قلت له : أنني ترجمت كتابكم الأخير ونشرته على حلقات في مجلة “شمس كوردستان” الصادرة عن جمعية الثقافة الكوردية ببغداد . والحق أني شعرت ببعض الخجل وأنا أقدم له أعداد المجلة المطبوعة طباعة بدائية رديئة على ورق أصفر باهت وصورته المنشورة مع كل حلقة بالأبيض والأسود كانت منقطة وغير واضحة المعالم تماما .
غير أنه على نقيض ما كنت أتوقع ، قال : أنه سعيد لأن الكورد أنفسهم شرعوا بالأهتمام بتأريخهم وترجمة ما ينشر في روسيا والدول الأخرى في هذا المجال .
قلت : قبل ان نواصل حوارنا أود أن أسألكم : لمن هذا النصب التذكاري الذي يحمل لقبكم .؟
ابتسم هذه المرة ابتسامة عريضة وقال : أن النصب لأرستقراطي أرمني قام بتشييد هذه البناية في سنة 1758 لتكون مقرا لمعهد الثقافة الأرمنية .
قلت : ولكن كنيته روسية .
لازاريف : نعم ان ابناء القفقاس من ارمن ويهود وغيرهم يتخذون القابا روسية بعد اقامتهم في روسيا .
وساد بيننا لحظات صمت .
قلت: اعرف ان حقوق المؤلف في بلادكم ، كما في البلدان الأخرى المتقدمة ، محفوظة ، لذا أعتذر ، لأنني ترجمت كتابكم دون الحصول على أذن مسبق منكم .
لازاريف : يسرني ترجمة أعمالي ، وأنا سعيد لأن الكورد أنفسهم أخذوا اليوم زمام المبادرة في دراسة تأريخهم بأنفسهم .
قلت : هل لي أن أعرف شيئاً عن مسيرتكم العلمية . ؟
لازاريف : لقد تخرجت في كلية التأريخ في جامعة موسكو عام 1952 متخصصا في تأريخ الأمبراطورية العثمانية ودرست اللغة التركية ، ثم واصلت دراستي العليا في الكلية ذاتها وكانت اطلروحتي للدكتوراه – التي دافعت عنها في عام 1955 – تحمل عنوان . ” سقوط الهيمنة التركية في المشرق العربي (1914- 1918) ” وبعد فترة قصيرة ، قمت باعادة كتابة هذه الأطروحة وحولتها الى كتاب صدر في موسكو عام 1960 ، و لا شك انك لاحظت خلال ترجمتك للكتاب ، ان الكورد قد لعبوا دوراً فعالاً وبالغ الأهمية في تأريخ تركيا.
ومتى شرعتم بدراسة التأريخ الكردي ؟
لازاريف: بعد ثورة 14 تموز في العراق أصبحت القضية الكردية ، قضية مهمة وساخنة في العراق والشرق الأوسط . وكان لا بد من التعمق في دراسة تأريخ القضية وتطورها. وكان كتابي الأول يتناول “القضية الكردية ” بين عامي (1891-1917) ، أي منذ اشتداد الصراع الأمبريالي على كردستان وحتى ثورة اكتوبر عام 1917 في روسيا ، وكان هذا الكتاب الى جانب كتاب خالفين ” الصراع على كردستان ” باكورة الأعمال الأستشرقية السوفيتية في هذا المجال . وأود ان أقول ان دراسة القضية الكوردية مثيرة للاهتمام علميا وموضوع في غاية الأهمية سياسيا ، وهي مهمة نبيلة ، لأن جوانب مختلفة لهذه القضية لم تدرس على نحو جاد.
قلت : رغم ان الكتاب يتحدث عن القضية الكوردية خلال فترة تأريخية محددة ولكن لاحظت انكم تتحدثون عن القضية الكورية في الوقت الراهن أيضاً .
لازاريف : لأن تركيا منذ سقوط الأمبراطورية العثمانية وحتى يومنا هذا تتبع سياسة الصهر القومي للكورد، ولا تعترف بالحقوق القومية الكوردية ، ويحاول البعثيون اليوم (1) في العراق أيضاً سلوك نفس السياسة الهوجاء .واصبح مادة هذا الكتاب بعد توسيعه وتطويره اساساً لأطروحتي لنيل شهادة دكتوراه علوم في التأريخ ، والذي صدر – بعد اعادة النظر فيه – ككتاب في عام 1972 تحت عنوان ” القضية الكردية بين عامي 1891-1917 ” ، وقد واجهتني في حينه بعض الصعوبات في قبول اطروحتي لأن احدى الجهات المقيّمة للأطروحة وهي ” اكاديمية العلوم في ارمينيا ” حاولت عرقلة ذلك لبعض الوقت.
قلت : ما السبيل الأفضل لحل القضية الكردية في رأيكم ؟
لازاريف : اعتقد ان حل القضية الكوردية يجب ان يكون ضمن كل دولة من الدول التي تتقاسم كردستان الكبرى ، لأن ظروف الكورد في كل دولة مختلفة عن الأخرى .ولا شك انك لاحظت ان الجزء الأكبر من كتا بي يتناول القضية الكوردية في تركيا ، لأن اعتراف الدولة التركية بحقوق الكرد ، سيساعد على حل هذه القضية ككل .
لم أكن أود أن اثقل على لازاريف من اللقاء الأول ، لذا أخذت الملم أوراقي التي سجلت عليها بعض الملاحظات . قلت وأنا أتهيأ للمغادرة اشكركم لأتاحة الفرصة لي لمقابلتكم وأجراء حوار معكم حول القضية الكوردية.
لازاريف : وانا ايضا أشكركم بدوري على جهدكم المبذول في ترجمة كتابي ، ويسرني ان أقدم لكم نسخة من البحوث والمقالات التي نشرتها في المجلات العلمية ، بعد صدور كتابي الأخير في عام 1972 .
وتناول لازاريف من أحد الرفوف بجانب طاولته ، نسخاً من تلك البحوث والمقالات . وقال وهو يقدمها لي : أقرأها ، لأنه يهمني رأي الكورد في ما أكتب (2) .
قلت : ان كتاباتكم تحظى بتقدير واعتزاز المثقفين الكورد وسأحاول ترجمتها الى اللغة العربية ، لأنه يندر أن تجد كتابا أو دراسة موضوعية عن القضية الكوردية باللغة العربية .
قال بأقتضاب : لك أن تترجم ما تشاء من أعمالي ، ذلك أمر يسعدني . وأرجو أن اوفق في دراسة القضية الكوردية في الفترات التي تلت عام 17 19. (3) .
غادرت المعهد وأنا اشعر ببالغ الأمتنان لهذا العالم الفذ ، والأعجاب بتواضعه الجم ، وهو تواضع يتصف به كل عالم حقيقي ، الذي يهمه المعرفة أولاً وأخيراً وليس الشهادات ومغانمها .
ان ثلاثية لازاريف ، التي تتناول القضية الكوردية في العلاقات الدولية منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، هوعمل علمي رفيع المستوى ، ولا نظير له. وبهذا العمل الذي ذاع في الأوساط الأستشراقية والأكاديمية في العالم ، أثبت لازاريف ان الأمة الكوردية ، جديرة ، بالأستقلال الناجز . و قدم للكورد خدمة عظيمة تعجز مؤسسة علمية كاملة عن النهوض بها ، لأن الزمن لا يجود بالعلماء الأفذاذ من أمثال لازاريف ، الا نادراً .
انني ، من منبر هذه المجلة الغراء ، أناشد بلدية أربيل أطلاق اسم لازاريف على احد شوارع العاصمة ، كما أدعو المؤسسات العلمية الكوردستانية لأقامة الندوات العلمية حول أعماله العلمية . وأعتقد ان من أولى المهام التي ينبغي لوزارة الثقافة في الأقليم أن تقوم بها ، هي ترجمة الأعمال الكاملة لهذا العالم الجليل الى اللغتين الكوردية والعربية ، وهذا أضعف الأيمان .
هوامش :
(1) جرى هذا الحوار – كما اسلفت – في صيف عام 1977 ، عندما كان حزب البعث يحكم العراق وتمر القضية الكوردية بمرحلة بالغة الصعوبة .
(2) ثمة عرف جميل في الصحافة الروسية ، وهو طباعة الدراسة المنشورة لأي كاتب بشكل منفصل ايضا– على شكل ملزمة صغيرة ، ترسل عدة نسخ منها الى المؤلف ،
(3) تابع لازاريف ، دراسة القضية الكوردية ، حيث أخرج في السنوات اللاحقة كتابان مهمان ، وهما :
– ” الأمبريالية والقضية الكوردية ( 1917 – 1923 ” ، موسكو ، دار نشر ” العلم ” 1989
– ” كردستان والقضية الكوردية ( 1923 – 1945 ” ، موسكو ، دار نشر ” الآداب الشرقية ” 2005
