تنبؤات كاسندرا الطروادية
حمودي عبد محسن
أولا : كاسندرا وابولو :
ها هو ابولو – ابن زيوس والآلهة ليتو ، والأخ التوأم لآرتيمس ، ابول _ إله
الشمس ، والموسيقى ، والشعر ، وجمال الرجولة الخالدة ، الذي كان يطير على ظهر
بجعة ، على رأسه تاج غار ، ويملك قيثارة ، الإله غير الحسن اتجاه النساء ، ، إذ
بسببه مسخن الكثير منهن أما إلى أشجار أو حيوانات ، فهذه دافني تحولت إلى شجرة
غار ، وتلك كليتيا تحولت إلى عباد شمس ، ولا يتنافس أحد معه على القيثارة ،
فهذا المسكين مارسياس كبير السن سلخ إلى أفعى ، والملك الكبير السن ميداس نال
آذان حمار ، وتلك العرافة كوماي منحها الخلود وأبقى سنها يتقدم ، ها هو بنفسه
يطارد كاسندرا بنت بريام ، بنت هيكوبا الطروادية ، التي تستحم الآن في بركة بين
نهرين ، وعلى ضفاف نبع " سكامانديرا " ، وقرب تل " كاليكولوني " وتمثال " اليوس
" ، فهنا المياه تنساب بهدوء ، ولم يستطع التل أن يعترضه ، وهناك البحر يتجلى
بسكون وفضاء أزرق ، تحت لمعان القمر أبان الليل ، كانت كاسندرا تبلغ النجوم
بعينيها السوداوين في أعماق هذه الليلة ، أو بالأحرى تبلغ روح الزمان الماضي
برؤية المستقبل ، وبوضوحها تقرأ الغيب ، وتكشف الحجاب ، وتمزقه عن النجوم ،
التي تتلفع بالأسرار ، إنها ترى ما لا يراه أي طروادي ، وتتشرب بسطوع النجوم ،
فهدهدة السكون في هذا المكان الذي يمتد إلى مروج خضراء متأنقة الأزهار ، وحقول
القطن ، وفيافي ، يضفي نشوة روحية على كاسندرا التي كانت تنظر إلى السماء ،
فهذه عادتها في عمق الليل ، وهي صبية عذراء في غاية الجمال ، أن تتأمل في
النجوم ، لذلك أحبها ابولو ذات مرة ، وقد وهبها التنبوء الصادق ، فلما صدته
أصابها بلعنة أن لا يستمع الطرواديون إلى نبوءاتها الصادقة ، ها هو ابولو
متخفيا خلف الأشجار ، وأنفاسه تتصاعد فيتصاعد الحب ، مجرد أن وقع بصره المولع
عليها ، فتجددت رغبته فيها بعد أن تكرر التيه ، ومضت الأيام ، وهو في خيبته ،
إذ لا سعادة له دون كاسندرا التي لا تسمع شكواه ، ولا مناجاته أن تقترن به ،
وهي تردد : ( ماذا يحدث لي بعد الزواج منك ، أجل مثلما حدث لأيون وأمه ) ،
فكانت كاسندرا الفاتنة قد رفضت كل المسرات والثروات والمباهج التي عرضها عليها
ابولو ، خائفة أن تفرض عليها حياة الشقاء ، والبؤس في ظل الثروة والنعيم
والرخاء ، لذلك رفضت بكل إصرارا لاقتران به والتضحية بحب طروادة ، مما أغاظ ذلك
ابولو وعاقبها ، فهو لم يستطع استرداد ما وهبه بها على عادة ما يجري للآلهة ،
وكان ابولو يكرر : ( وا أسفاه ! ) . كانت شكواه ترن في رأسه مجهولة ، وثناؤه
لها يشيع في قلبه الجزع ، وقد هام على وجهه شريدا ، واستولى عليه الحنين الجاد
إليها ، محنة شديدة هو الحب ، فيعود ، ويهمس أشبه بعزف هارب ، وهي لا تولي له
باهتمام ، فيحلق مع همسه مثل نغمات حزينة ، غي محددة ، يتملكه الألم ، وها هو
يراها ، فيشعر أن قلبه القاسي صار رقيقا طريا ، وما يراه سوى جمال كاسندرا التي
احتوت قلبه حتى ولو كان في البعد ، لذلك عزف على قيثارته لحنا صافيا بنغمات
سماوية رقيقة ، يدعوها من القلب إلى الحب الإلهي ، فيه الدفء ، الحنان ، اللطف
، ذلك دفعه إلى فيض من الدموع التي سقطت على قيثارته ، وهي تواصل رنينها بأنغام
عذبة ، وكانت هذه لحظة سعادة ابولو تدفئ روحه ، بينما كانت كاسندرا تسمع بتوجس
خائف ، وتقول : ( يريدني أن أنسى طروادة الحبيبة ، وأرقص له وحدي على أنغام
قيثارته ، وفي الهواء الطلق ، هذا ذوقه ! وأمشي أمامه بأناقة ، وأتهادى بخطى
هادئة ، وبخدود متوردة ، هذا ذوقه ! ) .
صمتت القيثارة ، فخرجت من الماء مرتبكة ، تنز قطرات الماء من جسدها البض على
الأرض ، سحبت ثوبها من الشجرة ، وهي تتطلع مدهوشة ، ها هي خطوات تقترب منها ،
ففرت هاربة بين أشجار الزيتون ، الخطوات كادت تبلغها ، كان وقعها يقتفي أثرها ،
وقد أدركت إنه يخاطبها :
ابولو : أخشى على قدميك أن تزلان ، لماذا تهربين مني ؟!
كاسندرا : لا أريدك يا ابولو ، لا أريد أن أتخلى عن طروادة ، طروادة سعادتي .
ابولو : أخشى أن تنغز شوكة قدميك أو أوراق أعشاب برية حادة ، لا تهربي مني !
كاسندرا : وأنا أخشاك !
تعثرت وسقطت على الأرض ، وفلت من يدها الثوب الأبيض المنمق بالورود الخضراء ،
وهو يردد : واأسفاه ، يا ويلي ، يا ليتني كنت الأرض لحميتك بجسدي ، هل توجعتي
يا حبيبتي ؟! ) . لم تمض برهة من الزمن ، وقد أصبح فوق صدرها ، ووضع القيثارة
على ثوبها ، وها هي الكلمة ترن في قيثارته …بسرعة …بسرعة … هنا يتوهج الألق
الغريب أمام تنهدات ابولو ، وتمجد المفاجئة العنيفة ، هكذا تجري الأمور على يد
الإله … الكلمة ترن … بسرعة …سخر ابولو قوته لاغتصاب كاسندرا فوق العشب
الطروادي الذي يزين نفسها بالأزهار . كاسندرا تشكو بهدوء ، ومرارة ، وتأن ، إن
الأمر سئ جدا ، فها هو يضغط بصدره المضطرب صدرها الشاكي الأجمل من النجوم ، فلا
شئ ممنوع عليه إن أخطأ أو تورط أو قبل خدي كاسندرا المحمرين ، أليس هو واحد من
اثني عشر من أرباب الأولمبي ؟! لم يدر ببال ابولو أن منازعات ، وثارات ،
وخلافات ، ربما _ حروب تجري بين الأرباب ، وهو ابن زيوس الرب الأكبر العظيم
وفوق الجميع ، الذي يسكن جبل الأولمب فوق مرتفع عال ، بينما كاسندرا تحاكي
النجوم ، وصار ليلها بهيم حيث رقد فيه بفعل الكلمة ، وهي تقول بصوت خافت ،
وعيناها تذرفان الدموع :
كاسندرا : حسنا ، ها أنت اغتصبتني ، وبلغت غرضك ، واستلذيت من جسدي ، وامتلأ
صدرك بنشوة النصر ، وأطعمت ظهري بتراب طروادة ، وماذا تريد بعد ؟!
ابولو : أنت ، أن تكوني لي وحدي ، وسأهبك كل ما تتمنيه ، وتكوني أم أولادي .
كاسندرا : كلا سأضل عشيقة طروادة ، سأظل أبغضك تماما ، وأتحاشى ظهورك ، أنا لست
لك .
ابولو : واأسفاه ، أنت برفضك هذا تنتزعين السرور مني ، يا ليتني ما أحببتك ،
ألم تشاهدي عذابي في سهري ، ليتني لم أحلق فوقك ، وأتجول في مزارع طروادة
الغنية ، سيبصرك أهل طروادة معذبة بملامحك الصافية ، بزينتك التي ترن أشبه
بأجنحة طيور ، ستذبل روحك ، وستصرخين ولا أحد يسمعك أو يصدقك ، ها هي الغيوم
تتجمع فوق أسوار طروادة ، وتحجب ضياء القمر ، ها هي السفن آتية متسترة بالضباب
، سيتمزق قلبك ، وأنت تتواثبين من بيت خرب إلى آخر ، وأنت تتوسلين أباك بريام
ملك طروادة ، مبهورة الأنفاس دون أن يصدقك ، سوف لن تستولي عليه شفقة نحوك ،
وأنت تصدرين النداء تلو النداء ، ستكونين مضطربة ، مذعورة في كل أعماق حياتك ،
وسوف يرميك بريام في السجن تائهة في عزلتك ، في تيارات التنبوءات ، وأنت في
عاصفة الانفعالات ، وحيدة ، مخلوقة خانعة ، بائسة ، يليق بك أن ترفسي باب سجنك
الحديدي ، واأسفاه !
كاسندرا : الآن أشعر بقربي إلى التنبوء ، وأشعر بقواي تتماسك نحو النبوءة ،
وتنتابني شجاعة لا مثيل لها على تحمل المجازفة ، ومغالبة الاضطراب ، ها أنني
أقترب إلى أهل طروادة لأنني أشعر بقربي منهم ، أواه ! بحق أنغام قيثارتك
المقدسة ، لا تدع الصدر يضيق والقلب يظلم ، دع الأمل يزهو ، والشوق يكبر إلى
ينابيع الحياة في طروادة ، فها أنت نلت مبتغاك ، فماذا تريد أكثر ؟!
ابولو : أريدك أنت سواء نزلت من السماء إلى الأرض أو صعدت إلى جبل الأولمب ، يا
كاسندرا .
كاسندرا : لا تتذرع بهذا ، فإن الرضا لا ينبثق من القلب ، وأنا لا أحتمل عقوبتك
، أريد على الدوام مساعدة طروادة ، أنا أعرف من أنت ، وماذا بمقدورك أن تفعل
ضدي ، أريد أن يصدق أهل طروادة نبوءاتي ،وأنا لذلك سخرت روحي .
ابولو : أنت تنكريني أكثر من مرة بالرغم من أنني وهبتك النبوءة ، وها أنت
تنشدين لهم الحياة الجميلة .
كاسندرا :
أيها الحلم العذب !
حرا طليقا
ثوبا أرتديه كل صباح
أنشودة دائمة
طوال الأيام
كلها ، طوال الأيام
أن طروادة تسكن لروحي
وتهزني من الأعماق
ابولو :
يا نغمتي العذبة
قيثارتي المقدسة
أنكرتني كاسندرا
ابتغاء الانتصار
خداع الأحلام
طمعا في طروادة
وتبدأ الأغاني
وأناشيد جديدة
في مجرى الحياة
في ذات الخراب
ثانيا : باريس
لقد غلب النعاس هيكوبا حتى نامت على فراشها الوفير في القصر الملكي الفخم ، وهي
في حلم وحشي ، أحاطها ، وأغرقها في شعلة مجنونة التي تتجاسر ، وتتقدم من بيت
إلى بيت وتعدو الرياح لتلتهم الحقول والمزارع ، طروادة ستدمر ، حينئذ لم يبق
منها إلا الذكرى ، هذا الحلم تشرق منه الآلام ، وتنبثق منه الأحزان ، ارتبط
بهيكوبا ، لم ترد أن تخاطر به ، فطروادة نجمة حبيبة ، وحياة سعيدة ، وهيكوبا
زوجة بريام الملك ، فقد أنذرته من هذه الشعلة ، استدعى العراف الأكبر ، وتطرق
إلى الشعلة ، لم يكن الصباح سعيدا ، خاصة وقد نطق العراف بعد أن عرف أن الجنين
يتحرك في بطن هيكوبا : ( اعرضيه على جبل ايدا ! ) ، هذا ما قاله العراف باختصار
كي لا تدمر طروادة بهذه الشعلة ـ أبدا لا تريد أن تدمر ، وتصبح أنقاضا ، وتنشأ
على أنقاض ، تريد هيكوبا طروادة مزهوة بتراثها ، بكنوزها ، بمينائها المسيطر
على شواطئ آسيا ، ولربما _ لا ينشأ عالم آخر بعد الخراب ، لم تريد أن تسمع
المزيد من الكاهن ، فعندما ولدته لفته بقماش ، ووضعته في صندوق صغير ، وحملته
إلى جبل ايدا ، ورفعت يديها للسماء ، وصرخت صرخة أم : ( سأعطيك يا جبل ايدا ما
لم تعطيه أي أم سابقا ، سأعطيك وليدي فخذه من أحضاني أرعاه ، أعطيه اللذة
الإلهية ، والثمرة التي لا تعطب حتى بعد قطفها ) ، تركته على الجبل وعادت كأم
خدعها الحلم ، ولتكن هكذا نهاية ، وليبدأ تاريخ جديد ، أم تتخلى عن وليدها ،
موافقة أن تنهشه الوحوش في أية لحظة ، طروادة تتخلى عن وليدها لمجرد حلم خادع ،
ضحية لمجرد حلم ، إنها مراهنة مع الأيام ، وليصرخ الوليد ، وتأتيه الوحوش ،
فهذه أنثى الدب ترضعه من حليبها ، وينمو قويا ، ثم يتلقفه الرعاة من الجبل .
هدؤوا أعماقه ، وهيئوه إزاء أية معجزة في دوامة الزمان ، دوامة الزمان وراء
حجاب التخلي ، وليتصاعد الألم ، والسخط . علمه الرعاة الفروسية ، ونظرا لشجاعته
سموه المحارب ، وأبلغوه إنهم وجدوه على جبل ايدا بعد أن أرضعته الوحوش ، وهم
يهتفون له : افعل ما يحلو لك في المراعي ، تذوق الأرض ، التقط الحجارة واطرد
الوحوش ، أو ارميها بالسهام ، إنها متعة أن تحمل السخط على من تركك للضواري فوق
جبل ايدا ، وقلبك ينبغي أن ينفتح للعالم ، استمتع بالحياة دون ألم ، وابلغ
الأعلى ، وكدس شجاعتك لتتسع للحرب ، وفي النهاية لا مجال لك في هذه المراعي ،
اذهب إلى طروادة ، أعلن شجاعتك ، ومجدك ، أنك ابن هيكوبا ، وبريام ، وأخوك بطل
الأبطال هكتور ، واختك كاسندرا ذات التنبؤات الصادقة ، اذهب إلى طروادة أعلن
مجدك يا باريس !
آنذاك كانت تعقد في بهو الأولمبي وليمة عرس بيليس ملك ثيسالي وثيتس وهي واحدة
من إلاهات البحر ، ودعي كل آلهة وإلاهات جبل أوليمبس ما عدا " إيريس " إلهة
النزاع والشقاق ، ولذلك حاولت إثارة خلاف في وليمة العرس فألقت بين المدعوين
تفاحة ذهبية ،كتب عليها " للأجمل " فشب نزاع بين ثلاثة إلاهات : هيرا _ آلهة
الزواج ، وزوجة زيوس ، أثينا _ آلهة الحكمة والحرب ، وهي ابنة زيوس المفضلة ،
وافروديت _ آلهة الحب والجمال ، وادعت كل واحدة منهن إنها الأحق بالتفاحة ،
ولذلك لجأن إلى رب الأرباب زيوس للحكم فيما بينهن ، وحسما للنزاع قرر زيوس أن
يلجئن إلى تحكيم أجمل البشر من الرجال ، وهو باريس ، وعلى هذا ذهبن الإلهات
الثلاث إلى باريس ، وهو يرعى الماشية في جبل ايدا ، وسعت كل واحدة منهن أن يحكم
لصالحها ، فوعدته هيرا بالعظمة الملكية ، ووعدته اثينا بالنصر في الحرب ،
ووعدته افروديت بأجمل نساء العالم لتكون زوجة له ، فحكم باريس بالتفاحة الذهبية
لافروديت ، مما أغاظ هيرا واثينا لاسيما كان هناك خلاف بين الأثنى عشر آلهة في
جبل الأولمبي بسبب غنى ، وثراء طروادة ،فقد أصبحت مجال خلاف وتناحر بين الآلهة
، هذا وقد نصحت افروديت باريس أن يذهب إلى طروادة :
افروديت : عليك أن تتطلع إلى المدينة ، وتتركي الجبل ، فمن هناك تفوز بهلين
أجمل نساء العالم .
باريس : الجبل وهبني كل شئ ، وأنا أستمتع فيه ، ومنحني القوة ، واصطياد
الحيوانات الوحشية ، وعلمني الصبر ، والتحمل ، إنها من صفات الرجال .
افروديت : هنا لا يمكن أن تفوز بهيلين ذات الشعر الجميل ، وهل ستقضي طول حياتك
بالجبل ، ترعى الماشية ، وتطارد الضواري .
فاتجه إلى طروادة تاركا الجبل ، وبهذا حققت وعدها لباريس ، فأخذته إلى المدينة ، وقدمته إلى أهلها الذين ابتهجوا بعودته أميرا بعد أن كشفوا سره بشجاعته ، وذكائه ، وقوته .
ثالثا : تنبأ كاسندرا الأول
ها هو القمر بين النجوم أمام ناظر كاسندرا ، يتصاعد صافيا ، يشيع الرقة في
قلبها ، فتهتدي إلى نشوة التأمل ، ويتاح لها أن تشعر ما لم يشعر به أي طروادي ،
تنبعث في أعماقها عجائب كثيرة ، تقربها من التنبوء أكثر فأكثر ، لا يمكن أن
تستغني عنه ، ولا يمكن أن يحط من إمكانياتها ، التنبوء قدرتها ، ونار شوقها في
إصرار تام ، تستمتع به ، وتجربه مرة تلو مرة ، إنها تتطلع إلى النجوم الساطعة ،
وترسم حركتها في هدوء ، ودون ذلك تحس بالضجر والملل ، وإنها لا تستطيع أن تقضي
حياتها بلا تنبأ ، إنه يشفي خيالها عذبا جميلا ، وتختفي لوحدها ، لتستمد تنبئها
في استمتاع ، فيعطيها طاقة حيوية ، وتنتهي من الركود اليومي في الليل ، وتحت
السماء الصافية في شغف تام ، متحسسة الأيام القادمة ، فخورة إنها تكشف أسرارها
، وتبوح بها لأهل طروادة ، هذا الأمر يسر قلبها ، وجدانها ، إنها تفعل شيئا
صادقا ، وتتمادى فيه طويلا ، فأهل طروادة بانتظار شئ مفزع ، فضاقت روحها ،
وذرفت الدموع حزينة ، تريد أن توقف الانهيار ، الخراب ، وكانت تخشى أن لا
يصدقها أحد ، ها هي تكشف السر ، " باريس سيدمر طروادة " ، فجمعت في روحها كل
الصفات النبيلة ، وثابرت في إقناع والدها بريام ، حاولت أن تجمع بين عظمة النفس
، والدهاء في نبوءتها ، وهي تصرخ : " من أنا أذن ؟! أظفر بالنبأ الصادق ، وأنتم
تخاطبوني : " أنت في النهاية أنت كاسندرا " ، إنها تدرك أن لا أحد يصدقها ، ولم
تزداد سموا ، ولم يقترب منها أحد ، فكانت تنادي والدها :
كاسندرا : ها أنت ترى الأمور ليس مثلما أنا أراها .
بريام : ماذا ترين ؟!
كاسندرا : باريس سيخرب طروادة .
بريام : وماذا علي أن أفعل ؟!
كاسندرا : اطرده من طروادة ، أبعده عنها .
بريام : لا أستطيع ذلك ، أنه ولدي .
كاسندرا : وهو أخي كذلك .
بريام : إن كنت على قدر من التنبؤ ، افعلي شيئا لطروادة .
كاسندرا :كل هذه التنبؤات توحي لي أن لا تجعل باريس الجميل سفيرا إلى إسبرطة ،
ولا تحمله الذهب والفضة ، وذخائر الكنوز هدايا ، لأنه سيعود إليك بالجيوش التي
ستدمر طروادة .
بريام : هذا مجرد هراء يا كاسندرا ، دع كل هذه الخرافات ، وخوضي غمار الحياة في
مراع طروادة الخضراء الغنية المترفة .
رابعا : الحرب
هيلين هي أجمل نساء العالم ، بنت زيوس ، ومن زوجته ليد ، وعندما كانت في سنة
العاشرة اختطفها ثيسوس من إسبرطة ، وخبأها في افيناي ، ومن هنا أنقذها أخواها
كاستور وبولوكس ، وكان أيضا من خطابها البطل اوديسيوس الذي اقترح على خطابها
حرية الاختيار ، وتعاهدوا على احترام رغبتها ، والوقوف إلى جانب زوجها عند
الحاجة ، و لأن مينالوس كان الأغنى بينهم فقد اختارته زوجا لها وعاشت معه لعدة
سنوات ، إلى أن ظهر باريس ليغريها بالهروب معه في الوقت الذي كان زوجها غائبا
ولما عاد مينالوس ، دعا مع أخيه الأكبر اغاممنون زوج كلوتمنسترا ، أخت هيلين ،
كل الإغريق لتسير حملة ضد طروادة خاصة وإن أطماع اغاممنون كانت أن يمد نفوذه
على ميناء شواطئ آسيا ، ويضم طروادة إلى مملكته ، وكانت الحملة تتكون من مائة
ألف مقاتل و 1186 سفينة ، وكان ضمن الحملة بطل الأبطال أخيل ابن لبيلوس ملك
ميرميدون ، وأمه ثيتس من الحوريات ، وحتى يصبح من الخالدين قامت بغمره في مياه
نهر سيتكس إلا وحين غمرته كانت بعقبيه من الوتر ، فكان هذا المكان الوحيد في
جسمه الذي لم تغمره المياه ، وأصبح نقطة ضعفه ، وقد تنبأ كاهن بأن أخيل سيقتل
في حرب طروادة ، وإن طروادة لن تفتح إلا بمساعدة أخيل ، ولذلك أرسلته أمه إلى
جزيرة سيكاروس للعيش في أمان متخفيا بملابس بنات ، إلا أن اوديسيوس اكتشف أمره
، فأقنعه الاشتراك في الحرب .
توقفت سفن اغاممنون في عرض البحر بفعل عاصفة قوية ، فأمر اغاممنون جنوده بجلب
بنته " افجينينا " لتقدم قربانا لإلهة الحرب " لارتيميس " مطيعا كلام العراف
لكي تسمح لسفنه من جديد أن تتحرك وتواصل سيرة الحملة .
وقفت " كلتيمسترا " باندهاش خائف في أبهة الموت حينما أخذ منها جنود اغاممنون
بنتها الصبية ذات النهود الصغيرة ، وقالت بإجهاد وصوت خافت : ( إنها ضحية الأب
) ، ثم سحبت نفسها بتثاقل عبر الصمت الجنائزي كما لو أن وجهها خال من الدم .
وضع افجينينا مرتعبة بائسة ، متيبسة على مذبح الموت ، وهو صندوق مغطى بالقماش
في سطح سفينة اغاممنون الأب ، نعم ، أبطال الإغريق يشيعونها لتتخلص من الأحزان
، وسينزف دمها ، وينفجر وجهها في وجه السماء ، ، لأنهم أرقدوها على ظهرها ،
وداعبوا شعرها الأسود الناعم ، دمها أحمر قاني ، وتكاد تكون موهومة لكل ما يجري
حولها ، وفي عينيها دموع ذكرى ، تظهر فيهما أشكال صامتة ، بيضاء ، وأيادي
رمادية مرفوعة فوق جسدها ، ساكنة ، متحركة ، إشارات إلهية لأشكال وحشية بيضاء
عجيبة ، أشكال متكررة ، محتشدة في عينيها ، متدفقة منها أشياء من الماضي أثناء
لعبها وهي طفلة ، مفجوعة والدموع متماسكة في عينيها ناظرة إلى السماء التي يحلق
فيها طائر أبيض يبحث عن إشارة منها للبكاء بعينين سوداوين في عذاب مهلك ،كأنه
يسأل : ( لماذا هكذا افجينينا ممددة ؟! ) ،لم ير الطائر هكذا صبية راقدة في
استسلام ، كان يتأملها ، آه ، لو يستطيع أن يهبط ويحملها على ظهره ، كان يتأمل
الأبطال أيضا ، كان يخشاهم أن يرموه بسهامهم ، ويسقطوه في البحر ، صدمة عظيمة
كأنه يقدم تعازيه لها قبل موتها ، مصاب أليم ، حداد تذكاري ، كل شئ من أجل أن
تتحرك السفن ، إلا أن الشيء الوحيد الذي لم يقف بينها وبين الطائر هو الوداع .
توقف الأبطال قربها ، وهم في كامل عدتهم الحبية ، ينظرون إلى عنقها النحيل ،
وإلى شعرها الممشط المفروش على المذبح ، وذراعيها الممدودتين إلى جنبها ، يا
للصبية الضحية ! هل كان عند الأب رحمة إزاء ابنته ؟! أب يستجيب لرؤيا العراف ،
فيستريح ذهنه في اللحظة الأخيرة ، ويقبل أبنته للمرة الأخيرة ، ويتمتم : ( أنت
قربان لارتيميس ) هذا كل ما يقدر أن يفعله ، وهو يفهم كيف وضع رأسها تجاه جبا
الأولمب ، بعد برهة دق السيف عنقها ، رامشة بعينيها ، في العاصفة المحجوبة ،
فوضع الرأس قرب جثتها بعد أن تدحرج بلهاث ضعيف ، إنه الدم الفائض أمام السماء ،
القلب المقدس ، العيون ، الصوت ، نعم ، يسمعون صوت جدهم الأكبر ، ماء البحر ،
العاصفة ، والسفن ، نعم ، انتحى اغاممنون جانبا حتى يفسح المجال للأبطال : (
اخيل ، أوديسيوس ، بينالوس ) ، أن يشيعوها في تابوت ، ويحملوها خارج السفينة ،
إلى أغوس مملكة اغاممنون ، لأن عادتهم أن لا يرموا الضحية في البحر ، بهدوء بكت
أمها ، وأغلقت عينيها بحزن ، وهزت رأسها متوعدة ، وقرأت مراسيم الصلاة بسرعة
إلى زيوس ، هازة رأسها ، منعمة النظر في العيون المحتقنة ، عيون خفية، عيون
تفتش عن السر ، لا سر سوى أن تتحرك سفن الأب ، ويتحقق طمعه أن يلحق طروادة إلى
مملكته ، وبقت قاعدة المذبح دون شموع مشتعلة في أركانها الأربعة ، ولا إكليل
فوقها ، بل ركعوا إلى ( لارتيميس ) ، نادبون ، مطأطئي الرؤوس ، وشرعوا بالصياح
باسم زيوس ، والمصيبة وقعت على رأس الأم ، وهي تقول لنفسها : ( افجينينا ضحية
أطماع الحرب ) .
حوصرت طروادة عشر سنوات واستطاع الطرواديون تكبيد الإغريق خسائر فادحة ، خاصة
بعد أن اعتزل أخيل الحرب في خيمته بسبب سبية حصل عليها ، وهي ( برسيس ) بنت
بريام ، واستحوذ عليها دون حق اغاممنون ، فنشب خلاف بين الطرفين ، وفضل أخيل
عدم الاشتراك في الحرب ، ودعت أمه زيوس مستعطفة إياه لإهانته أخيل ، ووعد بذلك
( زيوس ) في معاقبة اغاممنون .
خامسا : تنبأ كاسندرا الثاني
هناك عملاق ضخم في ظلال الليل ، قصة أشباح ، نعم ذلك في ليلة حالكة ، جنود
يقبلون عليها في منتصف الليل ، وكاسندرا تغط في نوم ، وشرعت ترى المصيبة تنزل
على أخيها ( بوليدورس ) التي نصحت والدها أن لا يرسله مع الكنوز إلى صديقه (
بوليمنستر ) في تراقيا ، أخوها متروك على الأرض ، أحد يرش عليه الماء ، يهز
رأسه ، لم ينهض ، ثم يرش عليه الماء من جديد ، لم ينهض ، يرقد ميتا ، شكل صامت
، كتب عليه أن يموت ، وجه أحمر ، فم مفتوح ، يبدو مرعبا ، وجهه ينزف دما ، جسمه
ينزف ، ربما ينزف أكثر ، ينفجر الدم من بطنه ، خرجت أحشاءه بسرعة ، الآن رمادي
اللون ، مسجى على الأرض ، جثته ساكنة ، راكعة ، إشارات رسمت على التراب ، أشلاء
، أشكال ، مرعبة ، عجيبة ، فوق جثته تحلق طيور سوداء ، تصرخ ، لكنها لا تهبط ،
مناقيرها طويلة ، وسيقانها طويلة ، لا تهبط ، تدور حوله ، كاسندرا في منامها ،
دائما مفجوعة ، ترى نفسها تبكي ، ناظرة ناحية جثة مشى خلفها أهل طروادة ، عذاب
مهلك ، صدمة عظيمة ، تقدم تعازي عظيمة ، مصاب أليم ، حداد تذكاري ، نادبة ، لا
أحد يصدق تنبؤاتها ، كل شئ في قصة شبح ، عملاق ضخم ، يهدد طروادة ، الطيور
تنادي بأجنحة رهيبة ، كاسندرا تصرخ في منامها ، ففرت الطيور السوداء بأجنحة
رهيبة ، ويخلو المكان ، تريد أن تطير به إلى نجومها ! حيث مكانه هناك ، ويخلو
المكان ، ترد أن تطير به إلى طروادة ! حيث مكانه هناك ، ويخلو المكان ، قاتله
يستحوذ على كنوز ، وثروة طروادة : تيجان ، خواتم ، كؤوس ، لفائف ، سبائك ، كلها
ذهب …اشتد الحصار ، خاف بريام على ثروته ، فليس هناك تراجع أو فرار من نار
الحرب ، فأوفد ابنه مع الكنوز ، فهكذا تستفيق كاسندرا من نومها وتصرخ " يا أبي
أن بوليدورس يصطحب معه قاتله " يتصايحون : هذا ذهب طروادة ! هذه ثروة طروادة !
ويقتل ( بوليمنسر ) ( بوليدورس ) ، وهذه كاسندرا تصرخ : ( أيها الأب العجوز
فقدنا الابن و الثروة ) ، وكاسندرا تغط في النوم ، وتستفيق دموعها .
سادسا : مقتل هكتور
كانت كاسندرا تراقب ما يجري عن كثب من فوق حصون طروادة ، وبعينين خائفتين ،
تخبط ، جزع ، جياد متهاوية ، عربات مدمرة ، دروع مصقولة ، والحرب شعلة كابية ،
وحكاية من حكايات التاريخ ، عجز عن الانتصار ، كانت تراقب الوجوه : أشباه ،
تطعن حتى الموت ، ذكرى لا تمحى ، الزمن كفيل أن يفضحها ، بكت كاسندرا ، وكفت عن
البكاء ، لأنها تعرف نهاية الحرب ، مفجوعة ، كفت عن البكاء ، أجساد متدافعة ،
صراع حاد بالسيوف ، الزمن يرتد كفيل أن يفضح خدعة الآلهة ، صدمة أثر صدمة ،
ضجيج معارك ، مقتولين ، صيحة رماح مسننة مطعمة باللون الأحمر ، أجساد مدماة ،
فارس على صهوة جواد يسقط ، تسحقه الأقدام ، ضوضاء عالية مؤطرة بالصراخ ، خيول
يمتطيها أبطال ، عربات فوق عربات محطمة ، ملطخة بالدماء ، حصان يعدو ، خطوة
مسرعة ، أصوات حادة في نزاع ، ومغالبة ، ومتشاحنة ، هياكل كثيرة تلتم ، وتفترق
،أشعة الشمس متوهجة ، دم شاحب ، هياكل مرتجفة ، افتراس بالسيوف من عيون لامعة ،
خالية من الرحمة ، نفس عالم الحرب ، تنفتح عيون أوسع في لمعان الشمس : ( هكتور
، هكتور ) ، صرخة محارب ، يدعوه للمنازلة ، ينازله ، يقتله هكتور ، ويجرده من
سلاحه ، اغتاظ ، وحدق فيه بجهامة ، ذكرى مجيدة ورعة ، خالدة ، إنه ( باتروكلس )
صديق اخيل ، تنكر بأسلحة وعربة وخوذة أخيل ، انفضوا متفرقين ، غادروا ساحة
الحرب ، وتنبعث غضبة اخيل ، وصرخته : ( هكتور ، هكتور ) ، ويجن جنونه ، فيرتدي
عدة جديدة ، وينسى خلافه مع اغاممنون الذي استولى على سبيته ( برسيس ) ، وهو
يدور أمام الحصن ، والأسوار مثيرا الرعب في قلوب الطرواديين ، واثينا تحرضه على
المبارزة ، بينما ( زيوس ) يريد إيقاف الحرب التي أهلكت الكثير من الطرفين ،
إلا أن هيرا واثينا تعترضان على ذلك ، فتنزل اثينا من الأولمب متنكرة بزي أختها
( زيفوب ) لتعطي الجرأة لاخيل ، وتخدع هكتور ، مقتربة منه برمح ، ولكن اثينا
تساعد اخيل على تفادي الرمح الذي صوب تجاه اخيل ، فيلتفت ليأخذ الرمح من (
زيفوب ) فلم يجدها حينئذ يدرك أن اثينا خدعته ، ويبدأ النزال الكبير وجها لوجه
في مواجهة عنيفة ، يتقاتلان بشراسة ، بشتى أنواع الأسلحة ، وهكتور يقول " إذا
كان لابد أن أموت فلأمت على الأقل بما تتناقل ذكراه الأجيال الآتية " فيوجه
اخيل طعنة ، فيسقط ( هكتور ) على الأرض ، ويموت ، أمام زوجته ( اندروماكي )،
وأهله ، ويذهب اخيل بالجثة إلى خيمته ، وهذه ( اندروماكي ) تقول : ( لقد ذهبت
من الحياة ، وتركتني يا هكتور الفتاك أرملة في بيتك ، وفي حضني رضيع تعيس ابني
وابنك ، أخشى أن لا يبلغ مبلغ الرجال ، سيجتاحون المدينة ، وتنقلب أسوارها رأسا
على عقب ، أواه ، ذهب عنا المدافع والسبيات سيذهبن إلى السفن الجوفاء ) .
سابعا : تنبأ كاسندرا
الثالث
الآن السماء مرصعة بالنجوم ، وهكتور ينازل اخيل ، ها هي اثينا تخدع هكتور ،
إنهما يتقاتلان ، يتصايحان ، يتضاربان ، يسقط هكتور على الأرض ، أواه ، فقد قام
صراخ يدور من الحصن حول القتيل ، ها هو هكتور قتيل ، وجثته سحبت على الأرض ،
الآن أمام خيمة اخيل تتعفن ، أية مصيبة هذه ! هنا تولد الهزيمة ، شقاء مظلم ،
انه مات بسرعة ، دم أريق في ساحة الحرب ، وفي طروادة يولولن ، وندبن على الموتى
، هذا يقلق كاسندرا ، ويقلقها التنبوء الصادق ، الغضب يقبض على قلب كاسندرا ،
ليتها لم تملك التنبأ الصادق ، ضاق بها كل شئ ، وانعزالها في غرفتها يسحقها ،
ماذا ينفع الاختباء ؟! ويلك لك أخرجي إلى النجوم النورانية ، كم هو محزن أن قرص
القمر الناقص ! مع توهج خافت ، ويلقي ضوءا شاحبا ، هناك في السماء تبصر النجوم
ساطعة بلذة وتلهف ، أجل أطفأت شعلة طروادة بموت هكتور ، وأطفأت الحياة المشتعلة
، وحلة الهزيمة ، هنا في السماء أصوات لها صدى يتردد على الأرض : القمر ناقص .
القمر : أنت ساهرة ، يا كاسندرا !
كاسندرا : قل لي يا قمر ، متى تنتهي الحرب ؟
القمر : تنتهي بخسارة طرف من الأطراف .
كاسندرا : ومن يخسرها ، يا قمر ؟!
القمر : طروادة .
يبدو في خيال كاسندرا أن طروادة تشتعل ، وتحترق ، وكلها ستقع في الهاوية ،
يتصاعد النار في قصورها ، وتتشقق أعمدتها ، ويلمع اللهب في كل مكان، وتنهار
القصور ، وتزمجر النيران بأضلاع البيوت القديمة ، وتشتعل الأشجار ، وتتكسر ،
وتهتز الجذوع المنهارة ، كل شئ يتهاوى على بعض في اختلال مروع ، وتصفر النار ،
وتعوي ، وتسمع أصوات النساء والاطفال ، واختناق ، نزلت كاسندرا إلى أبيها راكضة
، وهي تصرخ : أبي ، أبي ، اسمع تنبوئي ولو مرة واحدة ! وهو يعد نفسه أن يتسلل
خفية في معسكر الإغريق ليطلب جثة ابنه هكتور من اخيل عارضا عليه ثروة مقابل
الجثة لتعبر روحه الهائمة على شواطئ ( أخيرون ) ، ولتعبر روحه إلى الدار
الأبدية ، فالتفت إليها ، وقال : ( ماذا تريدي يا كاسندرا ؟! ) ، فسقطت عل
قدميه ، وهي رافعة رأسها إلى وجهه ، فسالت الدموع من أبيها ، ورفعها من ذراعيها
، وقال : ( تكلمي ، يا كاسندرا ) ، كانت تذرف الدموع ، وتقول ، ( اعرض على اخيل
ثروة هائلة مقابل السلام والرحيل ، ليس فقط مقابل الحصول على جثة هكتور ) ،هز
رأسه ، وتحرك ، وهي تشيعه بنظرات أسف ، لأنه لم يصدقها ، فتسلل خفية إلى خيمة
اخيل ، وقابله وجها لوجه ضارعا ، طارحا فدية مقابل جثة هكتور قائلا :
بريام : أنا ملك طروادة اخترت أن أقبل يدك ، لتكون في موضع رضا ، يا لشقائي !
أتوجه إليك كأب بقلب مكسور ، صافي ، نبيل ، وروح تعاني العذاب ، ووجهي شاحب منذ
أن قتلت هكتور ، وجثته لا تزال في العراء ، أريد أن أقدم له مراسيم الموت تليق
به كأمير ، مع كل هذا أعرف إنك حانق على هكتور ، قتلته ، والانتقام لا ينبغي أن
يدوم مع الموت .
اخيل : إن ما يحدث في الحرب أمر مروع ، فأنا أعاني من الهموم ، والغموم والدم
المسفوح ، فلازال الشحوب المفرط يغطي وجهي لموت ( باتروكلس ) ،خذ الجثة ، وخذ (
برسيس ) معها .
وعقدت هدنة أحد عشر يوما بغية إنجاز مراسيم دفن هكتور .
ثامنا : تنبأ كاسندرا الرابع وحصان طروادة
الريح لا تسكن ، والأيام تمر على حصار طروادة ، فانجم يهرب والقمر يختبئ ،
وشريعة الحرب خداع ، وعرفها الدماء ، فساءت أحوال الإغريق على اختراق حصون
طروادة ، حينئذ يقوم اوديسيوس أكثر الرجال حيلة وذكاء ، بخطة تمكن الإغريق من
الدخول للمدينة ، فيوهم الطرواديين بأن جيش اغاممنون انسحب ، ويتم صناعة حصان
ضخم عظيم من الخشب ، ليدخل في جوفه أشجع المقاتلين الإغريق ، وعلى رأسهم
اوديسيوس ، فمن المعتاد لا أحد يثق بكاسندرا ، وهي تصرخ : ( هذه خدعة يا أهل
طروادة ، سوف لن تعرفوا الراحة ، فلا تدخلوه المدينة ، لأنكم ستكونون أول
ضحاياه ، فمعلفه أنتم ) ، بل يصدقون العميل السجين الإغريق ( سينون ) الذي ادعى
إنه نصر من الآلهة ، فهذه هدية السلام ، وإن الحصان مقدس ، ويجلب حماية الآلهة
، وفي خضم فرح الطرواديون بالانتصار المزيف يقومون بإدخال الحصان الذي وجدوه من
بقايا جيش اغاممنون ، وعندئذ يأتي الليل ، ويخرج الجنود من الحصان ليستولوا على
أبواب المدينة ، ويفتحونها للجيش الذي يعود سريعا ، فيعيث فسادا في المدينة حتى
أصبحت تحت سيطرتهم ، فنثرت شرر النار في دوي هائل ، وعم عياط ، وزحام ، واصطدام
، وتدافع ، والتحام بين الجنود ، وتلك شعلات متوهجة ، ودخان يتصاعد ، والعالم
يضيق ، على الطرواديين ، في ضوضائهم ، وضجيجهم ، وآلاف النيران تحترق في
المدينة ، وآلاف السيوف تطعن من الخلف ، وكاسندرا تتمتم : ( يا لكم من شعب ،
كيف تتجاسرون على تدمير طروادة ) ، فهي شاحبة واقفة بعيدة مهمومة وحدها بين
الخرائب ، أواه ، كم قلبها ينقبض ! حائرة ، فزعة ، إلى أين تذهب ؟! دمرت طروادة
، الرجال قتلوا ، النساء سبيات ، البيوت تشتعل ، يا للويل ، لقد قضي على طروادة
، لتهرب الفتيات بعد أن ارتعن من الخوف ، إلى أين يهربن ؟! من يستطيع الهروب ؟!
صراخ في يوم الموت والقتل ، طروادة المخربة ، ليلة من ليالي طروادة لما سقطت ،
الاضطراب محتدم ، والصراع محتدم في ساحة المعركة ، فهذا باريس يرمي بسهمه ،
ويصيب أخيل في وتر كعبه ، ويقتله ، وهو يبحث عن (برسيس ) لئلا تقع في يدي جندي
إغريقي ، ونفسه باريس يتلقى سهم من سهام هرقل التي يطلقها ( فليوكتيتس )، ويذهب
إلى زوجته ( أونونة ) فترفض معالجة جروحه ، ويموت ، ، ولكي تكفر عن ذنبها تنتحر
، وهذا مينلاوس يحرر هيلين من زوجها ( ديقوبس ) ابن مريام و هيكوبا الذي تزوجها
بعد مصرع باريس ، غير أن ( مينلاوس ) مثل به ، وذبحه لدى سقوط طروادة .
لهيب النار يقفز من بيت إلى بيت ، وينتشر في طروادة ، ومن يهرب يشاهد الدخان
والحرارة والنيران ، المتواثبة ، وبفعل الرياح دمرت الأسوار ، فزع ، ورعب أزاء
من يشاهد ، وهذه كاسندرا إنها تتهاوى في مكانها ببطء كما لو أنها صنم ، ليس
فيها حياة ، بنظراتها المتحجرة أشبه بعين ميت ، لم تغلقهما بد ، فعرفها المقاتل
الإغريقي ( ليزر أجاكس ) فنزل إليها ، وأغتصبها في الخراب ، إلا أن اغاممنون
أخذها منه ، فصارت سبيته ، وقيل أن سفينة ( ليزر أجاكس ) قد تحطمت أثناء العودة
لوطنه ، وعاقبه إله البحر ( بوسيدون ) فأغرق سفينته ، وأغرقه لغروره ، فمات في
البحر غريقا .
تاسعا : تنبأ كاسندرا الخامس ومقتل اغاممنون
أهوال فضيعة في مدينة الاشتعال طروادة ، والمعذبون من الطروادين لا أمل لهم في
النجاة ، وجنود الإغريق يسحقون كل شئ ، ويستأنفون الطريق في السحق ، وفي
الزوايا يستكشفون الكنوز ، أهوال فضيعة حتى أصبحت طروادة جرداء في خراب ، أية
حماقة هذه ! حينما يمسكون بالهرب ، هالة من المجد تسقط ، طبائع تحد آثارا لا
تمحى من شيمة الجحيم بذاته ، الحق أن الإغريق أفرطوا في التدمير والقتل ،
وأظهروا كل شجاعتهم في الذبح ، لأن اللهيب يغريهم ، يا للفضيحة ! كل هذا لا
ينتسب للبشر ، الاضطراب ، والقهر ، لا يمكن تحمله ، أما ما بقي من ثروات فوزعت
بين الأبطال ، بعد أن يقترع عليها ، فكانت من غنائم اغاممنون كاسندرا ، وهي
تنظر إلى أحمال الذهب مع اغاممنون ، فقالت له : ( دعني واذهب أنت وحدك إلى بلدك
( أرغوس ) انك تحمل قاتلك معك خلف باب قصرك تلتمع شفرة البلطة ، فواجهها وحدك
ودعني هنا فخير لي أن أهيم في خرائب مدينتي من أن أقتل في دهليز قصرك ، سينتقم
ابنك ، ولكن ما قيمة الانتقام إذا وقع الفأس في الرأس ، وفات الأوان ) فدار
عنقه بحثا عن الكنوز ، وهذا ما حدث له ، وهو يحرك رأسه صوب الغنائم ، وهو في
نزاع مرير مع القرعة ، وكانت نظرات معادية حادة لكل شئ طروادي ، وهذا ما يليق
به كغازي ، ويسره الأمر ، ويبدو له طبيعيا ، فبعد العشرة من السنين التي خاضها
قائدا للجيوش يعود إلى مملكته ( ارغوس ) مستصحبا معه كاسندرا التي اغتصبها في
السفينة أثناء العودة لوطنه ، وهي تقول :
كاسندرا : أنا أفزع من رؤيتك ، أنبذك ، وأنت تشعر بالنصر ، والفخر على أميرة
طروادية .
اغاممنون : أنت بثوبك الطويل المحتشم تثيرين الرغبة المحمومة .
كاسندرا : تأمل نفسك بعمق واستبصار ، أنت تنعم بفريستك كما لو هبطت عليك من
السماء .
اغاممنون : إلى من تشكين الآن ، من يعيدك إلى الخراب ، طروادة أصبحت في
الذكريات .
كاسندرا : لقد انتزعتم النصر بمكر ودهاء ، وهذا يدعو إلى العار .
اغاممنون : الحرب كانت لذة دنيئة ، والمحنك فيها سيطر في النهاية عليها ، وسقوط
طروادة لم يكن بالأمر الهين .
كاسندرا : تبختر صامتا ، وعش لهيب النشوة الدائمة ، ولأعش أنا ألمي الذي يغلي
في صدري ، نجمتنا اللامعة ، بذرة الحياة طروادة قد نفذت السهام في ظهرها ،
والرماح في صدرها ، سحقت للابد ، يا ويلاه .
اغاممنون : عصفت بروقنا فوقها ، وهوت تحت الأقدام ، واعدم كل شئ ، ألم يكن هذا
انتصار ؟!
كاسندرا : المكر والخديعة …وستهبط البلطة الحادة الفضية عل رأسك حين تطأ عتبة
باب قصرك.
وقفت كاسندرا قرب سياج الفينة ، وهي تنظر إلى الأمواج ، والويلات حدثت لها ،
وأودت بأرواح غفيرة من الأبطال البواسل إلى الموت ، والأولمب في خلافات الآلهة
، وحروبهم ، كم تمنت أن تبقى في طروادة المخربة ، وهي تتنبأ بموت اغاممنون
فزوجته ( كلوتيمسترا تعد العدة مع أخيه ، عشيقها ( أوجست ) على قتله ، وزوجته
لا تريد أن تراه ثانيا عجوزا في مملكتها ، فلا يحميه صولجانه الملكي ، وأوشحته
، وكاسندرا كانت تفكر في نفسها إنها ستشيخ في بلد غريب ، وهي تغزل على النول ،
لا، سيكون مصيرها البلطة الحادة الفضية أيضا ، مثلما ذبح الإغريق الطروادين ،
كم حاولت أن تقنع والدها بريام بتنبؤاتها الصادقة ، لم تفلح على الإطلاق في
ثنيه عن عزمه بقبولها ، لأن الإله ابولو انتقم منها ، لأنها لم تستجب إلى حبه
،لم تستجب إلى لهيب النشوة ، فكان حبه مثل هاوية صخور ، لا يمكن الإستقرار
عليها ، أهي المذنبة بكل ما حدث ؟! كان هذا السؤال يعذبها عندما رست السفينة في
الميناء ، ونزلت مع كنوز طروادة إلى الأرض ، وسارت خلف اغاممنون ، وهي متوترة ،
خائفة ، بعد أن تنبأت بمصيره ، فما أن وطأت قدم اغاممنون عتبة باب القصر هبطت
البلطة على رأسه ، وقتلته ، تسمرت كاسندرا في مكانها لأنها تعرف أن دخولها
بوابة القصر الكبير ، يعني أن البلطة تنتظرها ، وطالما حذرت اغاممنون ورجته أن
لا يربط مصيرها بمصيره ، خرجت كليتيمنسترا من القصر ، وخاطبت كاسندرا التي
تسمرت في عربتها أن تنزل ، وتدخل القصر ، القصر الذي يحفظ أسرار التاريخ ، لم
يدم ذلك للأبد فالتاريخ يتكرر بمعاناة ، فها هي أبنة بريام و كليتيمنسترا والتي
تدعى ( إلكترا ) تشجع أخاها أوريست على الانتقام ، فيقوم بقتل العم أوجست ،
والأم كليتيمنسترا ، فتظل تلاحقه ربات العذاب على جريمته قتل الأم ، إلا أن
اثينا تتدخل ، وتعفو عنه ، ويزال العقاب ، إلا أن عقاب التاريخ عما كل ما حدث
لا يزال .