حمودي عبد محسن
في يوم من أيام هذا الشتاء
القارص أصابت الحمى الحارة الجد ، فراح طريح
الفراش ، تارة يئن وتثار عنده جروح الماضي ،
وتارة يستيقظ هلعا ، وقد تصبب جسده عرقا وهو
ينظر إلى ميرزا الذي كان يغط في نوم عميق ،
فيتألم قلبه وهو يكافح ضد هذه الحمى اللعينة
التي لم يعرف كيف غزته على حين غرة ، فيضع
رأسه على الوسادة وتأخذه كوابيس مرعبة تشده
إلى ظلال التاريخ ، هو الشرير ــ فريق باشا
شبح خرج من رماد معتم أو خرج من تجويف مظلم أو
من مقبرة مظلمة أو إنه متوحش ليس من رس الجنس
البشري . بعدئذ صارت عيني الجد في نصف إغماضة
ليتكيف مع كابوس الحلم ، ليظل الجد ساكنا في
فراشه ، كان ذلك صعب جدا ، حيث خارج غرفته
كانت تسحب الرياح ذيولها في أزقة بحزاني ،
تتوسع ، وتشتد مسرعة ، تقود غمائم ، وتسوق
سحاب قطع صغيرة متدانية بعضها فوق بعض ، تتفرق
متراكمة مكللة السماء بها تارة غليظة ، تارة
رقيقة ، بعضها يركب بعض في تلبد واكفهرار ،
وسحاب يتعلق بسحاب ، فأبرقت سحابة صادقة صواعق
، وأخرى جرت أهدابا ، فارتجست رعدا ، ولمع برق
، وقد حارت به الرياح ، فحفت الغيوم بوارقها ،
وقد تجلجل رعد في ضحك وبكاء ، وراحت لوامع
تبتسم ، وتمد جناحيها على بحزاني النائمة في
دفء وحنان ، بل في ليلة ظلمة تنام ، إذ صار
سراجها ومض برق يمحى السواد ، فجعلت من برقها
المتبسم ضياء ليلغي عبوس وجه الظلام ، وثنيت
سواد الغمام مطرا ، وثنيت بحزاني من أجفان ماء
. أهي الرعود ألبست الجد ظلا موغلا في زمان
مجرورا إليها بأنفاس الرياح ؟! الشرير في عيني
الجد ليس حيوان ، والشرير كلمة لا تعني كائن
جسده نصف إنسان ونصفه الآخر حيوان أو وجهه
مركب على جسد حيوان ، وقد اختلفت الروايات
والحكايات حوله ، فهذا يقول أنه عفريت ، وذاك
يقول أنه ثعبان ، وهذا يقول إن حجمه أكبر من
الذئب يسرق الفتيات الجميلات ، وذات مرة وجد
شعر رأس فتاة وحليها على صخرة ، فالشرير وحش
في كل الأحوال ، وأولئك يقولون أنه جن ،
وغيرهم يقول أنه غول ، لكن يتفقون جميعهم على
أنه غريب الأطوار سواء كان حيوان أو إنسان ،
إنه متوحش ، ومن أبرز ميزته تقدح عيناه دائما
شررا ، ويعيش في الظلمة ، إن هذا الشرير
العجيب الغريب يظهر ويختفي ، ولا أحد يعرف متى
ظهوره ، وكم تستغرق مدة غيابه ، ولا أحد يعرف
إنه يفنى ويزول ، والأكثر من هذا أتفق أهل
بحزاني إنه الشرير الأوحد الذي يضاف إلى قاموس
الأشرار ، وأن روحه عدوانية متوحشة ، متعطشة
دائما للدماء ، وإنه يكره بحزاني ولطف أهلها
وغابات زيتونها ومياهها العذبة لذلك كان يتربص
لها ، وينتظر الفرصة لتدميرها ، ولا يريد لها
سوى الخراب ، لأنه بارع في التدمير ، وهو بارع
في الانقضاض على فريسته أي إنه بارع في القتل
، وله خبرة في فن القتل ، إذ إنه يتلذذ به كأي
متوحش جائع خرج من التاريخ فهو يعتقد بمقولة :
أن التاريخ يصنعه تارة الجهلاء ، وتارة أخرى
يصنعه القتلة . لذلك شاعت أخبار مشوهة يطغي
عليها التضخيم في القرى البعيدة والقريبة أن
الشرير فاتك جبار قبيح الوجه ، فمه كبير يبتلع
الفريسة ، ويمضخها في أنيابه التي تشبه أنياب
ذئاب ، بقرنين كبيرين ، وجثة ضخمة ، يكسو جسده
الشعر الأسود ، وشعر رأسه طويل يتدلى على
كتفيه ، إنه الكائن الخرافي ، لكن الشرير
الحقيقي الذي كان يتلاطم شكله في الحلم
الكابوس لدى الجد هو الفريق باشا ، هو الشرير
الذي فتك بالأيزيدين ، ليطعم غريزته الدموية ،
ويطيب قلبه برائحة الدماء ، فهو يذبح مثلما
يريد ، وهو صاحب الصدر الأعظم في الآستانة ،
المليء صدره بالنياشين والأوسمة ، وتفترش على
كتفيه الرتب ، وهو صاحب الكفاءة العالية في
تنفيذ المهام في المذابح لتتلاءم مع العقيدة
العثمانية ، فهذا الشرير الشرس صار هو المتسلط
المستبد والجلاد الطاغية المشهور في بحزاني ،
فقد سمع عنه أهل بحزاني أشياء تثير الرعب
والجزع من جرائمه ، فهو يترك ذبيحته تموت ببطء
حتى تستفرغ دماءها ، عندئذ يغمس سيفه في بقعة
الدم كأن ذلك أمرا إلهي ينفذه بأبرياء ،
وغالبا ما يترك سيفه مغروزا في عتبة بيت
الضحية أو في واجهة باب المنزل ، إنه الشرير
صاحب المآثر البطولية العظيمة في تنفيذ القرار
السماوي المطلق الذي يأتيه من واسطته السلطان
الأعظم الجالس على عرش الإمبراطورية ، لذلك
أصبح الشرير مشهور جدا ليس في بحزاني وحدها ،
وإنما في سائر العالم الأيزيدي ، ذات مرة أجلس
أيزيدي على خازوق ، ثم قطع يده اليسرى ،
ورماها إلى الأيزيديين المربوطين بحبال ، ثم
قطع يده اليمنى ، ورماها إليهم ، وهو يصرخ :
موت … موت… ثم ضرب عنقه . ثم وضع مئات
الرؤوس على أسنة الرماح بين جثث الموتى ،
وكانت تتعالى أصوات جنوده ابتهاجا لعظمته ،
وهو كعادته يرفع رأسه إلى أعلى ساكنا ، لا
يتأوه ، وعندما وطأت قدماه سنجار فلم تنج منه
قراها ، ذبح كما أراد ، وأحرق أحياء في بيوتهم
لتشويهم النار ، وباع أطفال في سوق النخاسة
بالموصل ، هو الفاتح الجبار، المتوحش المختار
، الذي لا نظير له في العدوانية ، ولا نظير له
في تعذيب البشر ، فكلمة الشرير تنطبق على
همجيته المتوحشة ـ روح شريرة من قوى شريرة ـ
لا علاقة له بشيء أسمه رحمة أو شفقة أو حياء ،
وقد تجاوز عصره إلى ما قبل التاريخ في إجرامه
لأن قلبه من حجر ، وكان بحذائه الأسود الطويل
يدوس كل قوانين البشر ، فهو مذهل في التعذيب ،
والعنف ، وأساليبه مقرفة ودنيئة ضد ناس أبرياء
، وإذا تساهل في التلذذ فإنه يضرب الضحية
بأخمص البندقية أو الجلد على الظهر ، وقد
اشتهر بربط أيدي الأيزيديين في الموصل إلى
حيوانات ، وتم سحلهم في الشوارع ، تنهال عليهم
الهراوات والحجارة والأسواط ، ذات يوم وضع
أيزيديا في قدر كبير يغلي ماء تحت نار ملتهبة
متأججة ، ومرة استبد به الحزن وهو يسأل نفسه :
كيف يمر اليوم دون أن أقتل أحدا . أمر آنذاك
بتعليق جثث الموتى في الساحات والطرقات ،
عندئذ نفخ البوق ، ودق الطبل ، وصرخ المنادي :
إعدام … إعدام … وجاء بالأبرياء ، أجلس
البريء على ركبتيه ، وقطع رأسه بضربة سيف في
عنقه ، ثم أتوا إليه بالثاني ، والثالث ،
والرابع حتى وصل تلذذه إلى المئة ، حينئذ
غادره الحزن بعد ضرب الأعناق ، حينها جنح
خياله بعيدا إلى الإبادات الجماعية ، واستقرت
أحلامه المجنونة في بحزاني ، بيد أن الشرير
فريق باشا كانت له ميزة فريدة ، وهي كرهه
للشمس ليس لأنها تعطي الضوء والدفء ، وليس
لأنها شبهت بسراج الأرض أو وجهها إلى السماء
وقفاها إلى الأرض أو بالعكس أن وجهها إلى
الأرض وقفاها إلى السماء ، بالطبع ليس كل هذا
السبب أنه يكره الشمس ، أنه يعرف أنها مستديرة
، وإن لها مستقر في السماء ، ليس كل هذا أيضا
، وإنما كان يجنح بخياله أن يمتلك الشمس ،
ويمتد استبداده إلى أشعتها ، عندئذ يقدر أن
يتحكم بشروقها وغروبها ، فيجعلها تشرق في
الغرب ، وتغيب في الشرق ، عندئذ تكون الشمس في
كف يده ، يقبض عليها قبضة قوية متى أراد ،
ويخفف قبضته متى أراد فيما إذا غادره الحزن ،
فستخر الشمس شاحبة ساجدة بين أصابعه ، وإذا
أشاء أن يجعل الدنيا بلا نهار ، أيام كلها
ظلام ، فهو يقدر عندئذ أن يتحكم بمصير العالم
، يؤذن لطلوع الشمس متى أشاء ، هو الشرير فريق
باشا أراد ما أشاء أن ينزع الموت من الموتى أو
أن ترجع الشمس إليه أي ترجع من حيث خرجت من
كفه ، ليكون كفه طلوعها وخروجها من سجنها ،
هذا هو الشرير فريق باشا العظيم الجبار الغول
، العفريت ، العملاق ، الجن ، الدموي المتوحش
، وكل شيء من هذا القبيل . غالبا ما يتحول
حلمه إلى خرافة يتناسب مع خرافته هو أن يحرق
ما يريد ، هو الطموح جدا ، الذي أيضا له
طموحات أخرى مثلا أن يجعل الكواكب السبعة ملكا
لديه ، ويصبح إله اليابسة والمياه ، وإنه قادر
أن يفكك الأرض ، حيث يفصل الجبال عن الوديان ،
ويجعل غابات الأشجار تذهب راكضة إلى الصحراء ،
خاصة أشجار الزيتون تلك الموجودة في بحزاني ،
حتى المياه لا تخلص من أحلامه ، فأرادها أن
تغلي وتفور ، إن كل ما يريده هي الميزة
الوحيدة الفريدة أن يقدر على كل شيء ، فهو في
قناعة نفسه أشهر رجل في العالم ، وأشهر من
الشمس ، لأنه دائما في طلوع حتى عندما يكون في
منامه ، فهو يهذي :
ـ الشرير فريق باشا .
لكن هذا الشرير فريق باشا عندما يكون في
بحزاني تكون الشمس في أوارها ، حينئذ ينتابه
الغضب الشديد ، إذ ليس بوده أن يقترب من
ضيائها أو يتظلل في فيء شجرة ، غالبا ما يتقي
الشمس باليد على جبينه لكي لا تغشو عينيه ،
دائما كان يفر منها ليس بسبب الحر ، هو يدرك
بالتأكيد أن الشمس منيرة دون حاجب ، وهو يدرك
كم هي بازغة تبدو ، ثم ترتفع صفراء حمراء ، هي
دائما مليحة ينبسط شعاعها على الأرض ، وفي نفس
الوقت كم يفرحه أن تكون عليلة في المغرب ، ليس
إلا إنه يفهم ملاءتها الحمراء الذهبية تناسب
راحته ، بالرغم من ذلك فإنه لا يديم النظر إلى
حمرة الغروب ، فكلما نظر إليها وجدها صفراء
حمراء ، وهذان اللونان لم يتناسبا مع مزاجه ،
ربما ـ أراد أن تكون الألوان كلها وفق ما يريد
، بيد أنه لا يستطيع أن ينكر النهار على
الإطلاق بسبب بسيط جدا إن أغلب مهمات سيفه في
النهار ، وبمرأى الجماهير المحتشدة الخائفة من
جنونه .
الكابوس الحلم اختفى من رأس الجد حينما هز
كتفه ميرزا ، وهو يقول بصوت وديع :
ـ إنه الصباح يا جدي .
استيقظ الجد تنضح ملابسه عرقا ليس فقط من
كوابس الأحلام ، بل لأن الحمى اشتدت عليه ، لم
ينهض من فراش المرض حين فززه ميرزا ، وهو يخرج
براته من تحت الوسادة التي حملها معه من لالش
، وقال بصوت متلعثم :
ـ اجلب لي كوب ماء يا ولدي .
فهرع ميرزا إلى خارج الغرفة ، وعاد مع كوب ماء
، فوضع الجد البراة في الكوب ، لم تمض لحظات
حتى صارت البراة تذوب تدريجيا في قدحها
وتتعالى حبيباتها إلى أعلى الكوب كأن الماء
صار يفور فيه ، وقد تغير لون الماء ليكون لون
التراب ، ثم رفع الكوب بيد مرتجفة ، وأطبق
بشفتيه على حافة الكوب بعد أن اتجه وجهه إلى
لالش ، شرب الماء الفوار داعيا متضرعا أن
تغادره الحمى ، ثم طلب من ميرزا أن يجلب له
شريطا أسودا وخيطا أحمر ، فذهب إلى أمه ، وطلب
منها شريط أسود وخيط أحمر ، وهو يتسلمهما
ويقول بصوت حزين :
ـ جدي مريض اليوم يا أمي .
، ثم عاد إلى جده الذي راح يشد الشريط الأسود
على رأسه من جهة الجبين ، وأخيرا وضع يده على
كتف ميرزا وخرجا سوية من البيت ، والجد يسحب
بتثاقل ساقيه حتى وصلا مزار الشيخ مند ،
وانسلا فيه ، انحنى الجد على الأرض ورفع من
أرضية المزار قبضة تراب ، عفر جبينه بالتراب ،
وتقدم إلى نبع صاف تخرخر فيه المياه بهدوء ،
غرف بكلتي راحتيه الماء ، وصبه على وجهه ،
فشعر ببرودة الماء تلسع وجهه بعد أن رسمت
جداولا فيه تنزلق إلى صدره ، ثم تقدم إلى شجرة
زيتون ، وقطف ورقة زيتون ، ووضعها في فمه ،
وراح يلوكها حتى أحس بمذاقها المر ينخز في
بلعومه ، ثم قفلا خارجين من المزار يبحثان عن
شجرة الدفلى ، فوجداها ليست بعيدة عن المزار ،
فشد الجد الخيط الأحمر في أحد غصونها ، وراح
يحل عقد الخيوط ذات الألوان المختلفة التي
تشبه قوس قزح التي تزين الغصون ، ويرميها على
الأرض ، وهذا يعني أن هؤلاء المرضى قد فلت
عقدتهم ، وإنه سيأتي شخص ما ، ويفل عقدة الجد
، وينقذه من الحمى اللعينة ، ثم طلب الجد من
حفيده أن يأتيه بجرة فخار مكسورة من البيت ،
وهو ينظر إلى أحواض معاصر الزيتون المتروكة ،
وقد تجمدت المياه فيها ، عندئذ أدرك شدة
الزمهرير ، التقى مع حفيده عند ساقية المياه ،
وسارا سوية إلى مزار حجر كرمك في جنوب القرية
، فعفر جبينه بتراب المزار ، وأخذ من حفيده
الجرة المكسورة ، وراح يغرف بها المياه ويصبها
على حجر كرمك ، ثم قفلا راجعين إلى البيت ،
وقد شاع الخبر في القرية أن الجد الكبير قد
أصابته الحمى ، وأن وجهه صار شاحبا ، وقد خارت
قواه ، وهذا لم يعتاده أحد من قبل عليه إذ أن
الجد الكبير قوي البدن ، وقلبه واسع ، وصبره
لا ينفد ، وقد صقلته المخاطر والصعوبات ، ربما
ـ حسدته عين شريرة ـ هذا ما راح يردده أهل
بحزاني بينما كان يمشي الجد متوكئا على كتف
ميرزا حزينا صامتا لا حيلة له ، وعند عتبة
الباب وجدا ميرزا والجد ديكا مذبوحا ، فأدركا
أن الأهل ذبحوا الديك كنذر للشيخ آدي كي يغادر
المرض جدهم الكبير.
وفي الليل وعلى فراش مرضه غزته رؤيا تلو رؤيا
، مرة أن الشرير الحيوان اختطف هنار ، فهرع
ميرزا حاملا فأسه ليحطم رأس الشرير الحيوان ،
وإذا به وهو يبحث عنها وجد حليها وأقراطها
وضفيرتيها على صخرة ، عندئذ أدرك أن الشرير
الحيوان أكلها ، فذرفت عيناه الدموع ، وبكى
بكاءا مؤلما ، فأيقضت هذه الرؤيا الجد من
منامه مكتئبا متذمرا حائرا وهو يتصبب عرقا ،
وكانت الحمى تشتد عليه ، وهو يضع رأسه على
الوسادة ، ويحاول أن ينام ، إنه الآن ينام في
رؤيا أخرى : وجه جنائزي جامد ، صارم وقاسي ،
يخون الموتى ، نظرته غريبة فيها تهديد ووعد ،
تحركها عضلات الوجه بصعوبة ، نظرة غريبة مرعبة
، كئيبة متعمدة ، الآن يرى الوجه قد تغير ،
وأتاحت له الفرصة أن يميزها بوضوح ، ففتح الجد
شفتيه ، وتمتم بأقوال :
ـ لا … ليس ميرزا …
كان قوله أشبه بصرخة في منامه ، وصار الوجه
وراء قناع ضخم هائل متوحش ، فأتت الكلمات
ـ أيها الشرير ابتعد عن ميرزا …
كان هذا يؤلمه ألما شديدا ، إذ الوجع الشديد
يؤذيه ، فقد تمثل له الرعب وفظاعة الموت
والشهوات المتلهفة للسياط والأغلال والقتل في
غزو جديد ، ويبدأ العذاب ، وانتهاك الحرمات ،
فالوجه الجامد الميت ، الآن لن يراه وهو يرفض
أعوام ألسنة اللهب التي تفرقعت في بحزاني ،
ألا يكفي تلك الإبادات التي امتدت قرون ، إذ
مذبحة تلو مذبحة ، لم يرد الجد أن يثوى جسده
وهو يكافح الحمى العدو ، الشرير العدو ، كان
يجاهد في منامه أن يقنع نفسه إنه ينتصر على
العدو ، إذ لابد أن يقاوم لتكتمل رسالته إلى
حفيده ، وهذا يتطلب سلسلة تتابع أزمنة ، لتكون
مسيرة حياة جديدة مليئة بالحنان والمحبة ،
فليطرد هذا العدو الظالم القاسي من رؤاه ، هذا
هو لغز الخلود الإنساني ، فلم يعرف كيف فز من
نومه ، ليرى مدهوشا وجها لوجه قبالة المستبصر
( الكوجك ) الصامت ، وقد راودت الجد رغبة أن
ينهض من فراشه إلا إنه تسمر فيه ، وقد احمر
وجهه ، وتراقصت أجفانه وهو يسحب نفسه في فراشه
ساندا ظهره إلى الجدار ، ساحبا الغطاء إلى
بطنه ، ويرى أيضا قد ارتسمت ابتسامة عجيبة على
وجه الكوجك الملتحي ، وهو في ثيابه البيضاء ،
تعتمر رأسه كوفية حمراء ، ويلف خصره بحزام من
قماش أحمر ، كان الكوجك يحمل في يده اليمنى
كتابا من عدة صفحات ، وارتسمت على غلافه
الخارجي مربعات كثيرة وفي داخل كل مربع حرف
كبير . إذن هذا هو الكوجك الزاهد في الدنيا ،
المتفرغ للصلاة ، المتضرع للسماء ، المتعبد
الذي يصوم مرتين كل سنة أربعين يوما في الشتاء
وأربعين يوما في الصيف ، التقي الصالح الذي
شاعت حوله في القرى أقاويل إنه صاحب المعجزات
والقدرات الخارقة أن يشفى المرضى ، هو الذي
يتصل بعالم الغيب ، ويتنبأ بالحدث ، هو الذي
روحه نبيلة لا تقبل الأذى للإنسان أو الحيوان
أو النبات ، هو صاحب سلطان الخير يدفع البلاء
عن شعبه ، ويقاتل قوى الشر ، ويدفعها ،
ويبعدها ، ويطردها عن بلاده لذلك منزلته رفيعة
عند الأيزيدين ، الآن كان الكوجك مستغرق في
عالم روحاني رؤاه بؤرة روحية بين مصائر أرواح
الموتى ونعيمها ، عيناه ساهيتان في اللاوجود ،
تبحران إلى المنتهى ، وهو يرتقي بروحه الفاضلة
في غياب ، فلزم الجد الصمت ، وحل في الغرفة
طقس كهنوتي عجيب ، كان الكوجك ساكنا ، ترتجف
شفتاه في أعماق السكون ، شيء يلوح للجد أن
الرؤى ترتفع في تحدي واضح ، وقد تغيرت ملامح
الوجوه في صمت طويل ، حينئذ أغمض الكوجك عينيه
وهو يبحث في الغيب ، وربما يبحث في الحقيقة ،
ثم ارتجف كما لو أنه في إرادة أخرى ، ثم خيم
صمت أزلي متعمد ، ثم فتح عينيه الثابتتين
الواسعتين المخلصتين دون حركة أجفان ولا
انسياب في خلق آخر . كان ثمة شيء رائع في
شروده الذهني عن الوجود ، وشرود عينيه إلى
البعد ، فيهما يستبصر ما سيحدث ، ثمة شيء عجيب
في جلسته التي تهدلت يداه اليمنى الحاملة
للكتاب إلى حضنه ، فصارت مسترخية ، وهو يبحر
في خيال أو يسرح إلى بعيد ، كما لو إنه يعيش
في مكان قصي ، ثم انحنى رأسه إلى صدره ، ولم
تمض لحظة حتى ارتفع وجهه إلى عالم آخر ، لم
يعرف الجد أهو كان يخاطب السماء أو يخاطب أحدا
آخر ، إذ حل في الغرفة صمت غريبة جدا ، ثم
صارت نظراته متحدية فيها تيقظ ، ثم حميمة
مصممة فيها ود القلب ، بغتة تبين اللطف والنبل
المجمدين في وجه الكوجك ، وهو يداعب بيده
اليسرى الحرة لحيته كما لو أنه يبلغ شيئا
غامضا عظيما ، يبلغه ويراه ويلتقيه بعيدا عن
عالم الوجود ، هذا اللقاء الغيبي لا يعرفه أحد
لأنه لقاء أرواح نقية وتقية ومضيئة في محاربة
الشر ، فصار جيشا لها من أرواح العباد
الأتقياء لمحاربة جيش الأشرار ، قوتان هائلتان
ذات عداوة أزلية. كان لغز الكوجك الدنيوي
الحاد الذي لا يقوى أن يبتعد عنه ، فهو بقدر
ما نزاع بين الجسد والروح في ذات الكوجك ، هو
في نفس الوقت نزاع تلك الأرواح ، فلذلك هناك
أرواح خير ، وهناك أرواح شر ، ودائما يتفجر
الصراع دون مصالحة تذكر ، لابد من مقاومة حتى
لو كانت قصيرة الأمد التي غالبا ما تتوج
بانتصار الروح الطيبة التي يحملها جسد الإنسان
، فالجسد ثقيل والروح خفيفة ، فروح الكوجك
ساهرة ليل نهار لتلوذ عن شعبها ، فما غيبوبة
الكوجك إلا ارتقاء إلى عالم آخر ، انغمس فيه
بألفة شديدة خارج كينونة الجسد البشري ،
ارتقاء مضيء مبتهج ومجاهد ، ذلك الذي انتصر
فيه واقتلع من الجد الكبير مخاوفه من الشرير ،
لم تمض لحظات حتى التفت الكوجك إلى الجد
ليبلغه عن انتصاره الكبير النهائي اللامادي ،
انتصار على أحابيل الشر والبلوى ، وتلك كانت
مأثرة بالنسبة إلى الجد ، وقد غدا عنصرا آخرا
قادرا أن يقهر الشرير دون هوادة ، ولا يخاف
على مصير ميرزا .
فجأة وضع الكوجك الكتاب على كفه ، وطلب من
الجد أن يضع ابهامه على أحد الأحرف الكبيرة
بين المربعات ، فصارت تداعب الأحرف ، وتوقف
الابهام عند واحد منها ، ففتح الكوجك الصفحة
التي عنونت بذات الحرف ، وراح يقرأ ببطء وهدوء
كما لو أنه يترنم بالكلمات والجد يصغي بكل
انتباه واهتمام ، وعندما انتهى الكوجك من
قراءة الصفحة نهض مع نظرة راعشة صريحة للجد ،
حينئذ نهض الجد واقفا من فراش المرض ، فأدار
الكوجك ظهره واتجه بخطى بطيئة نحو الباب وهو
يقول :
ـ مثل سليمان بتي …
عندما خيم ظلام الليل نزع الجد ملابسه ، وتعرى
، ثم لف نفسه بعباءة الصوف الحروانية وخرج من
البيت ذاهبا إلى معاصر الزيتون قرب الكوم ،
مسك حجرا وراح يفتت الثلج الذي يغطي فتحة أحد
معاصر الزيتون ، ويغوص فيها ثم ينط ، ثم خرج
وهو يتذكر حكاية سليمان بتي حين نط في الليل
العميق من فتحة المعصرة ليطرد الحمى الحارة
وخرج عاريا ، وكان في نفس اللحظة قد مر
البائعة المتجولين ، وهم يحملون بضائعهم على
ظهور حيواناتهم ، فرأوا سليمان بتي يخرج عاريا
من المعصرة ، فأصابهم الرعب ، وفروا هاربين ،
تاركين حيواناتهم ، وهم يصرخون :
ـ الشرير …