جاسم المطير
جاسم المطير
كثر الحديث عن الديمقراطية في بلادنا ومجتمعنا بعد سقوط نظام الدكتاتورية في نيسان عام 2003 .. بعض ذلك الحديث كان ضمن تعريف عقلاني لمفهوم الديمقراطية بين النخب السياسية والثقافية العراقية، باعتبار الديمقراطية قوة تحرر الإنسان – الفرد من كل أنواع الظلم والعبودية. البعض الأخر يتصور أن الديمقراطية ليست سوى (عملية تشاورية) لتحقيق نظام جديد يكون فيه سادة جدد هم قادة سلطة جديدة. البعض الثالث يرى ان الديمقراطية هي (عملية تشاركية) بين مجموعة قوى منظمة وأحزاب سياسية للجلوس على عرش السلطة والنظر الى الشعب من علو. البعض الرابع يرى أن الديمقراطية هي مجرد قواعد أخلاقية لتنظيم الحياة الاجتماعية. البعض الخامس يرى الديمقراطية متجسدة في ديانة الدولة القادرة على فرض معتقداتها الأخلاقية والفقهية والدينية على المواطنين أجمعين. البعض السادس يتخيل الديمقراطية حقوقا مختزلة تمنحها القوى المسيطرة على الدولة بمقتضى (تفسيرات سلوكية) يقوم بها الأقوياء للتفضل بها على الضعفاء..!
هذه وغيرها من الآراء والأفكار سادت بين الكثير من السادة النواب المنتخبين وبين السادة الوزراء المتنفذين وبين الكثير من القادة الحزبيين ممن جاءوا إلى العملية السياسية أو قادوها منذ يوم التغيير في 9 نيسان 2003 من دون أن يعرفوا معرفة دقيقة الفرق الأساسي بين أشكال الخير وأشكال الشر في السياسة ومن دون معرفة دقيقة بين الرغبات الشخصية للحكام الجدد وبين آرائهم الخاصة والشخصية ، ومن دون معرفة شاملة بين الحرية التي يريدها الشعب وبين المصالح الشخصية والفئوية والحزبية والطائفية للحاكمين .
ليس من الضمير وليس من العدل أن نظل متفرجين في وطننا على التنكيل الأسطوري بمفاهيم الديمقراطية الجارية في أرجاء بلادنا كافة، في هذه المرحلة ، ضمن نسبيتها التاريخية وضمن خصائص مجتمعنا المتميز بالتخلف وضمن اللون الطائفي – التحاصصي في اغلب عناصر قيادة الدولة التي تحاول أن تجعل كل خطى السياسة معتمة وغامضة ، خاصة في فترة نمر بها يبدو فيها الناس عاجزون عن تغييرها.
مرت السنوات التسع الماضية من دون أن تنطوي إجراءات الدولة العراقية الجديدة على فهم حقيقي للحرية وإجراءاتها ومؤسساتها التي لا تتعارض مع الديمقراطية وفق احترام الحرية الشخصية للمواطنين احتراما إلى ابعد حد ممكن. لقد وجدنا خلال السنين الماضية صعوبة تطبيق حرية الرأي والاجتماع وحق التظاهر والتنظيم باعتبارها من ابسط الحريات والحقوق الأساسية في الديمقراطية التي تنشد بناء مجتمع العدالة لأكثرية أبناء الشعب إن لم يكن لكلهم.
مع الأسف الشديد أن العديد من الحكام ، والكثير من الأحزاب، وعدد غير قليل من القادة الجدد لم يفهموا، حتى الآن ، أن الديمقراطية الحقيقية وليس الديمقراطية التي يثرثرون بها في الشاشات التلفزيونية هي ، وحدها، القادرة على تخليص شعبنا المقهور من مآسي نظام حزب البعث خلال أربعة عقود لم تغادر المجتمع العراقي . الديمقراطية الحقيقية هي القادرة على تزويد أبناء الشعب العراقي كله بامكانية التصرف بحرية تامة كاملة و مناقشة ومحاسبة الذين يقبضون على زمام سلطة الموارد الاقتصادية والمالية والاجتماعية والثقافية وتطهير الدولة من الفاسدين والمرتشين وعزلهم تماما عن العملية السياسية. إن أول أساس في النظام الديمقراطي يجب أن يبنى على المساواة بين حقوق الأقلية في (القيادة السياسية) وحقوق الأكثرية في (القاعدة الاجتماعية) .
الديمقراطية الحقيقية هي القادرة على تزويد الناس المحكومين بإمكانية تعزيز دورهم في عملية التغيير الاجتماعي وتوفير العدالة. الديمقراطية لا تعني توفير فرص بوليسية للحكام للدفاع عن مصالحهم الطبقية ، لا تعني بأي حال من الأحوال توفير الفرص لتنظيم شبكات الفساد المالي والإداري بواسطة البراعة والذكاء في إخفاء صلات المصالح بين الأقرباء والأصدقاء داخل أجهزة الدولة كما هو الحال الجاري منذ تسع من السنين في بلادنا.
الديمقراطية لا تعني الخوف من الدولة ومن بوليسها، لا تعني الخوف من قمع الدولة، كما يتصور بعض الرجال الحاكمين. الديمقراطية لا تعني الاستسلام أمام ضعف الدولة وتقصيرها في تلبية حاجات الجماهير اليومية جميعها تحت حجج واهية ينطق بها قادة الحكم الجديد لإجبار الإنسان العراقي على الصمت والسكوت وإرغامه على تقديم المزيد من التضحيات بذريعة وجود الإرهاب والإرهابيين وغيرها من حجج الفترة الانتقالية التي طال أمدها.
من الضروري أن يفهم الحكام أن الديمقراطية في جوهرها تعني أول ما تعني رغبة إبقاء أبواب الحرية مشرعة أمام المواطنين جميعا . لن يتخلص العراقيون من دراما الديمقراطية إلا بتحليق الشعب في سماء تحقيقها بتكوين المجتمع، كله، تكوينا حديثا ،منسقا، كشرط لإلغاء العوائق كلها التي تحول دون دمقرطة المجتمع العراقي المكدود بالقهر والفقر والدمع الجاري منذ عشرات السنين .
حكمة:
لا تتوقع من نبتة الصبّار أن تثمر التفاح..!

