حمودي عبد محسن
في كل مساء من
أيام عطلتنا التي قضيناها في جزيرة اليونان ،
كنا نذهب إلى بستانه الجميل الذي يقع في
المدينة القديمة ، وفي سوقها الرئيسي ، وخلف
سور عال ضخم لقلعة عظيمة ، تجسد سنوات الحروب
، وأبطال ملاحم شعر الإغريق ، والآلهة الراعية
لأوديسوس ، إذ في هذه الجزيرة وقف تمثال رودس
العملاق ، وهو من عجائب الدنيا السبعة ، وقف
إجلالا لإله الشمس هيليوس ، ساقاه متباعدتان
تمر من بينهما سفن السلام والحرب . البستان
عبارة عن مطعم هادئ ، في مدخله ببغاء كبير
زاهي بألوان ريشه الأخضر والأصفر والأسود يقف
على جذع شجرة قديمة ، يرحب بالقادمين من بعيد
، وتزين البستان أشجار خضراء مثمرة بأنواع
الفواكه التي تتدلى من غصونها إلى أسفل ،
وهناك عين ماء رقراقة صافية تحيطها زهور تبعث
روائح عطرة ، وأضوية خافتة تبعث ضياء أشبه
بألوان قوس قزح ، وتمتد أيضا ساقية ضيقة
ملتوية ، وملتفة على حافات البستان يخرخر فيها
ماء عذب . كنا نجلس أنا ومحبوبتي قرب عين
الماء ، نستقي شرابا أحمر من يد ناعمة لفتاة
حسناء كأنها عذراء هذا البستان ، ننتشي في
الشراب فرحا وبهجة ، وأكثر ما كان يثير البهجة
هي تلك العصافير المزغردة بأصوات لطيفة تتردد
في البستان . وينما كنا في طقوسنا المسائية
المعتادة البهيجة جلسا فتى وفتاة ليس بعيدين
عنا تحت شجرة مشمش محملة بثمارها الناضجة
الزاهية بلونها ، وقد كانت الفتاة تذرف الدموع
بصمت والفتى ينظر إليها بذهول واندهاش ، لا
أدري لماذا اعتقدت حينها أنها دموع حزن الفراق
أو الوداع الأخير ، وأنا أعرف أن آلهة الإغريق
لا تبارك دموع الحزن ، بل تبارك دموع الفرح ،
فتجلت لي أن هذه الآلهة لا قلب لها ، وأنها
آلهة ملوك وأباطرة وأبطال حروب ، وأنها قاسية
متعصبة ، غير مرغوب فيها ، غير جديرة بالعبادة
، وقد غدت لي إنها غير موجودة على الإطلاق ،
بالرغم من أن قدسيتها كانت طاغية على شعب
اليونان في زمن قديم . لم تمر لحظة انفعالية
لهذا المشهد حتى نظرت باستغراب إلى وجه
محبوبتي الذي توهج بسرعة تأسفا لفيض الدموع
مثل نهر نيزك ، وغالبا ما كان يلوح في سمات
وجه محبوبتي ذلك الطابع الذي يعبر عما في
داخلها ، خاصة وراء نظرتها الثاقبة ألف تفسير
، المرتبطة بتغير ملامح وجهها ، إذ نظرتها
كانت فيها ملامح حزن نحو البعيد كما لو أنها
أرادت أن تخلدها في هذه اللحظة بالذات ، إلا
أنني اكتشفت أنها تبدو أقوى من المعتاد ، ونحن
ننظر في اتجاه بعضنا بشيء من الحنان ، بشيء من
الألفة في نفس الوقت ، لكن نظراتها بدت لي في
هذه المرة فيها شيء من الغرابة ، وإفراط في
الابتعاد والحزن والقلق ، لذلك بدت لي أن
الأمور قد لبست رداء الحيرة ، والتبست أكثر
مما عليه ، فخرجنا من البستان بعد أن دفعنا
فاتورة الحساب ، واتجهنا نحو ساحل البحر من
نهاية السوق .
كنا نمشي على ساحل البحر كمن انبثق من ليالي
ألف ليلة وليلة ، نتنشق أنسام البحر العذبة ،
وطيف سرور يصلنا من عمق العصور كي تتعلق
عيوننا بنجوم السماء المتلألئة فوق هذا الكون
العجيب ، وفي داخلنا إحساس بحب الأرض ،
وكنوزها ، وروافدها ، وسعتها غير المتناهية ،
لتجبلنا عليها بود ، ونعيش أحلام ثراها ،
ونعيمها ، وكذلك نعيم السماء ، في برهة سعادة
الروح ، حيث كانت أصابعنا متشابكة مسحورة بهذا
الكون ، آنئذ تعانقنا بحب وشغف ، لتناصرنا
صرخات من البحر التي بدت في صمتها مدوية ،
لتضفي سر الوجود العظيم علينا ، وجودنا
الحقيقي نحن الاثنين ، بجوهر التأمل لأنفسنا ،
ولما حولنا . فجأة رحت أصغي إلى أصوات أخرى ،
تلك الأصوات الغامضة التي تأتيني من بلادي ،
ومن شبح مآسيها . لم تكن الأصوات متشابهة ،
فهي ليست أصوات ملائكية ولا سماوية ، ولا تشبه
أصوات آلهة الإغريق ، بل أصوات شعب يكاد يكون
في دموع حزينة ، هذه الأصوات التي كنت غالبا
أجد نفسي تحت تأثيرها ، لذلك التفتت إلي
محبوبتي ، خاصة وهي تعرف جيدا عندما أسهو في
البعيد ، وأسرح في الخيال ، وأطلق العنان
لذهني ليجول في الذكريات ، فقالت بنعومة
لتواسي عبادتي لهذا الشرود :
– هل جاءتك أصوات الوطن ؟!
كنت أمزق صورا لخيبات بلادي المتلاحقة ما بين
الضوء والعتمة ، وأنا أقول :
– للأسف ، ليس للعراقيين حياة ، ليس لهم سوى
مصير .
حينئذ كنت أرغب أن أسمع موسيقى سومرية عذبة ،
تملأ روحي أنغام فرح ، أو أصوات بهيجة من آلهة
بابلية تعظم هذا الوجود التي هي الأجدر بذلك
إلا أنني لذت بالصمت ، وأنا أطوف بخيالي إلى
عذراء بلادي ، وهي تتغنى بأغنية بلادي منبعثة
من صميم قلبها في حمرة غروب الشمس ، وتتمطى
شاطئ دجلة مثل غصن بان .
تركنا ساحل البحر ، واجتزنا شارع وساحات ضاجة
بالسواح ، حتى انحدرنا في زقاق الترف الطويل
الذي يؤدي إلى الفندق ، والزقاق كعادته في كل
ليلة يزدحم بأصحاب الهوى من الشبيبة
المخموريين ، والمتشبعين بالمخدرات ، الصاخبين
في ضجيج الرقص والموسيقى ، والخلاعة .صعدنا
إلى غرفتنا ، وجلسنا في شرفتها التي تشرف على
الزقاق ، والبحر ، لم تأخذنني عجائب البحر ،
ولا عجائب الهوى إلى عوالمها ، بل أخذني القمر
بعلوه وبهائه وبياضه ، وأنا أضع اليد اليمنى
لمحبوبتي على صدري ، لأفتخر بملمسها في حركة
ذات مغزى أشبه أن تكون استعراضية للحنان
والوجود وعدم الافتراق وكأن في هذه الحركة
تجلى وعد خالد بيننا دون شهود ، دون اتفاق ،
وعد في صمتنا الأزلي . وضعت رأسها على كتفي
مسترخية ، وهي تطرف بعينيها ، وتبتسم ابتسامة
لطيفة خفيفة ، وقد توردت وجنتاها تحت سماء
زرقاء مشعة فوق كل شيء ، مطرزة بالنجوم ،
أحسست بدفء أنفاسها الناعمة ، كما لو أن نسمة
من عبيرها لفني بأريجه . كنت مسحورا في هذا
النقاء الذي يجمعنا في ليل منور متألق بضوء
القمر ، ونحن ومضة في ظلاله على الأرض ، وفي
الصمت الذي تحرسه روح الليل المقدس ، صمت كان
يدحض ، وينفي الدموع الحزينة ، صمت لم يكن
خاليا من البعد والمحتوى العميق كعمق بحر ،
لذلك عززته في الكلام حين سألتني بخفوت :
– نحن لن نفترق ، أليس كذلك ؟!
هكذا كنت أديم النظر إلى السماء ، وأنجم تقتاد
مع الليل أنجما ساطعة ، وتحكم ليلي المنور ،
وأنا أكرر :
– بالطبع …