عن البعد المفقود في الديمقراطية

عدد المشاهدات: 2التصنيف: مقالة

جاسم المطير

كثيرا من نرى ونقرأ دراسات ومقالات عن التاريخ العراقي الحديث تبدأ بسؤال: هل ما حدث يوم 14 تموز 1958 انقلاب عسكري أم ثورة شعبية..؟ عند الجواب ينقسم المؤرخون إلى قسمين، قسم يصفها بالثورة وقسم آخر يصفها بممارسة عسكرية انقلابية. ظل هذا الاختلاف المزدوج احد ملامح التهجين السياسي في التاريخ العراقي يحتاج إلى جهد كبير لوضعه على وفق سياق علمي محدد.

غير أننا لم نجد أحدا من المؤرخين العراقيين قد انشغل بالتداخل الكثيف الحاصل يوم التاسع من نيسان 2003 .. هل هو (انقلاب عسكري) قام به الجيش الأمريكي لإزاحة نظام صدام حسين أم هو (تغيير سياسي) كما يصفه الكثير من المؤرخين والكتاب العراقيين والعالميين أيضا..؟ هل كان يوم 9 نيسان يوما تفكيكيا لنظام شمولي أم محاولة خارجية أمريكية – بريطانية بقصد بناء نموذج (الحداثة الديمقراطية) في العراق تمهيدا لانجاز مهمة بناء الشرق الأوسط الجديد ..؟

بكل الحالات فأن واقع الحال في جغرافيا وتاريخ السنوات العراقية العشرة الماضية قد رسم للشعب العراقي ظواهر غريبة ، متصارعة ، متناقضة ، مغايرة تماما لإرادته وطموحاته وآماله. لقد استبدل الاحتلال الأمريكي شمولية النظام البعثي بأنواع أخرى من الثقافات المتصاعدة في الشارع وفي ما سمي بـ(مجلس الحكم) وفي البرلمان والدولة أيضا. في مقدمتها الثقافة الدينية ، بما فيها الثقافة الطائفية والسلفية وغيرها من أشكال ثقافات التوحد، التي لا تخلق بنهاية المطاف غير سيطرة (الفرد) على (المجموع) ، خاصة داخل الجزر السياسية المتناثرة في مساحات الدولة العراقية الجديدة حيث مسار الوزراء فيها فرديا لا ينبض بأي تغيير. كذلك الحال في البرلمان حيث عجزت الكتل البرلمانية الكبيرة والصغيرة عن تخصيب التشريعات المأمولة لتحسين مستوى معيشة المواطنين. كما أن النمطية غير الجماعية في عمل غالبية الأحزاب السياسية لم تحقق شيئا من أهداف الشعب المأمولة بعد سقوط الدكتاتور صدام حسين لأن تلك الأحزاب موجودة داخل إطار عملها الخاص من اجل تسريع المنافع الحزبية والشخصية المشبعة بالغايات والأهداف الطائفية والقبلية والأصولية وهي تتمسك اعتباطاً بالوطنية والديمقراطية والحرية حيث يتم استهلاكها وتسويقها لخداع جماهير الشارع الصامت.

صار الدخول الثقافي إلى الساحات والشوارع عبر الصحافة والفضائيات لكل القوى، بدءا من المحتلين الأمريكان وانتهاء بنماذج القوى الطائفية التعددية قد مرّ عبر الإدعاء الزائف بالديمقراطية السائرة بحلقات لولبية مرعبة لا تحمل للمواطنين غير الفوضى والتعقيد والتيه في صاعقات المفخخات والتفجيرات وغيرها من وسائل القتل والتدمير.

الأصل في كل نظام سياسي إنما يقوم على الشرعية. من البداهة معرفة حقيقة أن لا يمكن أن يقوم (النظام الديمقراطي) إلا على (الشرعية الديمقراطية). هذه هي خلاصة تجارب الشعوب الديمقراطية في العالم المتقدم. من دون (الشرعية الديمقراطية) لا يمكن أن يقوم إلا نظام دكتاتوري – فردي غير شرعي قائما على الفوضى واللانظام والغموض تجاه الديمقراطية .

لأن الفقهاء والمؤرخين العراقيين لم يتوصلوا، بعد،ُ إلى توصيف حقيقة ما حدث يوم 9 نيسان عام 2003 فأن الحاكم في العراق الجديد لا يمكن أن يعترف بالديمقراطية – حتى لو أراد ذلك – كما انه لا يعترف بالشرعية الديمقراطية – حتى لو أعلن ذلك – كما انه لا يستطيع إلاّ أن يتمسك بسلطاته وسطوته الفردية متصورا انه يمارس الشرعية . من هنا ، من هذه الصور، تتاح أمام الكثير من الحلفاء القريبين من السيد نوري المالكي ومن حلفائه البعيدين أيضا فرصة اتهامه بممارسة (الحكم الفردي) بعد أن وجدوه سلبيا أمام خياراتهم واقتراحاتهم. لقد وجدوه غير قادر على الانتقال من (التلقي السلبي) لمقترحاتهم إلى (التفاعل الايجابي) معها. هذا الواقع يسم مرحلة ما بعد 9 نيسان بسمةٍ ميكانيكية تؤدي إلى خلق الظروف المناسبة لقيام دكتاتورية من نوع خاص ليست شبيهة بدكتاتورية صدام حسين ومختلفة عن غيرها من الدكتاتوريات العربية لكنها تقود حتما إلى نسج خيوط السياسة العراقية نحو نموذج خطير لا يؤمّن المجتمع ولا يجعله مستقرا أو متطورا بل يشيع فيه نوعا من تخلف سياسي – تنظيمي – فكري يخلخله و تحتويه أزمات ومشكلات متعاقبة سياسية واجتماعية واقتصادية كما هو حالنا في عام 2012 ، الحال الذي يهدد بلادنا بأوضاع مأساوية كثيرة بسبب احتمالات تطور الأوضاع في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط كله، وهي المنطقة المرشحة لقيام حرب واسعة فيها أوفي اغلب بقاعها . ربما تبدأ بحرب تركية – سورية، تعقبها أو تسبقها، صدمات حربية عربية – إسرائيلية أو ضربات عسكرية أمريكية – إسرائيلية موجهة إلى إيران ، أو إلى اشتعال حرب الخليج الرابعة التي لا يعرف مداها غير الله.

الأجدى أمام الدولة العراقية هو البحث من قبل جميع القوى السياسية العراقية كلها ، الوطنية والديمقراطية، هو البحث في أعماق أزمة الحكم الفردي – الحزبي – الطائفي والانطلاق بعزم وإخلاص للميل بسرعة غير مسبوقة نحو الأفعال الديمقراطية المطلقة في كل مجالات الحياة في بلادنا من القمة الحاكمة حتى القاعدة الجماهيرية لتوليد حياة سياسية أمينة، قادرة على الوقوف بوجه مواقف تعالي (الفرد الحاكم) على (الجماعة المحكومة) والخلاص إلى الأبد من هيمنة الحكم الفردي.

أثبتت الحياة دائما، في كل زمان ومكان، أن مصير الهيمنة الفردية على مقاليد الحكم هو بالحتم إلى زوال.