لمـدينة السـبيل معـلمٌ له الفضل الجمـيل

عدد المشاهدات: 2التصنيف: مقالة

حسام آل زوين


حسام آل زوين

بعد العصر وقبل غروب الشمس من كل يوم ، كنا نتخذ من كتف الساتر الترابي لسكة القــــــطار الجديدة التي شيدها الاتحاد السوفياتي في فترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم ، نتخذه مكانا لمراجعة الدروس ومتكئاً للاستراحة بعض الـوقت لحين الانصراف الى بيوتنا الممــتدة على طول الســكة ، صبية كنا نلهـو ونلعب ونرتع ونمارس العــابنا البسيطة ، ولـمـتــنا بعد العشاء عند مصابيح اعمدة الكهرباء واطئة التردد انذاك ، ونتجاذب فيها اطراف الحديث عن الدروس والمدارس واخبار احب
المعلمين والمقربين للقلوب ، من مدارس مدينة المحمودية ، حيث ان الصبية والتلاميذ ينتمون الى مدرستين ػ الابتدائية الاولى ومديرها عـبيد الحمــود ، والابتدائية الثانية ومديرها حكمت عـويد …
ونتذكرمن المعلمين منهم مهدي حسن الجميلي ، نوري عبد الحسين ، محسن طاهر، جواد المصلح حسن الدراجي ، محمد مجيد ، رزاق خطار وعبد الله ، والذي لا يترك تلميذا الا وينصحه ويجبره على تناول حبوب دهن السمك وكوب الحليب في الاعداد الصباحي ، واخــرين من طيبي الذكــر، ومن يأتي من خارج المدينة لتدريس مادة الـنشـــاط المـدرســــــي ، ممن يتركنا لفصل او فصلين دراسيين ثم يعود مرة اخرى ليمارس التدريس ولا سباب نجهلها ولا ندركها انذاك .
الامر الطريف والجميل والعجيب ، ظلت صورهم ووجــوههم الطيبــة وذكراهم الجميـلة معلقة بذاكرة الطفولة حتى اللحظة هذه ،وبامل اللقاء بهم ، لقد كانوا حديث جلســــاتنا الليلـية تلك ، حتى اخذ بعضنا يقلد بعضا من معلمينا المحببين للنفس ػ اسلوبهم ، كلماتهم واحاديثهم فى التدريس عن فلسطين والثورة الجزائرية والرسم والمنظــور وجمع اوراق الاشـــجار، عصبيتهم ، اشاراتهم ، عطفهم ومساعدة التلاميذ في الدرس ومعونة الشتاء والتفوق الدراسي .
خرج احد الاصدقاء والذي لم يستطع مواصلة الدراسة بسبب الوضع المادي للعائلة ، من بيتـه الطيني صوبنا ،يميل ذات اليمين وذات اليسار ونكث شعره متدلياً على انفه يتشبه ( بكذلته ) ذلك المعلم الذي يأتينا حسب علمنا من بغداد . تأنق بربطة عنق حمراء رفيعة وبشدة صغيرة ،تتحرك كبنــدول السـاعة ، كمشيته ، وقف صديقنا قريبا بعض الشيئ يشير بسبابته واصابعه وحركاتها ، يغمض عينا ويرفع حاجبا ، يرجع رأسه بعض الشيئ الى الخلف ويعاود ، يردف يقول ػ يـراد لها بعض من الحركة … حركة اكثر فاعلية واكثر … نشاط … ، يحرك يديه ، يكــور اصابعه ، يدورها ، حــركة فنية ، حــركة جـــدية ، واخذ ينطق ببعض المفردات لم ننطقها ولانعرفها ! ، نعرف الخشب ! ، ولكن ماهي خشبة المسرح ؟ ، وما المسرح ، والديكور والاضاءة والصوت والموسيقى ، والممثلين والادوار والمخرج والاخراج الفني ، والدراما والدراماتيكي ومسـرحية وابواب وفصول وشيخ ازبير (شكسبير فيما بعد )…! .
من اين اتيت بكل هذه المفردات ياصاحبنا ؟؟
من اين لك بكل هذا ؟ من اين ؟… ، بعد ان كنت تشبعنا ضحكا من تقـليــدك لـشــخصية لاعـب كرة القدم ( عبد علي المعيدي ) المحبوب جدا ، وحديثك عن الدرباشة وعمل الحجاب والمولد ، وها انت قد تعاليت علينا بمفــردات المســـــرح الجـديدة التى لم ندركها ، ولم نمتلك حتى التلفاز (اسود وابيض) ! .
تيقنا من صاحبنا وصديقنا بان شخصية المعلم والتى اجادها ، هو بعينه المعـــلم الشاب الطيب المتواضع المحبوب والذي ينصت للاخرين طويلا ، والذي يجـــوب المدينة بعد انهائه الدروس من اقصاها الى اقصاها ، ملتقيا بهذا وذاك من الاصدقاء … نعم لقد حــــزرناه ! ، انه معـــــلم النشاط المدرسي الا وهو المعلم علي رفـيق ! ، ذلك الذي له الفضل الجميــل في صقل وتأهيل مواهب تلاميذ المدينة والذين احبوه ، وهو الذي ابهـــر العيون وقرب الى قلوبهم عــالم جــديد لا نعرفه ولم نشاهده من قبل ، الا وهو عالم المسـرح …! . وليس هذا فحسب بل قـام بجمــــع واعـداد واخراج واصدار ولاول مرة مجلة مدرسية اسمها صـدى المـعـرفـة .
فـدبـت واينعت حركة من تبادل المعلومات الثقافية والفن ، تقاطفها وتلاقفها التلاميذ والطلبة الفقراء والمتطلعة لمفردات الثقافة والفن حينها . وغدت صبية وتلاميذ وطلبة المدينة يتداولون ويبحثون عن مفردات ومفاهيم ومدارس واتجاهات هذا العالــــم الثقـــافي والفني والضروري للانسان والروح ، وبهذا الفضل والدورالكبير الذي لعبه معلمنا ، حيث برز بعض من الشبيبة منهم من تعمق وغاص في اعماق هذا العالم واخرج كنزه ، وقسم من صقل معارفه ومــواهبه الثقافية وتألق في عالم الفن والتمثيل والاخراج واتجاهات الفن التشكيلي ايضا ! .

اي فضل جميل هذا ياعلي ! ؟ .

لقد بذل ما ملكت يداه ، وما في وسعه وجهده ، والحق يقال ، واخرج للمدينة الطيبة البسيطة ومدارسها عددا من المسرحيات شارك فيها قسم من الطلبة والمعلمين والمدرسين ، وشاهدتها حشود من ابناء المدينة ، بدأت عروضها على مسـرح مدرســة المحمودية الابتدائية الثانية ، وبدأ صدهـا يتـردد في ارجاء ومقاهي المـدينــــة ! .

اي عمل وجهد وطاقة وابداع ياعلي ! ؟ .

التقيته في مراحل متفرقة من العمر ، نفسه لم يتغير ، بكلامه، بحديثه ، بحبه لـفنـه وتعلـقه ، ازادني حبا واحتراما له ..التقيته بعنفوان نشاطه كمعلم للنشاط المدرسي في الابتدائية مرتين ، والتقيته بالصدفة ومن على البعد في نهاية 1981 حينما كان يواصل دراسته العليا في الاتحاد السوفياتي ، والتقيته نصيراً مناضلا في سفوح كردستان متأبطا السلاح وآلة التصويرالبسيطة كتب عن الطلبة والشبيبة ، وخط صحفها ومنتج واخرج المجلات ، واخرج المسـرحيات في الجبل ! ، وجسـد في الصورة حياة الانصار !.

بالرغم من قساوة الزمن اللئيم ، سوف تنقشع الغمامة عن سماء الوطن … وتعود الايام .
لم ولن ينساك تلاميذك وابناء المدينة وفضلك الجميل ! .
في يوم المسرح ػ لك الشكر والامنيات الطيبة والمواصلة والابداع … وسلمت .


المحمودية اشتهرت بخان السبيل الذي بناه السادة الحسنية مع رئيس البلدية الحاج امين (يرحمه الله ) في فترة الحكم العثماني وذلك لمبيت وراحة وتسيير قوافل الزوار حتى مدينة المســيب وبعدها الى كربلاء ، واشتهرت بالخير الكثير ( بالخضرة والمحصول الوفير ) .