احترامي للحرامي..

عدد المشاهدات: 2التصنيف: مقالة

جاسم المطير

جاسم المطير *

من ابرز الأغنيات الحديثة التي أحب الاستماع إليها هي أغنية (احترامي للحرامي) التي تغنيها المطربة المصرية الشابة آمال ماهر (27 سنة) لأن فيها إمتاع كثير ومؤانسة كثيرة ما فات حلوها وحامضها وفكاهتها على أبي حيان التوحيدي في كتابه من قديم الزمان المسمى (الإمتاع والمؤانسة) . يقول مطلع الأغنية : (احترامي.. للحرامي صاحب المجد العصامي / صبر مع حنكة وحيطة / وابتدا بسرقة بسيطة / وبعدها سرقة بسيطة/ وبعدها تَعدى محيطه وصار في الصف الأمامي/ احترامي.. للحرامي..) .

عند سماعي هذه الأغنية أحس أنني اكتشفتُ شيئين مهمين :

الشيء الأول: أن لدى الفنانة الجميلة آمال ماهر فناً خبيئاً، غريبا، طريفاً، ظريفاً، جريئاً، هو الإمتاع بعينه لم اسمع بمثله من قبل وأن صوتها يخفق في الأسماع كخفق البرق في السماء بنوع من اللفظ اللغوي والصياغة الشعرية الفنية المندمجة مع روادف موسيقى أخاذة ..‍

الشيء الثاني: اكتشفتُ ، كمستمع، منذ المرة الأولى، أنني أهفو لقوة تعبير هذه الأغنية وتفوّق موسيقاها ولحنها وقدرتها على إشعال سراج وهـّاج في هذا الزمان المعتم لكشف وساخة أساليب الفاسدين واللصوص وإيضاحها بعيون الناس أجمعين بالإفصاح الغنائي العذب المؤثر بالنفوس. هذه هي المؤانسة بعينها..!

أدهشني مستهل هذه الأغنية، الواضح المعنى، في مثل هذا الزمان المتشابك، المليء بالصراعات والمتناقضات والخفايا، خاصة في بلادنا، حيث الثقافة والفنون والآداب والعلوم والشرف الوظيفي صارت جميعها من البنود الهامشية، بينما الشيء المركزي في الحياة العراقية الحالية ، السياسية والاجتماعية ، صار هدفه الأول هو (عشق المال) وجمعه و الاشتغال بنشاط وقوة من اجل أن يكون المرء ثرياً بـ(خمسة أيام من دون معلم) ليكون قيادياً في الصف الأمامي، كما تنبهنا ، بصورة غير مسبوقة، أغنية الفنانة الشجاعة (آمال ماهر) التي قدمت للمشاهدين العرب المقفلة عيونهم والمشطورة آذانهم أغنية ذات تعبير فني له معنى فائقاً في زمن لا نرى فيه ، بهذه الأيام، غير صحراء ثقافية قاحلة لا نسمع فيها سوى احتكار واجتياح كثير من الأصوات الغنائية الزائفة والتافهة لتضع سيوف كلماتها العجفاء فوق رؤوس كل ما هو جميل وغني في الفنون والآداب، الحديثة والموروثة .

لا بد أن أقول أولاً، أنني لا اعرف المغنية ( آمال ماهر) إلا من مستواها الصوتي الذي جذبني منذ عامين مع تواصلها الموحي بقدرتها الغنائية والصوتية في إعادة صوت أم كلثوم وتوظيفه في اجتذاب عقل المحبين لفنها، من خلال الشعور والإحساس بنسيم بعض أغاني سيدة الغناء العربي، التي تجيد آمال ماهر غناءها الباهر كأنه منتهى المنى في الإصغاء لصوت أم كلثوم ببرقها ورعدها ،برشدها وإطنابها وإبهارها .

غير أنني سمعتُ، اليوم، أغنيتها (احترامي للحرامي) مكررا التلذذ والإصغاء لهذه الأغنية عشر مرات، معتبراً إياهاً مطالعة فنية ناطقة باسم (الادعاء العام العربي) في محكمة العدل العربية..! بحق سارقي أقوات شعوبهم. أعجبت بها أيما إعجاب، ليس لأنها تستهين بعقول وصفات (الحرامية) وتكشف أصولهم وعروقهم وتنزع عنهم أثواب عقوقهم وتحصرهم في زاوية الجريمة بحق الشعب، بل وجدتُ في الأغنية توظيفاً ناجحاً في الدمج والمحاكاة بين أفكار القهر والجدية وبين التسلية السياسية، أيضا . كانت كلمات الأغنية فصيحة بنوع من البساطة المباشرة كأنها من شعر الفصحاء تصفع بها وجوه الحرامية الجهلاء ، إذ تميزت كلماتها بلطف تدقيقها بأخلاقية الحرامية الجافية ، بطريف وظريف معانيها وصواب تشبيهها التهكمي وبصحة استعاراتها الساخرة. كما تضمنتْ الأغنية معانٍ صحيحة، وألفاظ فصيحة، وتشبيهات مصيبة، واستعارات عجيبة، كلها تأتي منطبقة على الحرامية من العراقيين قبل غيرهم من السادة القياديين في هذا الزمان المهان بأقبح الأفعال.

صار (احترام الحرامي) في هذا الزمان جزءا أساسيا من أخلاقية الواقع في البلاد العربية – الإسلامية حيث تنوع أشكال نهب المال مبنياً على أسس (شركات متعددة الجنسية) فيما يخص تهريب الأموال المسروقة من قوت الشعب الفقير متزامناً مع تخريب الاقتصاد العراقي ومع انحطاط نوعيات بضائعه المستوردة مختزلة أسواق الاستيراد والتصدير لتبييض الأموال المنهوبة في هذه الفترة من حكم العراق، في فترة الرأسمالية العراقية والرأسماليين الناشئين في زمن الدكتاتورية وما بعد سقوطها. صارت دورة المال العراقي العام المنهوب ، في هذا الزمان، تتحرك ،سراً وعلناً ، في البنوك الأجنبية، بحسابات النواب والوزراء والنواب والمدراء الهاربين إلى خارج البلاد بأسرع من المتسابقين الرياضيين في الدورات الاولمبية. لقد تحولت إستراتيجية نهب الأموال بمئات الملايين من الدولارات، بل بالمليارات، من خزائن بلاد الرافدين إلى (متعة).

ليس هناك شيء أكثر إمتاعاً لبعض النفوس العراقية من متعة نهب المال العام والرشاوى الدولية متداخلة مع السياسة الملتوية والأعلام المخادع والاقتصاد المخرب والقانون المطعون، حتى صارت العلاقات الدولية المغشوشة بموقع ٍ أول ، في (الصف الأمامي) ومثالها صفقات واتفاقيات النفط والموبايل والمقاولات الإنشائية الكبرى. تحولت جميعها ممرا ذهبياً من ممرات الدخول إلى مناصب الدولة العراقية الجديدة والخروج منها بتكتيكات واستراتيجيات اللصوص والحرامية، الذين صاروا في (الصف الأمامي) حسب نص وبيان الأغنية.

لأن بلادنا جزء من الأمة العربية – الإسلامية – بموجب الدستور – فأنني أدعو الله أن يديم أيام عزّها ويقصم ظهور أعدائها لأن أسلوب ثراء الساسة والموظفين، الكبار والصغار، صار بدولتنا حجر الزاوية في (التنمية اللصوصية..!) بمجسمات ، صغيرة وكبيرة، من الإمتاع والمؤانسة ، عن أساليب نهب ثروات وأموال الشعب العراقي. بدأت ( التنمية اللصوصية) بنهب سلع وبضائع ومعامل مؤسسات التصنيع العسكري السابق حال سقوط عهد صدام حسين وبيعها إلى أشقاء لصوص في بعض الدول الإسلامية ، المؤانسة و المجاورة. كذا القول عن نهب الآثار والتحف الفنية النادرة ثم برز (فن المتعة) بنهب (المال النقدي) وتهريبه إلى الخارج بالسيارات والطائرات وعلى ظهور الإبل أيضا وفق قاعدة (ورّق تـُورِق) ، خلال السنوات التسع الماضية ، حيث صار وجود الحرامية في أعالي مناصب أجهزة الدولة ، من زاخو حتى الفاو ، واقعاً فعلياً معاشاً منشوراً في الصحف اليومية أو على الشاشات التلفزيونية.

في أغنية احترامي للحرامي محاولة عميقة في استكشاف معمار فني يجعل السامع منتبها جدا وهو يتسلق كلمات الأغنية كأنه يتسلق جبلا لكن بواسطة التلفريك المأمون من السقوط أو الانحدار أو التوقف. تمشي الأغنية بدقات موسيقى احترامي.. للحرامي/ صاحب المجد العصامي/ صاحب النفس العفيفة / صاحب اليد النظيفة/ جاب هالثروة المخيفة من معاشه في الوظيفة وصار في الصف الأمامي/ احترامي.. للحرامي.

نعم.. تمشي هذه الأغنية البديعة، كلاماً وموسيقى وأداءً، في طريق البلاغة الواضحة بالألفاظ والمعاني السلسة المباشرة من دون أن تسقط عن جمالياتها الفنية رغم أنها مكتوبة من شاعرها السعودي ( عبد الرحمن بن مساعد) بلا تنظير شعري ومن دون أي زيادة آو إسفاف. ليس فيها افتتان في الخطابة كما يفعل بعض السياسيين العراقيين أو غيرهم بتصريحاتهم المتكررة دون أن نفهم معناها نحن السامعين. كلمات الأغنية تفرج فورا عن ضيق الأنفس ولوي ِ الرؤوس العربية بقولها: احترامي للنكوص/ عن قوانين ونصوص/ احترامي للفساد/ وأكل أموال العباد والجشع والازدياد/ والتحول في البلاد من عمومي للخصوص/ احترامي للصوص..

قصيدة بسيطة تحولت إلى أغنية بصوت جميل لمغنية جميلة، صارت كلماتها خلابة لا تسحر الأذن وحدها، بل تسحر القلب والعقل بما ملكته من عذوبة وبما امتازت به من رشاقة وبما حملها رقيق حركة وابتسامة ولطافة آمال ماهر: احترامي.. للحرامي/ صاحب المجد العصامي / يسرق بهمة دؤوبة / يكدح ويملي جيوبه/ يعرق ويرجي المثوبة/ ما يخاف من العقوبة/ صار في الصف الأمامي/ احترامي.. للحرامي.

غدت لصوصية نهب أموال الدولة العراقية وأموال العِباد الفقراء وثرواتهم سبة الدهر العراقي الديمقراطي. كشفت هذه الأغنية غطاءها مثلما كشف قبل أسبوعين خبر عن تزايد عدد المتهمين بالفساد المالي والإداري حسب إعلانات وتحقيقات لجنة النزاهة البرلمانية إنه “تم صدور 16 مذكرة استقدام بحق 16 مسئولا ونائباً بتهمٍ تتعلق بفسادٍ ماليٍ وإداري ٍ . وقد لفت الخبر انتباه السامعين أن هؤلاء المتهمين هم من جماعة (الصف الأمامي في الدولة العراقية) . وزادت أخبار النزاهة وتحقيقات المحققين ( الصفوف الأمامية) تألقاً وبـريقـاً حين كشفت مذكرات استقدام أخرى صدرت بحق ( صف أمامي) كامل بجميع (تلاميذه) في بعض المحافظات .

كما قيل أن هناك ثلاثة تلامذة آخرين في ( الصف الأمامي) خالفوا حظوظهم وتوفيقهم في محافظات أخرى حين قفزوا إلى مناصب ( مدراء في الصف الأمامي) وصدرت بحقهم مذكرات الاستقدام وفق المادة 331 من قانون العقوبات العراقي النافذ،.

لم يكتم القضاء العراقي بتحقيقاته الجارية في كل مرفق سرا من أسرار الحرامية الباغين على أموال الشعب الذين احتوتهم الخساسة في خيانة الأمانة كي لا يضيع حق وراءه مطالب . لا أحد يعرف المجرم ومستوى الجريمة غير القضاء العادل رغم أن أغنية آمال ماهر نبهتنا ونبهت القضاء نفسه إلى حقيقة فعل الحرامي بقولها: (احترامي.. للحرامي صاحب المجد العصامي / يولي تطبيق النظام أولوية واهتمام/ ما يقرب للحرام إلا في جنح الظلام / صار في الصف الأمامي احترامي.. للحرامي..).

جميع المتهمين سيقفون ، حتماً ، في الصف الأمامي، أمام القضاء العراقي العصامي بعد أن تكون وقدة دولاراتهم قد انطفأت بالحجز عليها . من كان منهم بريئاً سيخرج من باب الـكُـحَـيْل عائداً إلى وظيفته للنهوض بما هو مفروض . مـَن يُدان منهم فله الخوض في العقوبة العادلة داخل غياهب السجن جراء لعبه بأموال وأمور عباد الله المساكين العراقيين السائرين من حتف إلى حتوف .

يا الله.. يا رب العالمين : أدعو إليكَ أن تهدي القضاة العراقيين العادلين أن يكونوا فعّالين فاعلين. يكشفون كربة الفساد ورؤوس الفاسدين مثلما كانت فعّالة و فاعلة خيول تلك القوى المتنفذة للعقل اللصوصي في بلادنا بعد أن صارت الإرادة اللصوصية أقوى من كل الإرادات وصارت ارض الرافدين الغزيرة الموارد والمساحة مباحة تماما للحرامي الذي صار محترما في الصف الأمامي. صار النجاح الأعظم لكثير من النواب والوزراء يعتمد اعتمادا أساسيا على الإلهام المنفلت من عقاله من اجل ضخ الأموال في جيوب وخزائن الحرامية الذين امتلأت شرايينهم سريعا بملايين الدولارات دون حسيب أو رقيب فلم يعد الحرامي بحاجة إلى طريقة ذكية لاحتلال الصف الأمامي.

اسمحي لي ، يا سيدتي الفنانة آمال ماهر، أن أعلمك أن الخوف لم يضطرب ، بعدُ، في أحشاء السارقين والسارقات في بلادنا ولم يمت الصف الأمامي في عباب دولتنا وما زالوا يسبحون بأموالها ، هنا وهناك ، معانقين الملايين المنهوبة من دون الإصغاء إلى معاني أغنية احترامي للحرامي . المواطن العراقي الشريف وحده التفتَ إلى مرادكِ في أغنيتكِ في وقتٍ ما زال فيه حرامية الصف الأمامي يملئون البلاد فتوقا جديدة بعد فتوق قديمة في خزائن دولتنا .

تـُرى هل تظل شخصيات الصف الأمامي تنتج وتولد المزيد من الحرامية أم أن ديناميكية العقل اللصوصي ستظل قادرة على توليد المزيد من مخلوقات الصف الأمامي التواقة لرفع أرقام وإحصائيات نهب وسرقة المال العام بأساليب جديدة ، بارعة ومرتبة ، لا تترك وراءها دليلا أو غبارا ..؟

ختاما أقول أن أغنية احترامي للحرامي لا تهاجم الأخلاقية اللصوصية حسب، بل أنها تعري الممارسات الانتهازية والمنافقة التي يتستر اللصوص خلف عباءتها ، مما يعني انتصار هذه الأغنية بصورتها الجذابة على الأخلاق الكذابة. كما أن موج الاتهام الهادئ في هذه الأغنية أعلن احتقاره الهادئ أيضاً لأخلاقية اللصوص والحرامية .

احترامي.. للحرامي/ صاحب المجد العصامي/ صار يحكي في الفضا
عن نزاهة ما مضى/ وكيف آمن بالقضا/ وغير حقه ما ارتضى
صار في الصف الأمامي/ احترامي للحرامي..



بصرة لاهاي في 10 – 8 – 2012

* كاتب وروائي