مثلما تصب آخر مياه بصرياثا في الهارثة في شط العرب حيث العناق الأكبر بين دجلة والفرات في أدناه . ذات يوم زرنا القرنة أنا وحمزة سلمان تناولنا إفطارنا في بيت فاضل الروضان مسؤول لجنة مدينة القرنة وأطرافها لتنظيمات الحزب الشيوعي . كان الإفطار عيون من البيض المقلي والجبن الأبيض ( جبن الضفائر ) لم يتناول حمزة سلمان شيئاً من البيض لكنه كان مذهولاً بالجبن الأبيض النظيف الملفوف كالضفائر .

ــ يا لإبداع أهل الأهوار كيف يستطيعون عمل ضفيرة الجبن بلا ماكنة ..

قال كلماته بحب وأعجاب وهو يتناول آخر ضفيرة بلا خبز .

حين غادرنا بيت فاضل الروضان جلس حمزة سلمان بجانبي بينما أخذ فاضل الروضان مكانه في المقعد الخلفي لسيارتي الفوكسواكَن . كنا متوجهين إلى ناحية ( المدْينة ) لمسافة قصيرة .. بضعة كيلومترات لكن الطريق كان ترابياً فكنت أتحرك بسرعة لا تزيد عن خمسين كيلومتر / ساعة ..

( صحح لي فاضل الروضان الحاضر في ندوة القاووش 4 رغم انه من سكان القاووش 5 بمقاطعتي قائلاً : طريق الذهاب غير مبلط .. لكن طريق الإياب كان شبه مبلط ) .. لاحظنا أشياءً كثيرة تتداخل بين المدينتين (القرنة والمدينة) أشياء كثيرة تتشابه وأشياء أخرى تختلف .

استمر فاضل الروضان يحدثنا كالدليل السياحي وكان حمزة سلمان ينصت بكل انتباه لحديثه :

مع التشابه والاختلاف يمكنني القول أن ليست بينهما فوارق تاريخية كما لا توجد كيانات مختلفة بين سكان هذه المنطقة المسيجة بمياه دجلة والفرات من كل الجوانب وما بينهما أيضاً مياه الأهوار . أنا أعرف المنطقة جيداً لكنني حين أصبحت شيوعياً قطعتها كلها لمرات عديدة ، بالسيارة أحياناً وبالزورق أحياناً أخرى . كما قطعت الكثير من زوايا وتقاطعات الطرق مشياً على الأقدام أيضاً . حيثما توجد خلية شيوعية تجدني فيها . في كل مكان من ( القضاء والناحية ) وبينهما توجد وحدات اجتماعية حقيقية .. تعمل .. تنتج .. كي تعيش . الأساليب مختلفة والممارسات مختلفة ..الصيغ متنوعة ومختلفة . فئات اجتماعية ذات مهن مختلفة . وتجد توزيعاً فئوياً قائماً على الجنس . توزيع آخر قائم على أساس السن . لكن التوزيع كله يعود بالنتيجة إلى الفئة نفسها والى المجموعة نفسها . هل هي نوع من أنواع الاشتراكية أم هي نوع من بقايا المشاعية البدائية ..؟ لست أعرف رغم وجود بقايا إقطاعية .

كان فاضل الروضان يواصل حديثه متوقعاً تعقيباً أو تعليقاً من حمزة سلمان فقد كان السؤال موجها إليه . غير أن حمزة سلمان كان مندهشاً مما يسمع ومما يرى .

تجولنا ساعة أو أكثر في ( المدْينة ) ثم عدنا راجعين فلم يكن مسؤول اللجنة الحزبية موجوداً إذ كان قد سافر إلى البصرة قبل يومين ولم يعد بعد خلافاً لمعلومات فاضل الروضان الذي كان يتوقع عودته .

واصل فاضل حديثه أثناء العودة إلى القرنة :

التشكيلات الاجتماعية هنا متخلفة جداً تعود إلى عصور سحيقة . الماء الذي تشربه اليوم هذه التشكيلات ، حتى الأغنياء ، هو نفس الماء الذي كانت تشربه سلالاتهم القديمة قبل آلاف السنين .. نفس الماء الملوث الذي تعيش فيه أنواع مختلفة من الديدان .. نفس ميكروب البلهارزيا الذي كان يصيب أجدادهم هو نفسه لا يترك أحداً منهم دون أن يصيبه ليتبول دماً حتى يموت . العمل يجري بنفس طريقة الأكداس البشرية المشابهة للقطعان الحيوانية . يصطادون بنفس الطريقة التي كان يصطاد بها أجداد أجدادهم ، ويأكلون نفس ما كان يأكله الأجداد أيضاً .

بدأ فاضل الروضان يتفاخر بمدينته ( القرنة ) ونحن على وشك الوصول إلى مدخل مدينة ( المدْينة ) . القرنة هي المدينة الوحيدة في العراق يمكنك أن تشرب منها ماء دجلة أو الفرات . يمكنك أن تسبح بماء دجلة أو الفرات . لا توجد معلومات وافية أو دقيقة عن بدء تكونها أو عن تاريخها الحقيقي . بعضهم يسميها ( مدينة المعدان ) لوجود هور ” الهوير ” على جانبها الغربي . بعض الرحالة الإنكليز يصفها بأنها ( دار مكس ) أي أنها ( موقع كَمركَي ) كما جاء على لسان الرحالة ( جون يلدرد ) عام 1583م . ربما القرنة كانت مركزاً كَمركَياً أيام السيطرة العثمانية . بعض الأفكار الخرافية أو الأسطورية تصف القرنة بأنها جنة عدن . يقال أن على ساحل دجلة الشرقي تحطمت سفن فرنسية عام 1849 وهي محملة بالتماثيل والتحف التي أخذوها من قصر سرجون الثاني في خرساد . بعض الأفكار الأسطورية الأخرى تشير إلى أن القرنة هي موقع الشجرة التي أكل منها آدم وحواء . ولا زالت توجد شجرة ( سدرة ) على نهر دجلة تحظى بشيء من الرعاية والتقديس سواء من سكان القرنة أو من مسؤولي بلديتها أو من بعض السياح الأجانب . القرنة مدينة جميلة الموقع وفريدته . قريبة من الاهوار وموقع تسوق بعض أهاليها في الاهوار الشرقية . تضم الشيء الكثير من التناقضات العشائرية . سكانها الريفيون كسالى بعكس معدان الاهوار . رغم غزارة المياه فأن الفلاح القرناوي ساذج في الزراعة ولا تقدم له الدولة أي عون . هو بطبعه كسول بعكس سكان الأهوار المعروفين بنشاطهم . حتى يمكن القول أن سكان ( القرنة ) يختلفون عن سكان ( الدير ) الذين لا يبعدون عنهم سوى بضعة كيلومترات حيث تتعدد معامل الطابوق وتتنوع . يقال أن أجود أنواع الطابوق في البصرة هو الطابوق الديري . تكثر في الدير أيضاً مزارع النخيل . يوجد فيها نوع من التمر الجيد أسمه ” التمر الديري ” وهو فعلاً من الأنواع المتميزة والطيبة المذاق بالنسبة للتمور الأخرى . أكثرية المزارع في هذه المنطقة كانت تعود إلى حامد النقيب وهو من رجال الحكومة وأقربهم إليه هو نوري السعيد . تختلف الدير عن غيرها من القرى القريبة بأن بيوتها مبنية من الطابوق وليس من ” اللبن ” أو الصرائف .

حالما عبرنا الجسر ، في أثناء العودة إلى القرنة ، شاهدنا تجمعاً ضخماً من الناس تبدو ملامحه الصوتية قادمة من داخل الشارع الرئيسي بينما علينا أن نسلك طريقاً آخر للوصول إلى بيت فاضل . اقترب الحشد حتى سد الطريق أمامنا فبقينا واقفين في مكاننا وخلفنا الكثير من السيارات . سمعنا عدة إطلاقات ثم رأينا جنازة يرفعها الناس ونداءات الله أكبر .. لا أله إلاّ الله ..

قال فاضل الروضان :

ــ أحدهم من بني مالك قد مات .

تغيرت ملامح وجوهنا حزناً .. ثم سأله حمزة سلمان :

ــ من بني مالك ..؟ كيف عرفت يا فاضل ..؟

بصوت أجش أجاب فاضل :

ــ من البيارق يا أبا ” مفيد ” .. لكل عشيرة بيرق .. هذه هي بيارق بني مالك ..

نزل من السيارة وتوجه إلى جانب من الحشد الذي على رصيف الطريق الرئيسي المؤدي إلى بغداد .. تحدث مع أحدهم وعاد إلينا ليقول :

ــ أنه من وجهاء بني مالك .. من أبناء عرمش . الجنازة ستنقل بعد قليل إلى مدينة النجف الأشرف لدفنها هناك . فأغلب سكان العشائر وأهالي القرنة من الذين يملكون المال أو الأراضي الزراعية ، يقومون بدفن موتاهم في النجف .

بدأت أسئلة حمزة سلمان تترى على فاضل الروضان أثناء تناول وجبة الغداء . كم عشيرة في القرنة .. أين تسكن . ما الفرق بين عشيرة وأخرى .. ما الذي يميز عشيرة عن الأخرى .. هل هناك أهداف خاصة لكل عشيرة .. أم أن هذا التقسيم بلا هدف .. هل هناك فرق في الإحسان .. في الزهد .. في المذهب أو الدين .. في الشجاعة .. في الكرم .. في الضيافة .. في العمل .. في الأخلاق .. في معاملة المرأة .. في الموقف من الحكومة .. في سبل وطرق وحدود ممارسة السياسة .. في سبل وطرق الممارسات الزراعية .

كثير من الأسئلة واجهتنا وواجهناها ..

ألتفت حمزة سلمان ( أبو مفيد ) التفاته جادة موجهاً سؤاله إلى فاضل :

ـ أنت يا فاضل من أية عشيرة ..؟

ـ أنا من دجلة ، أيها الرفيق ، مثلما أنا أبن الفرات .. أبن القرنة كلها ..

ـ هل هناك شيوعيون من أبناء العشائر ..؟

ــ لا توجد عشيرة ليس فيها شيوعي وأكثر .. غضبان السعد هو أشهرهم في المنطقة كلها بل تمتد شهرته الى البصرة أيضا وحتى الى بغداد .. كان شيوعيا محبوباً وبقي حب الناس له حتى بعد تركه الحزب الشيوعي .. لا يوجد أنسان في المنطقة كلها وبين العشائر كلها لا يعرف غضبان السعد وصلابته بوجه الحكومة ودفاعه عن حرية الشعب العراقي أو لم يسمع باسمه . كلهم من عشيرة السعد يفاخرون بمقارعته للحكومة العراقية مثلما كان آباؤهم يتفاخرون باسم الشيخ كَباشي السعد الذي أجبر الإنكليز على احترام شخصيته في أيام الاحتلال الإنكليزي..

لم يكن أسم كَباشي السعد الذي يسكن قرية ” النهيرات ” غريباً على أسماع حمزة سلمان :

ــ أعرفه وقد قرأت عنه وعن مفاوضاته مع قوات الاحتلال التي تركزت في القرنة لكنه أجبرها على الانصياع لمشيخته . بل كان على جانب من الثقافة والأمور السياسية استغرب منها حتى نائب الملك البريطاني عند زيارته القرنة وجلوسه مع الشيخ نفسه . أظن أن أسمه تردد في مذكرات أو رسائل ( المس بل ) معبرة عن احترامها الشديد لهذا الرجل العائش قريباً من الأهوار .

في ما بعد ظلت ملاحظات حمزة سلمان وفاضل الروضان في ذاكرتي وهي تدفعني بشدة لمعرفة المنطقة التي زرتها كثيراً بعد ذلك مواصلاً عملي مع الفلاحين ومع خلايا الحزب المنتشرة في كل بقعة . ذات يوم أطلعني أحد رفاقنا في القرنة على نسخة من رسالة كتبت بخط جميل موقعة بيد الشيخ كَباشي المعروف أنه وثّـق كل مراسلاته مع الإنكليز في تلك الفترة ومن النادر أن نرى مثل هذا التوثيق حتى عند الكثير من سياسيي هذه الأيام .

في القرنة أكثر من خلية واحدة بين شباب وطلاب عشيرة ” المياح ” وهي ذات أصول عربية تعود إلى قبائل ربيعة . هناك عشائر أخرى منها عشيرة ” الشرش ” التي تسكن على شط العرب وفيها عدد كبير من الشيوعيين ( طلاب ومعلمين وفلاحين واصحاب دكاكين ) ومن مختلف الأعمار أيضاً .

هكذا صارت القرنة وسيلة من وسائل معرفتي بالريف في شمال البصرة وبالاهوار الممتدة إلى الداخل حيث تنقلت فيها عدة مرات متجولا بين سكانها متعرفاً على تكويناتها الرمزية والاجتماعية والتاريخية والاقتصادية بعد أن حملتني الزوارق الصغيرة من هوير إلى هور إلى الأهوار أغلبها . وقد منحتني رؤياي ومشاهداتي المباشرة القدرة على ادراك أن غنى الحياة يفوق غنى المال والأكل والملبس ، يفوق كل النظريات . علمتني تلك الزيارات أن الحركة الجماعية بين الناس هي تاريخ متكامل للغذاء الذي يحتاجه الإنسان الفرد من سكان الأهوار .. كما تعلمت منها أنها تاريخ متكامل للجنس البشري الفقير البائس لكنه المتطلع كسائر البشر في المدن الكبرى إلى حياة حرة كريمة يساهم فيها الأباء بتغيير كل أشكال الوجود للأبناء القادمين من رحم الأجيال القادمة ، رغم أن الأهوار تبقى خلواً من أي دواء أو مستوصف أو مضمد يزرق الأبر يعانون من البرد والحر على السواء .

حين سألت أحد شيوخ الأهوار الوسطى ( الحمّار ) وهو صديق رفيقنا عضو لجنة القرنة ( يحي الخياط ) عن جغرافيتها كانت إجاباته تشير إلى معرفة جغرافية عميقة . فقد كشف لي في أحاديثه عن معرفة غزيرة بكيفية تكون الاهوار منذ زمن طويل جراء تجمع مياه الفيضانات كما كشف عن معرفة دقيقة جداً عن مجرى المياه في مختلف مواسم الفيضانات فهو يعرف أسباب فيضان دجلة قبل الفرات بسبب اختلاف تكون المياه في منابعهما ، كما يعرف أن مياه هور الحمّار يأتي أغلبها من انسيابها من جنوب مدينة الناصرية بقنوات متعددة . كما علمت انه في عام 1951 جفت الأهوار حتى صار بإمكان سكانها أن يقطعوا مشيا على الأقدام مسافات طويلة من وسط الاهوار حتى شمالها وجنوبها ..

أجمل ما يمكن أن تشاهده في الأهوار هو القصب الذي ينمو في أحراشها وأدغالها الكثيرة . أنها حياة بدائية طبيعية يشكل القصب مادته الأولى في صنع ” الجبيشة ” داخل الاهوار لتكون مساكن سكانها كما أنه الغذاء الرئيسي للجاموس والمواشي الأخرى . ويصدر الفائض إلى المدن الكثيرة حتى أنه المادة الرئيسية البديلة للطا بوق في تجمعات الفلاحين بالجبيلة بالعشار وفي منطقة نهير الليل و( 5 ميل ) بالمعقل وفي غيرها .

كم تناولنا ” الخريط ” ذي الطعم اللذيذ وهو مادة صفراء تباع طرية في موسم ومجففة ” صلبة ” في موسم آخر نتسابق على شرائها من سوق المخضرات بالعشار حال نزولها ، تصنع من رؤوس البردي المتفتحة . وكم هو جميل أيضاً منظر ” زهير البط ” وهي أزهار بيضاء صغيرة لا أدري السبب في تسميتها ولا أدري ما هي علاقتها بالبط . هناك أيضاً أزهار أخرى صفراء تسمى ” الكَصيبة ” أي الضفيرة . كنت أسأل دائماً من رفاقنا القادمين من الأهوار عن ” المعدان ” وكانت الأجوبة شبه مبهمة ، خاصة أجوبة الرفاق الذين ولدوا في البصرة والعشار والمعقل لكنهم بالأساس هم من أصول العائلات المهاجرة من الاهوار .

في زياراتي المتعددة أكتشفت من أحاديث سكان عدة ” جبيشات ” أن المعدان لا يشكلون عشيرة واحدة بهذا الاسم بل أن انتسابهم العشائري متعدد . ينتسبون إلى عشائر مختلفة ، وبطون مختلفة ، وأفخاذ مختلفة ، حتى أن أغلب تلك الانتسابات تكون متباعدة . فالأهوار تظل من قديم الزمان ملجأً للثوار والمتمردين على السلطات من العصر العباسي وأخيراً الهاربين من السلطات التركية أيام احتلالها العراق ومن بعدهم الهاربين من السلطات البريطانية بعد احتلال العراق والهاربين من السلطات العراقية أيضاً خاصة الهاربين من الخدمة العسكرية .

تعيش في الاهوار قبائل عربية معروفة مثل ” ألبو محمد ” وبني لام وبني اسد وغيرهم .

يمكن القول بأن ” المعدان ” هم الفئة من سكان الأهوار الذين يقومون بتربية الثروة الحيوانية وخاصة ” الجاموس ” التي ينتقلون بها من هور الى آخر تبعاً لحاجات تغذية هذه الثروة . أما السكان الثابتون في مناطق سكناهم فأكثرهم يتركزون في قرى ( البيضة .. والسودة .. وترابة .. وبدعة .. والصكَر ) . مسكن المعيدي في العادة ينقسم الى قسمين : قسم للعائلة وقسم آخر للضيوف . من طبيعة المعيدية أنها سافرة في الأهوار . وحين تنزل الى المدن ترتدي العباءة بدون حجاب .

أجمل ما في الأرياف هو وسائط النقل . بسمونه المشحوف فلا توجد عائلة بدون مشحوف كي تتمكن من التنقل داخلها كما انهم بواسطتها ينقلون القصب الاخضر من مناطق خارج قراهم كي يستخدمونه علفاً لحيواناتهم .

حين ذهبنا إلى الهوير لمقابلة أحد الرفاق فيها أصر الرفيق على تناول العشاء مبكراً رغم أننا كنا قد تناولنا غذاءنا في بيت فاضل الروضان .

كان العشاء نوعاً من الطيور المسلوقة والمقلية موضوعة على صينية من الرز . انتقل حديثنا أثناء العشاء وبعده عن الطيور المائية التي تؤم الاهوار وخاصة في موسم الشتاء ، كانت وجبتنا من نوع ” الخضيري ” الذي يأتي شتاء الى المنطقة بأسراب كبيرة من شمال القارة الأوربية . مثلما يأتي ” الوز الأوربي ” قبل مجيء ” الوز الأملح ” و مالك الحزين .

اهتمامات سكان الأهوار بصيد الخضيري وأنزاله للبيع في الأسواق بينما يهتمون ببيض ” الوز الأوربي ” حيث يضعونه تحت الدجاج للتفريخ .

كان عشاءً لذيذا حقاً .

قال حمزة سلمان ونحن نغادر المكان :

ــ يا لناس هذا ” الهوير ” كم هم نظيفون وكم هم نشيطون .. يتحركون وينتجون مثل البورجوازيين ويعيشون مدقعين .. يا للتناقض . .!

لأيام عديدة ، بعد الندوة ، كان عالم الأهوار يجول بين مسامع سكان سجن نقرة السلمان كحديث ينبض بالمحبة لشعبنا كله ، حتى جاءني المزيد المزيد من معلومات أخرى عن حياة ساكني الأهوار وطرائق عشقهم وزواج أبنائهم وبناتهم وأغانيهم وقصص كثيرة عن الحب والزرع والكفاح من أجل الحياة .

أنه عالم بنشيج مكتوم لكن سكانه يملكون تراثاً عظيماً هو تراث البؤساء الذين يظلون يوقدون أوار النار حتى تشتعل الأهوار كلها بالحياة الإنسانية الحرة الكريمة في مستقبل آت حتماً بعد زوال الظالمين من وطننا كله بعد أن جعلوا الأهوار عالماً أكثر مرارة . …

أيتها النقرة : كم جميل هو نورك السماوي حين يضيء ليالينا بذكريات عن أهوار الجنوب في بلادنا حيث أسرارها خالدة في قلوبنا جميعا .


يتبع