عن السيطرة والطغيان في مدينة الحلة

عدد المشاهدات: 2التصنيف: مقالة

جاسم المطير

جاسم المطير

ترى هل يمكن توجيه سؤال إلى الحكام العراقيين كالتالي : هل تبقى حضارة بابل جزء مخفيا في الحضارة الإنسانية أم أن الأجيال الثقافية المعاصرة في محافظة بابل قادرة على تطوير الإرث الحضاري للإنسانية التي بدأتها الكتابة المسمارية الأولى كي تقدم الفلسفة والتقنية والفنون والعلوم والجمال إلى العالم كله ..؟

سؤال آخر : هل تعنى الحكومة المحلية في بابل (بقيادة السيد المحافظ سلمان الزركاني ) بالحفاظ على توازن حضارة شعبنا القديمة مع أنظمة حيوية جديدة قادرة على الارتقاء بتلك الحضارة لتقوية التلاحم الحقيقي مع كل حضارات الشعوب العالمية ..؟

في كل محافظات بلادنا ، يوجد كتــّاب وأدباء وفنانون نابغون انطلقوا من قلب الشعب والمجتمع ، يحملون على أكتافهم هموم مشاريع ثقافية كثيرة ، لا تعد ولا تحصى ، تتفوق بمرات عديدة ، لا تعد ولا تحصى أيضا ، على المشاريع القائمة منذ زمن العهد الدكتاتوري البائد أو على المشاريع التي أقيمت بعد سقوطه .

كذلك في مدينة الحلة وجميع أقضيتها ونواحيها يتوفر مفتاح رئيسي لسعادة الناس يمكن أن يؤمن التطور الثقافي والفني الذي تريده الديمقراطية وتسعى له كل دولة تستهدف خدمة شعبها على اعتبار أن الثقافة والفنون هي في رأس النظام الاجتماعي ، هي الوسيلة الرئيسية في عملية التغيير والتطوير لكل أوجه الحياة الإنسانية ، هي القادرة على إيجاد الوجه المغاير للتخلف الذي عاشه الوطن العراقي خلال 35 عاما من عمر النظام الدكتاتوري .

السؤال المطروح على مسئولي محافظة الحلة ، داخل مجلس المحافظة وخارجه هو : من يملك (الحرية) في محافظة بابل.. ؟ هل الآداب والفنون المعبرة عن الروابي الوطنية المشرقة أم القرار الإداري الروتيني المعبر عن جهالة الجاهلين المسيطرين في غفلة الزمن على مقدرات المحافظة والناس فيها ..؟

لا حاجة للتفكير بالجواب فالقرار الإداري في محافظة بابل مثل جميع المحافظات العراقية الأخرى لا يتميز حتى اليوم إلا بــ(الظلم) الواقع على المثقفين وبــ(الامتيازات) التي يحظى بها الموظفون ، خاصة الموظفون المنتخبون لعضوية البرلمان ولمجالس المحافظات ..!!

القرارات في غالبيتها تفتقر إلى العدل والى المنطق بحيث يصعب وصف تلك القرارات بكونها جديرة بالاحترام . أنا هنا لا أريد التطرق إلى مئات من القرارات المتخذة وهي لا تتطابق ولا تتوافق مع أي ادعاء حكومي في بناء مجتمع الغد على أساس التقدم إذ سرعان ما تتبخر جميع المدعيات في ظلال الفساد أو الفاسدين أو أنها تغيب في الفضاء .

لكنني أريد هنا التوجه إلى المسئولين في محافظة بابل وفي مدينة الحلة ببرهانين ساطعين يكشفان بوضوح التخطيط التسلطي ، الإداري والحزبي ، الذي يعيق نظام حرية العمل الفني والأدبي :

(1) البرهان الأول : قيام حزب الدعوة وهو من اكبر الأحزاب الحاكمة في العراق بالسيطرة على مقر الاتحاد العام للكتاب والأدباء فرع الحلة ولم تأخذ قيادة هذا الحزب ، لا المركزية في بغداد ولا المحلية في الحلة ، بعين الاعتبار الحقيقة الأدبية المعاصرة ، حيث لا يمكن القيام بفعاليات من دون قاعات ، إذ تعتبر القاعات في كل الدول المتقدمة في العالم كميادين المباراة والمنافسة الحرة لتامين رقي الآداب والثقافة كلها .

(2) أما البرهان الثاني فيتعلق بمقر الفنانين في الحلة إذ تم الاستيلاء عليه بمبتكرات من الضغوط السلطوية البارعة مثل قطع الكهرباء المتعمد وقطع الماء المتعمد ووسائل عنف وإرهاب عديدة أخرى تهدف إلى الحد من النشاطات والفعاليات كي يتحقق لدولة الحلة هدف استراتيجي بطرد الفنانين من مقرهم كفئة ضعيفة لا تحميها حكومة ولا دولة ولا شرطة ولا ميليشيا . فقد تم الاستيلاء على المقر بسهولة وببرودة أعصاب حكومة محلية تدعي الديمقراطية لاستخدام هذا المكان الصغير (لأغراض الحكومة المحلية)التي تتبع مخططات وأساليب الطغاة السابقين البائدين .

أقول لمحافظ الحلة السيد سلمان الزركاني ولأعضاء مجلس المحافظة الذين لا أعرف أي مثقف بينهم ، فكلهم ، كما يتوقع حمام الحلة الزاجل مثل أعضاء البرلمان الراحل ، من المتشوفين إلى إتقان دروس الثراء وإدراك المكاسب الشخصية ، أقول لهم ، جميعا ، أن الآداب والفنون لن تتصافى مع الدولة إذا ظلت الدولة تداري مواقف اللصوص والطغاة المتمثلة بالظاهرات الطبقية الصريحة ، التي يحاول الجهاز الحاكم ، دائما ، الاستحواذ عليها في وقت يحظى الموظفون الكبار بأرقى الامتيازات المالية بينما تحرم المحافظة من وجود بناية مسرح صغير يلم شمل الفنانين المسرحيين أو صالة صغيرة تعرض إنتاج الفنانين التشكيليين ، مما يجعل نضال المثقفين متواصلا ، جيلا بعد جيل ، ضد كل صنف من أصناف اللصوصية والدكتاتورية الصغيرة والطغيان إلى حين يتحقق وضع كل كفاية الدولة تحت تصرف الآداب والفنون والثقافة ، كلها ، كي يصبح بالإمكان بلوغ درجة من الوعي والتقدم تشعرنا بأننا ، نحن أبناء بلاد حضارة الرافدين ، ننتمي إلى عالم إنساني حقيقي.

ختاما أقول أن من طبيعة المثقفين ومن أولى أهدافهم بلوغ الذروة الشريفة التي تضع نشاطاتهم وعقولهم ومواهبهم ومهاراتهم باختلاف العصور والأزمان في خدمة شعبهم .

أنا شخصيا اصدق من يقول أن أعضاء مجلس محافظة بابل لم يسمعوا حتى هذه الساعة أن بابل أمّ الحدائق المعلقة ، وان الحدائق المعلقة تعد من عجائب العالم السبع ، وان البابليين الفنانين القدامى أبدعوا في صنع أشياء الفنون من الطين والحجر والعظام والأخشاب والمعادن وقد ظلت فنونهم تلك طاقة نفسية لا تنضب في حركة البابليين المعاصرين ..

لذلك فأن الموهوبين البابليين المعاصرين يستطيعون ، اليوم وفي المستقبل ، أن يصنعوا من أشياء الديمقراطية قوة قادرة على جعل من لا يفهم خارج الزمن والسلطة كي يعودوا إلى كهوفهم المظلمة .

في كل العصور ظل الأدباء والفنانون فتيانا مسافرين إلى المستقبل على مركبة متألقة بالشمس المشرقة ..

قادة الحكومة متى يفقهون ..


بصرة لاهاي في 18 – 3 – 2010