حوار: خالد السلطان
تقديم : جاسم العايف *
في ضوء قراءتنا لقصائد عدد من الشعراء العراقيين (المغتربين) ، لمسنا هيمنة مفردة (الحنين) بجميع أبعادها الإنسانية والعاطفية ، وعليه ما الجدل الممكن انجازه – طبقاً لتصوركم – بين وعي الغربة الشقي والتعالي عليها إبداعياً ..؟
– أنا – شخصياً – أرى ان جوهر الحنين للوطن هو الحنين للطفولة والصبا وما تأسس عليهما ، والوطن هو الأشياء والأحياء وما اكتنفهما من حوادث ومسارات .. الوطن هو البيوت وما فيها ، والدروب وما فيها .. هو الإنسان والحيوان والماء والشجر ، ولكن الإنسان هو العنصر الفعال في كل ذلك ، وهو في الوقت ذاته العنصر المنفعل بكل ذلك ، وعندي أن ثمّة فرقاً بين مكان الوطن وزمانه من جهة ، ومكان المنفى وزمانه من جهة ثانية ، وهو أن الأول منجز قد توقف ظاهرياً ، والثاني مفتوح يأتي بالمتوقع وغير المتوقع .. ويظل الوطن – رغم توقفه الظاهري – يتناسل في الروح ، ويستعاد مرات ومرات ، بسبب انفتاح المنفى ، وربما – أحياناً – بسبب انغلاقه وغموضه ، وفي كلا الحالين يظل الوطن يمور ويتناسل ، ولكن الأمر يختلف من مبدع إلى آخر ، فما ذكرته آنفاً ليس إلا الوصف التبسيطي المتاح. بالنسبة لي كانت البصرة – الذاكرة ، بضوئها وعتمتها كائنة في النصّ حتى وان لم يتضمن ذلك النص النخلة والبلم .. أو شط العرب وجداول البساتين .. حتى وان لم يتضمن لقلق المئذنة أو الغراب الذي يسرق (الصابونة) من أرض (الحوش) ويمضي بها إلى السماء ..!. وبالنسبة لي ، مرة ثانية ، أقول : كان المنفى ما يرسخ الوطن – البصرة – البيت – الجدار – غرفتي – منضدتي – نافذة الشناشيل .. فكلما أوغلت في الغربة أوغلت في الوطن.
الوضع العراقي الراهن ، كما تعلم ، وضع إشكالي وممشكل بالعديد من القضايا الشادة باتجاه إحباط المشروع الديمقراطي ، وتحويل الاحتلال إلى راع دائم .. الخ . ما دور المثقف العراقي (المهاجر) في هذه الإشكالية غير التقليدية..؟
– الوضع العراقي له ارث قديم في الالتباس .. لنقل منذ انطلاقة ثورة الرابع عشر من تموز 1958 ، مروراً بانقلاب 1963 البغيض ، ثم انقلاب 17 تموز 1968 ، ذلك الانقلاب الثعلب .. والحرب العراقية الإيرانية ، فاحتلال الكويت الذي تذرّعت به أمريكا – وهي صانعته – للإقامة في المنطقة ، إلى لحظة الاحتلال الراهنة وما رافقها ويرافقها وسيرافقها من احتدامات ملتبسة والتباسات محتدمة .. العراق محكوم بالمأزق الدائم ، ولن يحمل الصليب العراقي غير العراقيين ، ولن تخف وطأة هذا الصليب ، وبالمقابل فان إصرار الوطنيين الشرفاء لن يخفَّ ولن يبهت ، من اجل بلوغ شاطئ عراقي اقل خطراً ، ولا أقول أكثر أمنا. هنا لا أرى مهمة المقيم في المهجر تختلف عن مهمة المقيم في الوطن إلا في حدود معينة ، ربما تكمن في كونه يمتلك القدرة على ان يكون سفير الوطن في المنفى ، أو رغم المنفى ، وهو بذلك يشكل عمقاً للوطن في المنفى ، وإيضاحاً للمنفى عما يحصل في الوطن .. أقول هذا ، ونحن نعلم بأن مئات الآلاف من المنفيين والمهجرين قد عادوا إلى الوطن ، وغيرهم في الطريق نحو الوطن ، ان هذا – في رأيي – ينتظم المثقف وغير المثقف.
كرستم كتاباً خاصاً بمدينة البصرة ، ما صورة (البصيرة) اليوم في عيني الشاعر مهدي محمد علي ..؟
– يكاد كتابي (البصرة .. جنة البستان) المكتوب في الأمس البعيد ان يشكل جواباً مسبقاً عن بصرة اليوم ، فلقد عكفت على رسم مدينتي بالكلمات منذ بداية عام 1982 لأنني – وبعدما تأكد المنفى – أيقنت بأنني فقدت بصرتي .. بصرة الخمسينات من القرن العشرين الماضي ، وأنني لن أرى تلك البصرة أبداً ، لذا فإنني لم أفاجأ ، بل أصابني حزن عميق ووجع مبرح ، إذ رأيتُ مرابع طفولتي وصباي قد أصابها الخراب المتناسل على نحو لا يعقل ، فمحلات مثل السيمر وجسر الملح وأبو الحسن ، ويحيى زكريا والمجصة .. وسكة حميدي والجاخور .. الخ رأيتها بيوتاً آيلة للسقوط وشناشيلات قد بادت من الشموس والرياح والإمطار والإهمال المقصود ، فدروبها عبارة عن مستنقعات وركامات من الطين والطين الأسود ، وثمة مبانِ عديدة لم يبق منها سوى شواخص تقول:(بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا..). فأين كل هذا من تسمية البصرة في العهد المقبور بـ (مدينة المدن) ؟!. ثمة تحولات في المعالم المهمة والشهيرة في المدينة : سوق الهنود (المغايز) لم يعد هو ، بل انقلب إلى حظيرة استهلاكية تضج بالبسطات ، فاختفت محلات الخياطين وباعة الأقمشة والصيدليات ومكتبة الجميع وباعة التوابل الهنود ..! وكذلك أصيب سوق الصيادلة بوابل من البسطات والمواد الاستهلاكية ، وكثرت فيه محلات الذهب ، ولا شئ سوى ذلك .. وثمة محل لبيع الآلات الموسيقية وتصليحها تحول إلى محل لبيع الأحذية ..!!. ومن جهة أخرى أقول : أين هو نخيل شط العرب ..؟!. أين غابة النخيل في قرية (كوت الحجاج) ..؟! ثم إلى متى سنظل نرى المباني الكبيرة خاوية على عروشها ..؟!. لقد كان سقوط النظام وقيام الاحتلال وفوضاه الدائمة أشبه بالفرحة – الغصة ، إذ لم يكد الناس يستنشقون فرحة الخلاص حتى اختنقوا بكابوس الاحتلال والإرهاب ..!. ربما لا يشعر المقيم الدائم كل هذه السنين في البصرة ، والمواكب للتحولات اليومية غير المحسوسة في حينها .. ربما لا يشعر بما أراه أنا المنقطع عنها أكثر من ربع قرن ، فهل ستبعث تلك الأماكن من جديد ..؟. هل سيفكر أهل الضمير والحس الحضاري ، ما ينبغي له من الخصوصية .. هل سيفكرون باستعادة مثل هذه المناطق كما كانت ، زاهية بطابوقها (خصوصية عراقية) وشناشيلاتها (ميزاتها النادرة) فيصير لنا مكان مثل العالم والناس..؟. ان مدينة (وارسو) عاصمة بولونيا أزيلت من أساساتها في الحرب العالمية الثانية ، فاستعيدت المدينة القديمة كما كانت بعمل استغرق ستة عشر عاماً.. وحولها امتدت المباني الحديثة المحيطة بها بطراز حديث ولكنه مقارب لنمط القديم .. أما الأبنية الأحدث فهي في المحيط الأبعد .. انني لا أطمح الآن إلى مثل هذا ، فهو طموح بمستوى الحلم شبه المستحيل ، ولكن التفكير به أصح وأصلح لنا من الانشغال عنه بحضارة (الماكدونالد) الأمريكية المتوقعة ، والتي قد تتزين بلباس مختلف ، فتذهب ريحنا ..!.
ما الآليات التي تعتقد بضرورة إيجادها لتعشيق العلاقة العضوية بين المثقف العراقي في الداخل ، والمثقف العراقي في المهاجر ..؟.
– ان عبارة (انتخب العراق) هي خير شعار يمكن ان يرفع الآن نبراساً للجميع : انه يمكن ان يكون صالحاً إذا كنا متفقين على عراق يوحدنا ويلامس روح العدالة فينا ، ولكن إذا كان كل فريق يرسم عراقاً مختلفاً ، فان تلك ستكون داهية الدواهي . أما على صعيد المثقفين في داخل الوطن وفي المهاجر فان مهمة المثقفين مهمة خطيرة انطلاقاً من كونهم – وكما ينبغي – ضمير الوطن وروحه المبدع ، فكلتا الفئتين عانتا مرارة الطغيان بكل أصنافه .. صحيح ان عناء المنفى مختلف عن العناء داخل الوطن ، غير ان الوطن هو هاجس الفئتين ، وعليه فان وضع جرح الوطن ضماداً على جرح المنفى ، ووضع جرح المنفى ضماداً على جرح الوطن لابد ان يتولد عنه صورة للوطن المنشود .
كيف وفق الأستاذ مهدي محمد علي بين اشتغالاته الإبداعية والعمل الصحفي ، ولحساب من تمت تلك (التسوية) ان جاز التعبير ..؟.
– فيما يخص سيرتي أو مسيرتي في مجال الإبداع والى جوارها نشاطاتي الصحفية .. أقول ان هاجسي الأول هو الشعر ، وكل ممارسة غيره هي على ضفاف الشعر ، إذ أنني لن أنغمس في الصحافة إلا بمنطلقات شعرية ، فليس هناك مسافة كبيرة أو محسوسة بين النشاطين ، فأنا لم اخشَ يوماَ على شعري من الممارسة الصحفية ، بل إنها كانت رافداً للشعر ، في حين كان الشعر قنديلاً يضيء دروبي في عالم الصحافة ، فلم يكن طرفاً على حساب طرف بأي شكل من الأشكال.
* كاتب عراقي




