الثور السماوي

عدد المشاهدات: 2التصنيف: مقالة

حمودي عبد محسن

فجأة اكتشفت أمام ناظري مشهدا خالدا ، تلقيته من خبرتي في قراءة ملحمة جلجامش ، ليس كمتفرج لاستعراض أو احتفال طقوسي ، بل كمشارك على نحو فعال ، احتفظت به في ذاكرتي دون إرادتي ، كأنه شيئا لأفهمه ، أو يطالبني أن أفهمه كي انتمي إلى شئ من الماضي _ زمان أوروك _ بالطبع تطلب مني ذلك نشاطا عقليا ، لأنه في مواجهتي مباشرة ، و لأكون أكثر إشراقا في مشاركتي له ، ومرتبطا ارتباطا وثيقا به ، ليعطيني مساحة حرة املأها بنفسي _ الثور السماوي _ جسم ، ولحم ، ودم ، وفروة سوداء ، له أعضاء من أطراف ، ورأس ، فهو كالثور له لسان ، وعينين ، وأذنين ، وقرنين ، وذيل ، وله جسم لا كأجسام الثيران ، ولحم لا كلحم الثيران ، ودم لا كدم الثيران ، وكذلك كبر قرنيه ، ووزنه ، وثخنه ، فهو فريد يستعرض _ تراجيديا السماء _ يقودنا إلى شئ آخر وراءه ، فهو لم يمثل نفسه فحسب ، ونرتعب إلى منظره الفردي ، ولا نفع في تداعيات هذا الأمر ، انه دلالة وخبرة جزئية تدعي إلى خبرة كلية ، فخواره الأول قتل مائة رجل ثم مائتين وثلثمائة ، وقتل في خواره الثاني مائة ومائتين وثلثمائة كما ورد في ملحمة جلجامش ، إنه حضور مرئي لشيء من الماضي ، واستبصار جرئ يستحوذ على مخيلتي ، لابد لي من معاينته ، لأستخرج الصورة المتخيلة له ، أنني أجد فيه مشهدا قاتما بذاته ، أجد فيه شيئا آخر في اللامعقول ، ألتمسه كمشهد إلزامي ، وهو استجابة لذاتي ، وتعميم جزئي لتصوري الذهني ، لا لبس في شرعية ملحمة جلجامش ، أنه يسرني أن أتخيله بدرجة أكبر في التصورات الذهنية ، وهو من معاينة النص رمز للجفاف وانحباس الماء ، ورمز القوة أو الخصب ، وعلاقته بالألوهية المؤنثة ، فتبدت منه الأم الكبرى ، وهو صفة ملازمة على الأرض للإله دموزي _ تموز كما ورد في مناحة عشتار : ( إليك يا ثوري البري الذي في القفر ، ويا حلمي الذي في القفر ، أتوجه بصلاتي ) ، وصور أيضا بآلهة السماء…فعندما عاد الملك جلجامش مع صديقه أنكيدو إلى ( أوروك ) من غابة الأرز بعد قتلهما خمبايا _ حارس الغابة _ كان جلجامش مزهوا ، متغطرسا ، وفي لحظة التقته عشتار متوسلة به أن يقترن بها ، ويمنحها بذرتها ، لم يستجب لها ، وراح في تقريعها ، وعيرها بعشاقها فأدركت أن سلطتها الأنثوية في تضعضع ، فصعدت إلى أبيها ( آنو ) إله السماء في مجلس الآلهة للحصول على الثور السماوي السحري ،وطلبت منه أن يكون ضخما ، يهبط إلى الأرض ، ويدمر ( أوروك ) ويقتل رجالها ، وفي مقدمتهم جلجامش ، ويحدث فراغا هائلا في السكان ، وأضرارا فادحة بالمحاصيل ، فاستجاب ( آنو ) لها ، وأنزل الثور السماوي مثيرا الرعب والهلاك ، إلا أن جلجامش هب بمساعدة صديقه بالدفاع عن مملكته ، ونفسه ، فقفز انكيدو وأمسك بقرني الثور السماوي ، وبين السنام والقرنين دس جلجامش سيفه فخر ثور السماء ، وشقا جوفه واستخرجا قلبه ، ووضعاه أمام إله الشمس ، وبهذا تنتهي السلطة الأنثوية ، لاسيما قطع انكيدو فخذ الثور السماوي ، وقذفه بوجه عشتار ، وتوعدها انه سيقتلها لو قبض عليها ، ففرت إلى المعابد ، وجمعت المتعبدات ، وراحن ينوحن على مصيرهن ، وانتهت بذلك الألوهية المؤنثة أو السلطة الأمومية ، وانهزمت في ساحة صراع طويل ، وتحطم رمز الثور حاضن الأم الابن أي الالوهة الأم والإله الابن .

أن مقتل الثور السماوي لم يكن متعة أو بهجة فقط ، فان صوت إله السماء الأثير الذي ابتدع الثور السماوي ، يتردد صداه على الأرض ، تردد بنغمة رجولية تواصل السلطة ، محطمة المسافة التي تفصل مشاهدتي شيئا من الماضي ، وأكون مجرد ملاحظ لم ير ما حدث أمامه ، بل بالأحرى لم ير جزءا منه ، فلم يكن إلا أن استغرق في عالم حالم عن قصد واع لتحويل المسافة إلى مشاهد للثور السماوي في ملحمة جلجامش ، وهو يتماثل فائض النشاط كتمثيل ذاتي حي ، وهذه صدمة لحياتنا اليومية مثلما كانت صدمة بذاتها في ( أوروك ) .

29 .9 .2006