حمودي عبد محسن
أولا : المفاجأة
استيقظ السيد الرئيس ضجرا في صباح باكر ،
غائبا في حيرته ، متوجسا من نفسه ، بعد أن سرح
نظره إلى جسده ، كاد يقر في داخله ، أنه لم
يعد دكتاتورا اليوم .
– هذا شئ غريب .
هذا ما ردده مع نفسه ، إذ اليوم لم يستطع أن
يخاطب قوات أمنه التي تقمع الشعب ، و لم يستطع
أن يتحدث عن عرائس الجنة أو الجن القابع في
ظلمته ، فسلطته خارت ، و إنه لم يعد أيضا
قادرا أن يتحدث مع الكواكب الأخرى ، و يمد
نفوذه إليها ، و إن حكمه لم يعد أبدي ، متوارث
عبر الأجيال ، فكل شئ انهار في هذه اللحظة
المشؤومة ، هذا ما أقلقه ، إنه يريد أن يتواصل
حكمه ، و يتوارثه الأبناء .طالت نظرته ، ثم
قصرت ، ثم استحالت إلى دهشة لم يكن يصدق أن ما
يراه هو جسده ناعم ببشرته البيضاء ، و لم يصدق
أن يرى انتفاخ نهديه ، جالت عيناه في الجدران
، حينئذ استقرت أصابعه في السرة ، و طالت إلى
تحتها ، و إلى الساقين الطويلتين اللتين
أصبحتا ناعمتين مثل ذراعيه ، و هو رهينة صمت ،
و مفاجئة ، يتوسطهما ارتجاف .عبثت في دروب
جسده ، ثم كفت عن بحثها ، لتنفض كل ما تعلق
بها من زغب ، و شعر متساقط ، تناثر ليلتصق
بالفراش الوثير .دقق في كامل جسده ، وجد فيه
تغيرا .حدق في زوجته العارية النائمة بجنبه
.إنها أنثى رائعة تشبه نعومة جسده ، أنفاسها
في يأسه المطلق ، متفتتة في بقع الألوان
المتناثرة في عينيه .نهض من سريره ، و مشى إلى
الحمام ، فتعلقت عيناه بالمرآة ، كان وجهه قد
تغير أيضا ، أما شعر رأسه فطال على غير توقعه
حتى بلغ كتفيه ، اهتزت شفتاه ، و هو ينصت إلى
صوت في داخله :
– ملعون ، مطرود أنت من جنس الذكر .
غسل وجهه ، ثم ثبت عينيه في المرآة ، و رأى
ثانية وجهه ، أنه وجه أنثى .جلس القرفصاء في
حوض الحمام ، خافيا وجهه بين ذراعيه .لا يدري
أين يختبئ ، موقنا أن ما يحدث له أمر لا مفر
منه .دخلت زوجته و نادته باسمه ، إلا أن شعر
رأسه الطويل أثار دهشتها ، فتوقفت صامتة حائرة
، ساكنة في مكانها لبضع لحظات تنظر إليه ،
فرفع رأسه بعد أن امتلأت عيناه بالدموع . شهقت
، و تراجعت إلى الوراء ، ثم ألقت نظراتها على
كامل كينونته الجديدة ، و لتستقر في الصمت
القاسي ، و الذهول كأن الزمن توقف هنا .أشارت
بيدها نحوه ، و تمتمت بصوت مرتعش :
– أهذا أنت ؟!
همس بصوت إلى الحد الذي لم تسمعه :
– أجل …أنا…
هزت رأسها غير مصدقة .ربما – سيطر عليها
وهم وحشي لا تعرف كيف تقابله أو تتخلص منه …
لا …هذا ليس تخيلا أو تصورا …كانت تتأمله
باستغراب ، ثم اقتربت منه ، انحنت ، و راحت
تتفحصه ، و أخذت تداعب رأسه لتواسيه في محنته
، فاحتضنها باكيا ، و هي تشده إلى صدرها ، و
تهمس بارتباك :
– ماذا جرى في عالمنا اليوم ؟!
فقال بصوت مخنوق متذمر :
– لا أدري…
كان صوتها يرتعش :
ماذا يحدث في بلادنا ؟!
فقال بامتعاض ، و بصوت غير واضح :
– العالم تغير…
قالت بنبرة رافضة :
– إنها معجزة…
في بادئ الأمر اعتقدت الزوجة أن كل الرجال –
لربما شملهم هذا المسخ ، و إن الدنيا اختلطت
في التحول – رجالا ، و نساء – هذا أرعبها ،
لأن الدولة ستنهار ، و المجتمع سينهار ، و
العائلة ستنهار ، حيث أن تبادل الأدوار في
تغير الجنس ، سيكون فوضى لا عاقبة لها ، و هذا
لم يحدث إطلاقا في تاريخ البشرية ، و عصور
الإمبراطوريات ، و لم تقرأ عنه في الكتب
السماوية ، و الأرضية ، ماذا يحدث لو شمل هذا
التغير الحيوانات أيضا سواء كانت مفترسة أو
أليفة . تملكها تشوش ذهني ، فأخذت تتطلع إلى
وجهها في المرآة ، وجدته لا يزال جميلا ، و لم
يتجعد جلده ، ليكون خشنا مثل وجوه الرجال ،
اعتقدت أيضا لربما تكون – عقوبة سماوية
لامتهان زوجها التنكيل بالأطفال – لتجعله يعرف
كيف تتحمل الأم حتى تنجب وليدها بالصراخ ، و
الدم ، و كيف وهبت كأم للحنان ، لم تكن تصدق
اعتقاداتها ، فخرجت مسرعة ، و هو يسألها :
– إلى أين أنت ذاهبة ؟!
فردت بانزعاج :
– سأعود…
وقفت في الصالة ، تنادي على الخدم – رجالا و
نساء – و تتفحصهم ، وجدت أن المسخ لم يشملهم ،
و لم يشملها ، بل إنه فقط يشمل زوجها ، فرجعت
إليه ، و خلعت ملابسها ، و راحا يستحمان سوية
في حوض الماء برغوة الصابون ، يتفكران ،
يشيدان عالما خاصا بهما ، سوف لن يدعا الحياة
تفلت منهما ، و لن يدعا سلطتهما التي تمتد إلى
خارج البلاد تضيع منهما ، هذا ما اتفقا عليه ،
و اتفقا أن يرفع الرئيس ذراعيه ثم يخفضهما ، و
يرفع ساقيه ثم يخفضهما ، لتفرك الزوجة جسده
بإسفنجة حمراء صغيرة .حاولت أن تحرره من تلاطم
القهر في داخله ، و ينسى صرامة وجهه السابق ،
و كثافة الشعر في ذراعيه ، و ساقيه ، و ينسى
أيضا صوته الخشن ، و تبعث فيه وداعة امرأة
.إنها حاولت ، و هو يرفض ذلك ، و يرفض أن ينسى
مجده كرئيس ، مجده في قتل الناس ، إذ كان يفرح
لموتهم ، و ود أن يمتهن صنعة الموت ، ليتفنن
به ، و ليخاطب البشر : ( إنكم في قبضتي ) .كان
يحن إلى كل شئ يفلت من يديه ، فحلق بخياله إلى
مواكب الجماهير التي تهتف باسمه : ( القائد
العظيم ، قائد الأمة ، يحيا الرئيس ) ، و
الاستقبالات الفاخرة التي تهيئ له .مدت يدها
النحيلة بحذر إلى نهديه ، و بطنه ، ثم تراجعت
، و تعجلت الوثوب لتخور في أسفل السرة ، و
لتشق طريقها في غابة الشعر ، و صفقت أصابعها
فوقها .كل شئ على ما يرام .إنه أنثى أيقنت أن
التحول شمل ذلك الجزء الذي تدلى كتمثال ، و
الذي انزلقت منه سوائل الرجولة التي هبطت في
صحنها الأنثوي .أنهضته من ذراعه ، فوقف مطيعا
، منكس الرأس ، ينظر إلى أرضية الحمام بعينين
متقدتين ، فهو لم يعد كما كان سابقا .نشفته من
البلل ، و سرحت شعره ، و طلت شفتيه بأحمر
الطلاء ، ثم كحلت عينيه موصية إياه أن لا يفسد
الكحل الأسود بدموعه ، و أمرته بصوت طاغ :
– اذهب إلى السرير !
ثانيا : الكره
بزغت الشمس ساطعة على أبواب ، و نوافذ
قصره ، و رن التليفون في الغرف كما في صباح كل
يوم ، لتبدأ مراسيم ، و طقوس يوم جديد ، معلنة
، عن تفجر هياكل مرعبة قذفت من طائرات جيشه
على مجموعة متمردة من الجيش ، ( إنها محاولة
انقلابية فاشلة ) ، هذا ما قاله باستهزاء ،
لينحدر إلى حالته الشخصية التي يتفرد فيها في
هذا الكون ، يعاني منها بعد أن قضى ليلة سرية
مع زوجته ، لا يعرف عنها أحد .كان يعاني ، و
يتألم ، و يرتعش ، تتقلص عضلات بطنه المنتفخة
ثم ترتخي .يعاوده الألم ثم يختفي .أخيرا هده
في مضجعه ، فهمهم قائلا : ( إني أكره هذا
الوليد ) .كان يخاف هذه اللحظة التي يترقبها ،
و ها هي قد حانت .لم يفكر بشيء سوى كيف
يتجاوزها بصبر راح يحدق في بطنه بعينين
بائستين ، فاغر الفم ، مهموما ، و قد استقرت
يداه على صدره ، ما لبث أن دفن وجهه بهما كي
يدفع عن عينيه نظرات حانقة ،مزعجة .انزلقت
يداه إلى الفراش ، و توجه بالكلام إلى وليده :
( ماذا تريد ؟!…هيا…اخرج… ماذا تنتظر ؟… هيا
اخرج ؟! ) .صر بأسنانه ليتخلص منه ، إنه لا
يريد أن يراه أو يلمسه ، إنه أراد فقط أن
يقذفه بعيدا عن جسده ، و يتخلص من آلام المخاض
التي بدأت تنتابه .أفرج ساقيه ، و ضغط ، و
كلما ضغط أحس بآلام ، و خوف من أن يأخذ أحشائه
معه .إنه يكرهه .أصر في داخله فيما إذا تخلص
منه سوف لن يضمه إلى صدره ، و لن يرضعه . غمغم
بينه ، و بين نفسه : ( إنه يتحرك…لا إنه
يرقص…إنه يعمل ضجة داخل بطنه … ) . فجأة
اندفعت مادة سائلة صفراء من رحمه ، تلمسها
بقلق ، ثم تبعتها قطرات دم دافئة .كانت ساقاه
ترتجفان ، فثبت كعبي قدميه في الفراش ، و ضغط
، أخذ نفسا عميقا ، و ضغط هذه المرة بقوة ، و
راح يتلهف لسماع صرخة ، راكم قوته ، و أراد أن
ينهض ليرى ما يحدث بين ساقيه ، إلا أنه لم
يفعل ذلك ، أخذ يهذر ، و تصبب جسده عرقا ، و
أحس بالإنهاك في كامل جسده ، و عجز أن يقذفه
إلى الدنيا ، فأرخى ساقيه ، و غاصت ذاكرته في
أعماق أحلام مظلمة : ( ضجة غاثية ، تائهة ،
أطفال في صراخهم ، و فزعهم ، أذرعهم مرفوعة
إلى السماء ، انفجارات ، و هو في كابوس حلم
المجانين – أنا إمبراطور عظيم – أذرعهم مرفوعة
إلى السماء ، أسراب الرئيس الطائرة تقتل ،
تهدم البيوت ، تحرق المزارع ، دماء تنزف ، صخب
، ألم ، عقاب ، كابوس حلم مجانين – أنا
إمبراطور عظيم – أطفال ترتفع أصواتهم ، أذرعهم
مرفوعة إلى السماء ، و هو في حلم المجانين )
انفتحت باب الغرفة ، و ظهرت منه زوجته متألقة
بثيابها الوردية الفاخرة ، فأسرعت مرتكبة ،
قائلة :
– ماذا بك ؟
– مخاض …
عرته من ثيابه ، و وضعت قطعة قماش بيضاء في
فمه لتلغي صراخه ، و تأوهاته ، ثم حثته أن
يضغط .جاهد بيأس أن يضغط ، ذلك ليس سهلا أن
يقذف الكائن الملتحم بأحشائه إلى خارج جسده
.صرخت زوجته بانفعال : ( اضغط …شد …حاول مرة
ثانية …) . أحس بكتلة هائلة متحركة تنفصل منه
، مصحوبة بشهقة ذهول من زوجته ، و صراخ متواصل
لوليده ، سارعت الزوجة لقطع الحبل السري ،
لقطع حبل الصلة بينهما ، و هي تردد بحيرة : (
طفل مشوه …طفل مشوه…) .كان الطفل كبير الرأس ،
طويل الوجه ، عيناه واسعتان دائرتان ، أنفه
غائصا في وجهه ، فمه صغير متعرج ، يداه
قصيرتان منحدرتان من صدره ، ساقاه قصيرتان
كأنهما ملتصقتان في جسده .لم تكن الزوجة تصدق
ما تراه ، فلفت الوليد بمنشفة بيضاء ، ثم ذهبت
مسرعة إلى الحمام ، و قد لطخ الدم يديها ، و
ثوبها ، أما هو فأغمض عينيه ، و انتابه إحساس
بالراحة ، و البهجة ، إذ تجاوز آلام المخاض ،
و انفلات المخلوق منه الذي أثقل جسده ، و عذبه
، إنه سيعود إلى سلطته ، سيعود إلى الجماهير
التي تهتف باسمه ، إنه سيقمع ، و يبطش ، و
يقتل كل من يقف في طريق تحقيق حلمه العظيم –
إمبراطور عظيم – يمتد نفوذه إلى الكواكب
البعيدة الساطعة فوق كف يده ، إنه الإمبراطور
العظيم الذي خرج من مخاض التاريخ القديم و
الحديث ، دكتاتور من نوع جديد .خرجت الزوجة من
الحمام مرتبكة بعد أن غسلت المخلوق الغريب ، و
مشت مضطربة إلى غرفة مجاورة ، أرقدته على
السرير ، ثم عادت إليه مفزوعة لاهثة ، متصنعة
ابتسامة ، و هي تقول :
– إنه ولد ، هل تريد أن تراه ؟
– كلا…
– ماذا أفعل به ؟
– ارميه في القمامة .
ثالثا : الاسترشاد بأسطورة قديمة
وقفت زوجة الرئيس على ساحل البحر ، متخفية
بملابس عادية ، زرقاء ، و ربطة حمراء ، و
عوينات سوداء ، وقفت تتأمل البحر ، عيناها
مثبتتان إليه ، لا تحيدان عنه كأنهما مسمرتان
فيه ، مسمرتان في انعكاس ضوء شمس الصباح على
أمواجه الهادئ .وقفتها مأخوذة بضوئه ، و بحلم
زوجة إمبراطور ، و عائلة إمبراطور ، فسلطتها
تمتد إلى عمق ، و سعة ، و أنفاس بحر ، كل شئ
في البعد نفوذ ، و تدبير ، و تحكم ، أما إذا
هاج البحر ، إذا غضب ، إذا جن ، فبعده في
أمواجه العالية الفتاكة ، و قد يسقط نفوذ
البعد ، و سلطة الإمبراطور تمر في مخاض ، كل
شئ يمر في مخاض ، و يخرج من مخاض الدم أو
المياه أو الأعوام ، الآن الدكتاتور يمارس
مهام الدولة بارتياح بعد أن خرج من مخاض عسير
.الآن ، أمامها تماما بحر صاف ، أزرق ، بارد ،
عار من شراع ، فقط نسيمه يضرب وجهها ، فقط أن
نظراتها ترحل ، و تعود ، و تغيب في عمقه ،إنه
بحر لا نهاية له ، كانت تتأمله ضائعة في مداه
اللامرئي ، تراقب سعته قبل أن يراقبها غريب .
لم تلوح لها الأمواج كي تكف أن تتأمل أو تراقب
، فللبحر سعة ليس فقط لنفوذ و سلطة الإمبراطور
العظيم ، بل و كذلك للسلة الصغيرة التي تحملها
بيدها سعة فيه ، و حيث يرقد الوليد ، و هو
يتنفس بهدوء ، ملفوفا بغطاء لا تنفذ إليه
ملوحة البحر .نزلت بخطوات بطيئة إلى البحر .
وضعت السلة على سطحه ، دفعتها مع الأمواج
الخفيفة ، فتلقفتها ، كانت السلة تطفو ، و
تبتعد ببطء ، و ترحل ، و تبحر لوحدها ، فيها
رضيع لا يفهم عمق البحر ، و رحابة زرقاء ،
مهده سلة مرفوضة ، منفية ، تهزها الأمواج ، و
تداعبها برقة .توارت السلة عن أنظارها ، و
انطلق خطاب مثل إيقاع أمواج البحر ، و البحر
يستوعب صرخة واحدة ، صرخة ثانية ، صرخات
الرضيع الذي أنهكه الجوع .