جاسم المطير
جاسم المطير
كثيرة هي التصورات حول البداية التاريخية لظاهرة (الطائفية السياسية) التي صارت في بلادنا اليوم وحدة ارتكازية في البرلمان العراقي وفي مفاصل الدولة العراقية وركبها كافة، بل يمكن القول أن الطائفية السياسية أصبحت تجسيدا معاشا ومنظورا في مجمل التطورات الحياتية والفكرية في فترة ما بعد سقوط الدكتاتورية عام 2003 فقد أصبحت هذه الظاهرة مندمجة نوعيا داخل أحزاب الإسلام السياسي، دافعة المجتمع نحو زيادة روابط الأفراد والمجتمع بالطائفية، سرا وعلنا، باستناد هذه الأحزاب على تعاليم دينية لتوحيد قواها السياسية وسلطتها على ترجمة وقائع دينية ومذهبية معينة بتحويلها إلى وقائع اندماجية – اجتماعية عن ط ريق بعض الفتاوى والتفاسير السطحية بهدف تحويل تاريخ مستقبل الشعب العراقي إلى تاريخ مسطح ، من دون تحرر وانفصال وانعطاف، عن مراحل التاريخ المتخلف عبر أزمنة وعصور الحقب المظلمة، التي مرت بها الشعوب كافة بما فيها شعوب وادي الرافدين لإبقاء الطائفية والطائفية السياسية خصوصا امتدادا للمراحل الظلامية السابقة.
شهدنا وما زلنا نشهد لحظات جديدة في التاريخ البشري تتقلص فيها مكانة (الطائفية السياسية) بسبب الظواهر المتميزة المصاحبة للظروف والمعطيات الحضارية المعاصرة ولدور العلم والتكنولوجيا في تغيير حياة الإنسان المعاصر، تغييرا جذريا نحو التقدم وتحقيق الكرامة الإنسانية والاتجاه المضطرد نحو العدالة القانونية والعدالة الاجتماعية تحت راية حقوق الإنسان والتقارب بين الملل والنحل والبشر بقيم وقناعات ومسلمات مشتركة في مقدمتها مبادئ الديمقراطية – مهما اختلفت تطبيقاتها – فأنها قادرة وحدها على إعادة ترتيب العلاقات الإنسانية داخل المجتمع الواحد وعلى نطاق العالم بما لا يتعارض مطلقا مع الديانات السماوية التي دعت الشعوب والقبائل للتعارف والتوحد والتقارب الأبدي حتى غدا الزمن الأوربي الحاضر – مثالا- في التحديث الإنساني على هذا الصعيد.
هذا التحديث لم يستند إلى فلسفة أو وسائل التفوق والقوة وتخريب العلاقات الإنسانية – الاجتماعية، بل استند، أولا وقبل كل شيء، إلى نشر الثقافة العلمانية حيث تعيش وتنمو فيها الأديان السماوية بعيدا عن الدولة والسياسة إذ حققت الدول الأوربية وغيرها هذه الثقافة بفصل الدين عن الدولة بجهود الإنسان المبدع ،المنتج بيده بعقله وببحثه الدائم عن الحياة الأفضل، بانتهاج السلوك اليومي المتجه نحو إشباع كل ما هو طبيعي وبيولوجي في حياته. في هذا المنحى وجد نفسه لا يحتاج إلى الطائفية السياسية ولا إلى المذهبية الدينية ولا إلى الفتاوى التي تؤدي إلى الانقسام والتبلد كما هو حال المجتمعات العربية والإسلامية والقبلية وغيرها مما موجود في العالم المتخلف.
نحن العراقيين المقيمين في هذه الدول ومنهم أنا حيث أقيم في هولندا ذات المساحة الصغيرة وحيث يقيم فيها أكثر من مائة من جنسيات واديان وطوائف وثقافات مختلفة قادمين من مختلف أنحاء العالم متحدين تحت راية القانون العام وتحت دستور الديمقراطية العلمانية، ليس بينهم غير التعارف والتكافل والعمل المشترك من اجل تطوير المجتمع تطويرا مدنيا – سياسيا، بل حتى أننا نرى الأحزاب المسيحية الأوربية نفسها تلعب دورها بخصوصية (التشكيل الثقافي الحر) عند المواطنين بفصل الدين عن الدولة حيث غدت الكنيسة مكانا رمزيا وواقعيا لممارسة الاجتماعات والشعائر الدينية، بينما المجتمع السياسي ( البرلمان والدولة والأحزاب والصحافة والتلفزيون) صار مكانا لنظام رمزي وواقعي لتحقيق تقدم الإنسان ، مادياً، نحو المستقبل الأفضل. لم يعد أي مكان في جنسية المواطن الهولندي أو الألماني أو النرويجي أو في جواز سفره لتدوين دينه أو طائفته، بل غدت المواطنة هي الأصل في الجمع والمصطلح لكل فرد من إفراد هذه المجتمعات. الدولة والمواطنة شيء والدين شيء آخر. لا سلطان للكنيسة على الدولة ولا سلطان للدولة على الكنيسة. كل منهما يتطور في المكان والزمان بمعزل عن الآخر بل تطورت الكنيسة وقاعاتها إلى ما يخدم رفاه الإنسان وتطلعه نحو الأفضل. أقدم للقراء مثلا أقول فيه : عام 2007 وجدتْ منظمة الحزب الشيوعي العراقي نفسها أنها تحتفل بعيد تأسيس الحزب داخل قاعة إحدى اكبر الكنائس في ضواحي مدينة لاهاي كما احتفلت الجمعيات النسائية عام 2009 بعيد المرأة العالمي داخل قاعة نفس الكنيسة تخللتها حفلة غنائية – فنية . هنا في هولندا العلمانية نجد الكنيسة تقدم مختلف أنواع العون المادي والروحي بالتركيز على كل ما هو أنساني لا يتعارض مع القيم الدينية ولا مع مفاهيم الحلال والحرام التي تفرضها أزمة الأصوليات الدينية في وطننا .
ترى هل يأتي زمان يستطيع فيه المثقفون العراقيون، العلمانيون والديمقراطيون والتقدميون، أن يقيموا احتفالا في صحن الإمام الكاظم عليه السلام أو في الجامع الكبير بالبصرة بمناسبة يوم الإعلان العالمي عن حقوق الإنسان ..؟
حكمة:
الطائفية السياسية هروب جماعي إلى وراء ..

