رسالة مفتوحة من جاسم المطير إلى القاضي مدحت المحمود

عدد المشاهدات: 2التصنيف: مقالة

جاسم المطير

جاسم المطير

السلام عليك مني ، أيها السيد القاضي ، رئيس المحكمة الاتحادية المسئولة عن إبقاء طريق العدل مضيئا في بلادنا حتى ولو بدفق قليل من النور .

من مدينة لاهاي ، عاصمة العدالة المختارة من كل الدول ، من لاهاي التي لا تعرف عالما مجزئا بين الحق والعدل ، من لاهاي حيث لا توجد حواجز بين الدولة والمواطن ، من لاهاي حيث المعرفة حرة ، أتوجه إليكم بهذه الرسالة المفتوحة بعد أن دخل بلدنا العراق إلى دروب ٍ وعثاء ، لا يبدو أن لها نهاية ، مما يتوجب على السلطات الثلاث ، التنفيذية والتشريعية والقضائية ، أن تستيقظ من نومها فورا وأن لا تدع الوقت يمر عبثا ، بينما يظل غالبية أبناء شعبنا الفقراء يرتعشون من الجوع والظمأ لكل شيء في بلد الخيرات والثروات .

لأني مثل ملايين العراقيين على ثقة تامة بأن طبول الكون كلها لو قـُرعت فأن السلطتين العراقيتين ، التنفيذية والتشريعية ، لن تستيقظا من نومهما أبدا . لذلك ، أيها السيد القاضي مدحت المحمود ، قررتُ توجيه رسالتي إليكم متمنيا أن أجد عنايتكم الصاغية منكم و في محكمتكم الموقرة عسى أن تتسق أناشيد الناس وأصواتهم وأمانيهم ومطالبهم أمامكم ، بالحق والعدل ، كي تغسلوا ، بقرارات عادلة ، عن عيونهم رماداً بركانيا غطاها من عواصف سياسية ، هبت ولا تزال تهب على حياتهم ، كل يوم ، بعد نتائج انتخابات السابع من آذار 2010 وقد غطتها ، أيضا ، غيوم التزوير ورمال كثيرة من الاتهامات والأقاويل والادعاءات ، التي امتد تأثيرها منذ نهاية الانتخابات حتى هذه الساعة وبلادنا ليست هادئة فوق رؤوس مواطنيها لأن الدولة فيها بلا برلمان وبلا حكومة وبلا نتائج انتخابية نهائية ، مما جعل كل شيء على حد سيوف الخلافات المتصاعدة بين الكتل الانتخابية ، وقد بدا وطن الرافدين شاحبا إلى الحد الأقصى لأنه يقف على حافة احتمالات سياسية كثيرة قد تدفعه إلى هاوية عميقة .

سيدي قاضي القضاة :
لا شك أنكم اعلم الجميع بما آلت إليه النتائج الانتخابية المعلنة ، التي لم تصادق عليها محكمتكم حتى الآن . قيل أن ابتسامات الفوز الحقيقي في الانتخابات البرلمانية لم تتألق إلا ّ على وجوه 15 مرشحا فقط استطاعوا أن يحققوا تجاوز العدد المطلوب من الأصوات ، بنسبها المحددة في محافظاتهم ، أي أنهم تجاوزا ما يسمى بـ(القاسم الانتخابي) وهم كل من السادة :
(1) رئيس الوزراء نوري المالكي بغداد عن قائمة دولة القانون.
(2) الدكتور اياد علاوي عن القائمة العراقية في بغداد.
(3) أسامة النجيفي عن القائمة العراقية في نينوى.
(4) الدكتور طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية عن القائمة العراقية.
(5) الدكتور ابراهيم الجعفري عن قائمة الائتلاف الوطني في بغداد .
(6) خالد شواني عن قائمة التحالف الكردستاني في كركوك .
(7) رافع العيساوي نائب رئيس الوزراء عن القائمة العراقية في الانبار .
(8) باقر جبر صولاغ عن قائمة الائتلاف الوطني في بغداد.
(9) أرشد رشاد عن القائمة العراقية في كركوك .
(10) علي بابير عن الجماعة الإسلامية في اربيل .
(11) حميد عادل عن التحالف الكردستاني في دهوك.
(12) بهاء الاعرجي عن الائتلاف الوطني في ذي قار.
(13) صفاء الدين الصافي عن دولة القانون في البصرة .
(14) عبد الحسين عبد الرضا عن الائتلاف الوطني في النجف .
(15) خلف عبد الصمد عن دولة القانون في البصرة.
هؤلاء الــ15 شخصا هم وحدهم نالوا ثقة الشعب من مجموع أكثر من ستة آلاف مرشح تقدموا للمنافسة الانتخابية .

يقال في أمثلة الشعوب العالمية كلها أن ( ليس كل ما يلمع ذهبا ) . أما عن انتخابات برلمان 2010 فقد نتج مثال آخر من أمثلة الحكمة هو : ( ليس كل من أعلنته المفوضية صار نائبا ) ، بل يجب أن نكون جميعا بمنتهى الحذر من تسمية أي واحد من 310 شخصا مفترضا في قوائم المفوضية الانتخابية أن نطلق عليه لقب (نائب الشعب) بينما هؤلاء لم يحصلوا على ( القاسم الانتخابي ) من الأصوات . هذه في الواقع مسئولية سياسية – اجتماعية كبيرة لأنها صفة ليست حقيقية تطلق على 310 عراقيا ، بل هي صفة مضللة . هي في الواقع من اكبر عيوب العملية السياسية الحالية المسخرة من منظورات حزبية وطائفية ، ليست قائمة على رؤية الأشياء بدرجات واقعية . النتائج التي أعلنتها المفوضية العليا للانتخابات يوم 26 – 3 – 2010 استقدمت الكثير من أتربة العواصف السياسية لتعبث بمقدرات بلدنا في المستقبل حيث انطفأ عن برلماننا القادم شعاع الديمقراطية الانتخابية بما يلي :
(أ) أن من يحق لهم الدخول إلى البرلمان القادم هم 15 نائبا فقط كما أوردتُ أسماءهم قبل بضعة اسطر .
(ب) إن 310 اسما من الأسماء التي أعلنتهم المفوضية كنواب فائزين هم في حقيقة الأمر ليسوا فائزين إلا بلعبة (أصوات الكيانات) التي لا يعرف مدى سلامتها القانونية غير كبار رجال القانون العراقي الموجودين في محكمتكم. لذلك ليس من حقهم النطق ( باسم الشعب ) إلا بقرار من محكمتكم .
(ت) إن نور الفوز الانتخابي لم يشع على أي امرأة من مجموع الــ81 اللواتي أعلن عن فوزهن في الانتخابات . الحقيقة أنهن خضعن لنظام ( التعيين ) على أساس الكوتا المهينة في جوهرها للمرأة وليس على أساس (الانتخاب).
لوجود هذه الظلمة الثلاثية وللصراع المشتعل في كل زاوية من زوايا العراق حيث يحدّج العراقيون المظلومون في ظلام دامس ، لا يستطيعون تأمل مستقبلهم ومصيرهم ، خاصة بعد أن أصبحت كل الكؤوس طافحة بسموم البطالة وتدني أجور العاملين وارتفاع الأسعار وتدني مستوى خدمات الدولة جميعها وغير ذلك من السموم التي لا تعد ولا تحصى في ظل انعدام الأمن والأمان ، لذلك مطلوب منكم أيها السيد القاضي تدارك الأمر قبل وقوع كارثة سياسية. بلمسة عقلانية واحدة خالدة يتقرر مصير برلمان لم ينتخبه أحد وبذلك تنتصر العدالة من خلال شجاعة القضاء واستقلاليته .

سيدي القاضي :
هل يتاح للقضاء العراقي أن يتدخل ليمنع الفوضى الانتخابية ونتائجها التي ارتمت بثقلها على أعناق جماهير الشعب بسبب عدم وجود قانون انتخابي عادل وواضح وحازم .
متى يزجي القضاء العادل برأيه إلى الناس حاملا المعاني العادلة عن انتخابات يقول عنها رئيس الوزراء نفسه أنها زورت في العاصمة بغداد وقد استطاع بجهده وكفاحه إجبار بعض أجهزة القضاء باسم الديمقراطية على إعادة الفرز والعد يدويا .
هل يستمر تعاقب الليل والنهار على بلاد الرافدين من دون رؤية العدالة الحقيقية في أرضها وسمائها في القرن الحادي والعشرين .
هل يهتز القضاء العراقي كي يمنع كل من يريد اهراق دم العدالة .
هل تستطيع محكمتكم الموقرة أن تنقل شعبنا من الحزن إلى الفرح وان تـُفعم الأجواء العراقية كلها بأريج العدالة الشذي بقرار يصدر منكم حول الانتخابات ومشروعية نتائجها .

ختاما لكم يا سيد العدالة تحيتي الأخيرة ، متأملا أن تنبثق كلمة القضاء العراقي من أغوار الحق والإخلاص والعدالة .