المرأة والديمقراطية

عدد المشاهدات: 2التصنيف: مقالة

جاسم المطير

جاسم المطير *

الظاهرة المعروفة للجميع أن مجتمعاتنا العربية – الإسلامية ما زالت تعيش في نظام موروث من العهد العثماني ومن نظام الحريم الإسلامي القديم ومن المجتمع العشائري ومن جميع الموروثات السلفية والمتحجرة ، التي لا تعتبر المرأة موضوعا من موضوعات الحياة الإنسانية، بل موضوعا من موضوعات الشعر في وصف ضفائرها ونهديها وفي التعويل على المتعة والخدمة المنزلية المتخيلة عما يأتي من بين يديها وفخذيها وجسدها كله، وفي مقدمتها خدمة الفراش والسرير.

من هنا ، من هذه الرؤية الشمولية ، ما زالت مجتمعاتنا منقسمة إلى نصفين: النصف الأول ذكوري مسيطر على مرافق الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. والنصف الأخر هو النصف الأنثوي (المكمـّل) للنصف الأول حسب رأي الفقهاء والمتفقهين بنظريات وأحزاب الإسلام السياسي، بل هو النصف الذي يتصرفون به كأنه سلعة من سلع المتعة.

شاهدتُ على الشاشة التلفزيونية يوم الرابع عشر من آب 2012 من القرن الحادي والعشرين – انتفاضة نسائية جريئة، واسعة، في شوارع تونس، ارتفع فيها صوت النساء التونسيات ضد شعارات الإسلام التونسي الجديد، الذي يحمل وينادي بعقلية قديمة أسطورية باعتبار المرأة نصفا (مكمّلا) للرجل وليس مساويا له. مع الأسف الشديد أن مفهوم (النصف المكمّل) ما زال الأوسع انتشارا في النصف الشرقي الإسلامي من العالم، في وقت تمّ فيه تشكيل وزارة جديدة في دولة من دول النصف الغربي من العالم في عهد الرئيس الفرنسي الجديد فرانسوا هولاند ضمت أغلبية نسائية من الوزيرات إذ اختار 17 ياسمينة ليضعها في حديقة مجلس الوزراء . من دون شك أن الرئيس الفرنسي استوحى هذا التشكيل الوزاري من الثقة بمكانة وكفاءة المرأة الفرنسية المعاصرة وقدرتها ودورها الفائق في مساواة حقوق المرأة لأخيها الرجل في كل حرف من حروف صناعة قصيدة القرار السياسي ، والمشاركة بكفاءة في تحديد وزنها وقافيتها ، بما يؤمّن هدف البناء الحضاري بعقول الرجال والنساء على حد سواء.

في بلادنا ، بلاد الرافدين وحضارتها، ظلت المرأة العراقية في زمن الديمقراطية بعد نيسان 2003 كحالها في زمن الدكتاتورية محرومة من الحريات العامة والشخصية أو ربما بأقل حرية مما كانت من قبل . في الوقت الحاضر تحديدا نرى المرأة العراقية محرومة من الذهاب والإياب من دون محرم ، محرومة من حق تقرير مصيرها ومستقبلها الذاتي، محرومة من حرية اختيار العمل والزواج ، محرومة من حرية الإفلات من الجو البيتي الخانق، محرومة من ممارسة دورها في العلاقات الاجتماعية ، محرومة من ممارسة العلاقات الإنسانية. ما زال الباب مغلقا بوجهها لتحقيق سيادتها على نفسها وتجربة دورها المستقل في البحث عن الحب والعاطفة والسعادة. المرأة العراقية تظل بين يدي ولي أمرها، قبل النضوج وبعده ، قبل الزواج وبعده، إذ تنتقل أمور الوصاية عليها من وليّ إلى آخر، من ولاية الأب إلى ولاية الزوج باعتبارها إنسانا قاصراً، عاجزا عن صيانة ذاتها وتأكيد شخصيتها . حتى في المدارس والجامعات المختلطة لا نجدها متساوية مع زميلها فهي تجلس بمقاعد خاصة ولا تجرؤ – إلا ما ندر – على مخالطة زملائها. كما حرام عليها التنزه داخل الحرم الجامعي والنقاش مع زميلها لأن حرس الإسلام السياسي يفرض نفسه ولياً عليها في الجامعة والمدرسة.

بالرغم من أن المرأة العراقية ، المثقفة والمتعلمة جامعيا ، صار عددها كبير جدا في بلادنا بعد أن تخرجت من الباب الأكاديمي الواسع ، لكن أبواب ما بعد الجامعة صارت مسدودة بالعنف والتهميش في غالبيتها. هذا الواقع لم يهب الدافع والحياة والروح في تشكيلاتنا الوزارية الأخيرة غير منح مقعد وزاري تحاصصي واحد للمرأة بوزارة اسمها (وزارة حقوق المرأة). مع الأسف الشديد أن حظ المرأة العراقية لم يكن موفقا ولا سعيدا حتى في هذا الاختيار لأن معالي الوزيرة لا تؤمن بـ(مساواة المرأة) بل بكونها عنصرا مكملا للرجل حسب تصريحها القائل أن الرجال قوامون على المرأة، الذي أدلت به تلفزيونياً – مع الأسف – في العام الماضي تنفيذاً لمبادئ أحزاب الإسلام السياسي العراقي .

إن أضحوكة الزمان العراقي الديمقراطي يجب أن تختفي من بلاد الرافدين، بلاد عشتار وجلجامش. يجب أن تتحرر شفاه النساء العراقيات بالقول الصاعد الجريء، كالتونسيات والفرنسيات ، بالمطالبة اليومية في مظاهرات الشوارع وندوات القاعات الديمقراطية والصحف والقنوات الفضائية ، صفاً بصف ويداً بيد تحت ظل التيار الديمقراطي العراقي، من اجل نيل حقوقهن السياسية والاجتماعية والتخلص من مطابخ البيوت ومن غرفها المظلمة والتوجه إلى الحرية الأساسية وفي مقدمتها مساواتها الفعلية مع أخيها الرجل في صنع القرارات المصيرية وممارسة الديمقراطية الحقيقية .


بصرة لاهاي في 15 – 8 – 2012

* كاتب وروائي