جاسم المطير
جاسم المطير
لا أريد التحدث عن الواقعة المؤلمة برحيل الفنان – الكاتب قاسم محمد . بصدد هذه الخسارة كتب كثير من أحفاد ابن خلدون العراقيين ، مقدمات مختصرة عن مكانة قاسم محمد في المسرح العراقي والعربي ، كما كتب قليل من أصحابه عن فنونه العقلية والفلسفية والتراثية ، فهو واحد من عراقيين مثله، يستحق التكريم والدراسة والخلود .
غير أنني أود القول ، بصراحة ، أن ما عملته المؤسسات العراقية ، العامة والخاصة ، لا يؤسس لمدرسة قاسم محمد المسرحية إلا القليل من الاستكشاف غير القادر على تطوير إمكانات ” الخلف ” المسرحي العراقي وخياراته للاستفادة مما تركه ” السلف” . فما فعلته وزارة الثقافة العراقية وما فعله أقران قاسم محمد لا يقدم شيئا عميقا لقوانين وتجارب العمل المسرحي التي صنع رياضتها فن قاسم محمد . فما قيل وما كتب هو تعبير عن الحزن برحيله ، وعن المجاملة لعائلته ، وعن كلمات التشييع الاعتيادية لمثواه الأخير .
أقول ، هنا ، أن قاسم محمد هو واحد من أهل المنطق المسرحي المتجدد ، وهو واحد من أهل الفلسفة التطبيقية في الإخراج المسرحي ، وهو واحد من أهم صائغي برامج ووثائق تجديد المسرح العراقي ، وهو واحد من المحتجين على تحويل المسرح إلى جادة الضلال والانحلال في تسعينات القرن الماضي ، حيث صار المسرح رقاعا وترقيعا وتجارة غير شرعية ، فشد رحاله إلى خارج الوطن ، إلى حيث خاض مجددا بعض التجارب الجديدة في إمارة الشارقة ، مواصلا الحفاظ على منطق وفلسفة هويته المسرحية مبتعدا عن شرور المتربعين على دست الحكم العراق في عصر انحطاطه . حين التقيت معه عام 1997 في الشارقة قضينا معا أياما ممتعة خلال معرض الكتاب الدولي في الشارقة لذلك العام . كان في أول شهور وصوله في ملمح الغربة عن وطنه ، وعن مسرحه ، لكنني وجدته متفائلا حين أكد لي أن وظيفته المسرحية في الغربة ستظل نفسها وظيفته في الوطن ، وهي وظيفة الارتباط المنطقي بالناس والمسرح والمسرحيين . سيظل باحثا في التراث عن شكل الحياة المعاصرة ، سيظل مسرحه متداخلا ومتفاعلا مع هموم الناس ولا فاصل بينها في عالم الواقع .
هكذا كان قاسم محمد في الوطن وفي الغربة ، لا انقطاع في فنونه بين المعاصرة والتراث بل هو موجد المنهجية بينهما .
اليوم هو الثامن عشر من نيسان وهو يوم يحمل نوعا من مأثرة عالمية تسمى ( يوم التراث العالمي ) فماذا فعلت وزارة الثقافة العراقية لتكريم قاسم محمد صانع التراث المسرحي العراقي وصاحب النصوص المسرحية المعرفية على مدى تاريخه المسرحي الطويل الممتد لأكثر من ثلاثة عقود ، عاود في كل يوم من أيامها الحرث والنبت والسقي لكي يخلق بيئة مسرحية عراقية مناسبة لمصائر أعمال وأفعال وتجارب المسرحيين الشباب .
لم تفعل الوزارة شيئا حتى الآن .
ربما لا تعرف شيئا عن يوم التراث العالمي ،
ربما نست أو تناست مدرسة بغداد الأزل بين الجد والهزل التي اوجد منابتها وركائزها قاسم محمد .
أنا واثق أن أحدا لا يمكنه أن يستأصل الجذور المسرحية العراقية التي رعاها قاسم محمد ، وأنا واثق أن تربتها لن تجف برحيله ، ولن يتوقف الهواء المحيط بها ، لكنني انطلق من المشروعية المسرحية لأقدم اقتراحا لوزارة الثقافة العراقية لتكريم الراحل بتأسيس متحف مسرحي خاص اسمه : ( متحف قاسم محمد ) ليضم في رفوفه وقاعاته جميع الأوراق والأشكال التي اعتمدها قاسم محمد في أعماله المسرحية ، تأليفا وترجمة وإعدادا وإخراجا ، كي يكون هذا المتحف من أوائل الخطى لتكريم المبدعين العراقيين كما هو الحال الجاري في بلدان العالم الحضارية .
متحف قاسم محمد المسرحي هو حق من حقوق الراحل ، مثلما هو حق من حقوق المسرحيين العراقيين ، مثلما هو حق من حقوق الطلبة الذين يتعلمون الآن في أكاديمية الفنون أو الذين سيتعلمون مستقبلا .
هل يرعى المثقفون في وزارة الثقافة هذا الحق ..؟ أتمنى ذلك .
بصرة لاهاي في 18 – 4 – 2009


