غريب الروح

عدد المشاهدات: 2التصنيف: مقالة

د. حسام آل زوين

د. حسـام آل زوين

لفت انتباهه لهجة بائع السيجاير الذي اتخذ من ركن الشارع المكتظ بالمارة مكان له ، وطريقة عرضه للسيجاير مصفوفة مبنية كزقورة سـومرية ، وكجدران مباني بابلية مطعمة بالنقوش ، حيث الوان اغلفة العلب المتنوعة . والتي لم تكن معهودة له منذ ما يزيد على اربعة عقود ، منذ بداية السبعينيات ، حيث كان الباعة المتجولون يحملون بضاعتهم في قطعة مربعة من الخشب مربوطة من جنبيها بحزام من الجلد معلقة بالرقبة ، تحمل ما أنتج من صناعة السيجاير الوطنية في فترة الجمهورية وما قبلها ، ويحمل البائع المتجول أهم الاخبار ، منها اخبار المدينة واخبار الصباح واخبار كرة القدم وللمعارف اخبار السياسة وأخبار متفرقة .

أراد ان يسئل البائع من اية جنسية ، وفي ذات الوقت تدارك الموقف واحس انه ليس من اللياقة ان يسئل هكذا سؤال ، وهو الذي تعلم من خلال معيشته وغربته في بلدان المهجر ان لا يسئل احداً عن قوميته وجنسـيته اوعن دينه ، لقد اعتاد ذلك ومنذ امد طويل ، وكل ذلك اصبح من جملة مفاهيم انسانية تعد ضمن حقوق الانسان .
والانكى من كل ذلك ، انه احس بنفسه هو الغريب في وطنه خلال هذه الاشهر من تواجده في هذه المدينة الفراتيـة ، وقد سئله الاخرون هذه الاسئلة انت من الخليج ؟ ، من الكويت ؟ ، ام انت من سوريا ؟ ، أم انت فلسطيني ؟ ، حسب لهجته التي طغى عليها بعض الشيئ من العربية الفصحى ، لقد تأثر من ذلك وهو العراقي اب عن جد والقادم من اعماق الريف .

اراد ان يترك الموضوع لوقت اخر ولاسيما بانه امسى يرتاد المكان لوجود المطاعم الشعبية ، وما الذي يقدم او يؤخرعلى سؤاله هذا بشيئ ، والبائع رجل بسيط يكسب رزقه من هذه البسطة في النهار . بادره اخيرا بسؤال عن كيفية الاحوال في المنصورة ، وقاطع جواب البائع احد المشترين بالسؤال ػ كيفك ابو ( كاسم ) ، رد السلام والتحية ابو جاسم بلهجة مصرية مطلية بلهجة عراقية ، احس صاحبنا بنشوة … هي الفراسة بعينها … في تحديد الشخصية والجنسية المقابلة له ، وهذه بفضل معيشته في بلدان المهجر وغربته فيها والاختلاط مع الطلبة العرب والاجانب . اجابه البائع ػ الاوضاع سيئة ، حيث الهوة الكبيرة في المجتمع بين الفقـراء وبين الاغنياء ، ولكن بعد التغيير سـتكون الاوضاع في المنصورة وفي مصر احسن ، ولكن سـتمر في مراحل مشابهة بعض الشيئ وكما مرت هنا في العراق ، يستمر المخاض وتهـدأ الاوضاع ، وتختلف في مصر بان الجيش والشرطة لم تحل كما حلت في العراق . وبعد أشهر سـاشد الرحال وأعود وأعمل في موطني ، وهو الاحـسن ! .

سرح صاحبنا بعض الشيئ وقاده التفكير لسنين مضت عند مجيئ العمالة المصرية الى العراق والنقاشات التي كانت تجري حول توريد العمالة العربية وتأثيرها على الاقتصاد العراقي ، التأييد والتضامن معها ام الوقوف ضدها ، وهي بنهاية المطاف عمالة تبيع قوة عملها لكي تعيش ، وفي الوقت ذاته ذهبت العمالة العراقية الى جبهات القتال مع ايران . وقفت معها ام ضدها ، لم تعمل ولم تغير شـيئا ، ما الذي جنيته من موقفك هذا ياصاحبنا ؟. فكنت حينها انت الغريب والمطارد في الوطن ولم تجن الا الرعب والخوف وطبقات من البيض ، ولم تستطع تسديد فاتورة الكهرباء في مواعيدها في المهجر والغربة . وامسى ابو كاسم هو المواطن في العيش والعمل خلال كل هذه السنين ولحد اللحظة … ، وامسيت غريبا وحيداً في رجوعك مرة اخرى للوطن ، لاحول لك ولا قوة ، ولا زلت تحوم بين حبك لوطنك وعائلتك في مهجرك ، لا عش لك ، لا ركن لك ، الرب لك.

بمناقشته البائع ( ابو كاسم ) حول مجمل الاوضاع ، قفزت من ذاكرته وقفة عند زيارته الاردن في منتصف التسعينيات للقاء والدته التي لا يحسن تصور هيئتها وكيف امست خلال كل هذه السنين ، وبها اول مرة يرى نساء عراقيات يبعن السيجاير عند الارصفة ، جره الشوق والحنين لمكالمة احداهن ، تألم كثيرا لاوضاعهن واوضاع العراقيين في الوطن والمنفى ، قدم لها النقود لشراء علبة لا على التعيين ، هـدر الدمع ، لوى برقبته وادار بوجهه الى جهة اخرى كي لا ترى دمعته ، ترك البائعة والسيجاير وشـرع بعبور الجهة الاخرى من الشارع بامل اللقاء بامه .

اكمل تدخين سـيجارته مودعا ( ابو كاسم ) متمنيا له الموفقية ولعودته الى وطنه وبلدته المنصورة ، عبر الجهة الاخرى من الشارع يسائل نفسه ػ ما الذي حل به خلال هذه الفترة ، وما يعانيه من الغربة والوحدة ، واكثر ما يؤلمه وضع الناس ، هل ان قرار رجوعه للوطن خطأ اخرانزلق به كأنزلاقاته الوطنية الاخرى التي تنكر الذات دائما ، لماذا لم يطلب اللجوء الانساني في بلدان اللجوء ، لماذا قرر العودة مرة اخرى ، مالذي جناه من تلبيته العودة للوطن ، ماذا نفعت به كفائته العلمية السائبة ، الم يستطع هو الاخر ان يعمل بسطة لبيع السيجاير؟، ألم .. ألم .. وحسرات لا قيمة لها الا لتزيد من القساوة الحمقاء .

لقد كان ابو(كاسم) يزور وطنه كل عام كالبقية من يعمل خارج الاوطـان ، وان قرار رجوعه للوطن هو الحـل ، مدروس بشكل محكم . لقد وصل حنينه لوطنه الى ذروته فاتخذ القرار يحدوه الامل بتغير الاوضاع في بلده . ولكن انت لم تستطع كل هذه الاعوام وان تاتي لامك بقطعة قماش ! .

لا يتذكر بماذا قالها النواب ػ لي امنية ان يسقط القمع .. والمنفييون يعودون الى اوطانهم ثم رجوع …
اخذ يدندن اغنية لحسين نعمة ػ غريب الروح .. غريب الروح .. لا طيفك يمر بيها … ولا ديرة تلفيها .. وغدت وي ليل هجرانك .. ترد وتروح.. وعذبها الجفا وتاهت حمامة دوح .. غريب الروح .. غريب الروح .