حمودي عبد محسن
كانت تلوذ بالصمت ، متلفعة بالسواد ، مغطاة
الرأس ، تسبح بسبحة طويلة سوداء ذات خيط أخضر
، جالسة على سجادة في غرفة تعبدها ، وأخيرا
تكلمت كمن يحدث نفسه ، وليس للآخرين ، كانت
ترى نفسها في الأسابيع الأخيرة ، وقد صارت
عجوزا ، لا فائدة ترجى منها ، وكأن وجودها ليس
حقيقيا ، فكانت تستنبط ما ينفع حفيدها من
حكايات ، وأساطير ، من كل هذه الأشياء ، تتخذ
طريقة تحدد بها الأشياء ، ذات الفائدة لحفيدها
، وليسافر ذهنه عبرها إلى عوالم متعددة ،
يكتشف كم هو مرتبط بها ، يتحسس منطقها عبر
عتبة العبور إلى كون آخر ، ليرتبط بحياة جديدة
، قائمة ، غير مرئية ، ويشعر أن ذهنه ، ينطلق
نحو هذه الأشياء ، يشعر حتى في الظلام
بالارتعاش الخفي لعوالمه ، التي يتحرك فيها
خارج نفسه ، محاولا تخيل نفسه كيف يجب أن يمضي
بطفولته ، ويسقط في مواضع بلا زمان ، حيث يعود
إلى نفسه ممتنا ، راغبا أن يسمع المزيد من صوت
جدته المنساب ببطء ، وهدوء . كلام مدهش ، لا
يكاد يصدق أنه يسمع هذه الأشياء ، ويلامس
معرفة أنها له ، فالخيال يقدم إليه شيئا
حقيقيا ، بهذه الأعجوبة ، هذا شئ ذو تفتح جديد
يتناسب مع طفولته ، في بعض الأحيان يشعر
بالقلق عندما تغط جدته في نوم عميق ، ويظل هو
بعيدا عن دروسه التي بزغ بها العالم ، بمشاعر
طفل في غاية الرقة التي غمرته ، وهو الآن
يتذكر ما حكته جدته : كان يا ما كان في قديم
الزمان …دير لطيف ، نزه عامرة ، نواحيه
متنزهات ، بقاعه حسنة ، طيبة ، يقع على شاطئ
بحر النجف ذات بساتين عجيبة وفواكه غريبة ،
تسهل العيش للرهبان ، والراهبات ، فيه نافورة
ماء ، وطيور جذابة ، يستقبل المضطرين من
الصيادين ، وأهل الأسفار … في ذات ليلة جاء
سيل عظيم من البحر ، مع عاصفة قوية ، فطفح
الطوفان ، وأغرق الدير وأهله ، ولما هدأ
الطوفان ، لم يبق من الدير إلا أطلال …
– جدتي هل نذهب لرؤيته…
– يا ولدي ، البحر جف ، والدير غطته الرمال ،
فهناك الآن سوى الصحراء…
فهم ربما – قليلا من الأسرار التي تتحدث عن الجن ، والشياطين ، والأرواح ، والطقوس ، والرموز الدنيوية ، أن ذهنه في غاية البهجة ، من أسرار دنيا أخرى ، كم غريب أن يجد نفسه مع المراسم الخاصة بمدينته النجف ، لحظات عجيبة ، مدركا أن ذهنه يغامر خارجا من طفولته ، يلمس القديم ، ثم يمضي في الظلام ، والمجهول ، ودخول على الرؤيا ، وهو يحاول أن يمسح بعضها من ذهنه ، هكذا تحدث الأشياء عميقة ، غزيرة عنده ، يحاول أن لا يتحدث بها ، بل يسخرها لنفسه ، ويخفيها أحيانا عن نفسه ، أنها لا تتركه ، تزحف عليه عائدة ، وقد يصرخ في منامه من شدة ما يؤمن به ، يؤويه إلى أعماقه ، ما علامة النجم ، ما ضوء القمر ، ما أشعة الشمس ، ما السماوات السبعة ، ما الدنيا والآخرة ، كل هذه الأشياء كان يجهلها في تعويذة ، وأرواح مقدسة ، ليدرك قدره ، في أحيان أخرى ، وهو نائم ، يطلق صرخة ، منطلقة من أعماق حلمه ، ليتابع صوت جدته الذي ينبعث ببساطة ، وصفاء ، وهو يتابع الحكاية عن حدود القمر ، وهي تتمكن من تعليمه ، بكلامها الذي له علاقة حميمة به ، ينبغي أن يفهم كي يتواصل معها بانسياب تدريجي ، بالرغم من الصعوبة البالغة التي يجدها في فهم الشياطين من أين جاءوا : أنهم كانوا ملائكة ، وقد عصوا أمر الرب في السجود لآدم ، محتجين أن آدم من تراب ، وهم من نار ، فاخرجهم الرب من الجنة ، وجاءوا إلى الدنيا عاصيين أمر الرب ، وساروا يتدخلون في شؤون البشر ليظلوهم عن الطريق المستقيم ، وهو دين الله الحنيف ، أنهم يتشكلون بأنواع مختلفة ، ويحاولون زرع الحقد والكراهية بين المسلمين ، فلذلك عندما يحس المسلم باقتراب الشيطان ، فيبادر إلى القول : لعن الله الشيطان …
الآن بدأ يفهم ، ليس مقلدا ، أو مستنسخا كلام
جدته ، أنه يتبرأ من الشيطان الرجيم ، كان
المدى يوصله إلى خياله ، يترنم في داخل نفسه
مرارا ، وتكرارا ، فقد استطاعت جدته أن توصل
إلى خياله ، تلك كانت إضاءة مباغتة في روحها ،
وهو صار يدرك أكثر وأكثر ، أن هذا العالم هو
المصير الحقيقي ، والاختبار ، قدره أن يمضي
بوجوده كله في محاولة الإفلات من مغريات
الدنيا ، كان يتذكر جيدا ، وبشكل صافي ، ما
قالته جدته عن الماضي القديم ، فتراءت له
الأحداث ، والشخصيات التي تعلق بأبطالها ،
تؤدي به إلى حاضره ، وتتكون عنده ذات جديدة ،
يطرد عنها فقط اللعب بطيش في الشوارع ، أنه
يدخل كونا آخر أو مهمة صعبة ، وطويلة ، أن
ينشأ عليها كما تريد جدته ، في لغة تقترب إلى
الخيال ، لغة يكتشف بها نفسه ، وتكشف له أسرار
الكون ، وحدود عالمه ، هيمنة رهيبة عليه ، لكن
يتمتم مع نفسه بالأرواح القديمة ، ويرتعب منها
أحيانا ، عندما ينام ، ويسقط عليه ضوء القمر
متألق ليلة بعد ليلة في جو صاف ، يمنحه أشياء
مألوفة مع طلوعه ، وتكونه بدرا ، يستدير ،
فينبعث من حلمه ، ويستيقظ ، فيفرك عينيه
الواسعتين السوداوين ، وهما على حافتي الدموع
، كأن الحكايات القديمة قد جاءت إليه ، فيصدر
صوتا خفيفا :
– أنا أحبك يا قمر…
وهو ينهك نفسه كي يعرف كيف يتكون القمر بدرا
من طوع إرادته ، كان يملك إحساسا عميقا ،
وألما ، بفقدانه في الليالي المظلمة ، وهو
إدراك بالفقدان والحرمان عند غيابه ، أنه يرى
نفسه في الحلم ، يتصارع مع الشيطان ، فيردد :
– لعن الله الشيطان…
فيستريح بعد برهة قصيرة ، يتنفس هادئا ، وينام
، يغمره الفرح لما حدث إليه ، وهو يتكلم ،
ويكتشف الظلال ، ويعي نفسه ، أنه لعن الشيطان
بكل كره ، فقد تحولت عناية الجدة به إلى طقوس
يحس بها ، ويتنفسها ، وفي بعض الأحيان يجلس في
زاوية الغرفة ، يفكر بأحلامه ، بكل تلك
الليالي حين تدور فيها الأساطير ، واتخذ طريقه
فيها ، ينبش فيها ، باحثا عن أقرب شئ إلى نفسه
، فما تقصه عليه جدته تكون عنده إطلالة وحيدة
بقيمتها ، وصعودها في روحه ، وأثرها الذي صار
شيئا خاصا في رحلته التي تشير إلى انبعاث
جلجلة في قلبه النقي ، الصافي ، أنه يستحق أن
يسمع الكثير من الحكايات ، والأساطير ،ثم يخرج
بها إلى الأطفال ، وهو في ذروة فرحه ، يخلص
إليها ، ويتعلق بها شفافا ، تؤثر عليه ، شفافا
، فيحب الأرواح العظيمة ، والملائكة الطيبة ،
ومأثرة الإمام الحسين ، وشجاعة الإمام علي ،
وتتبين له الحكايات ما دامت جدته على قيد
الحياة ، ما دامت جدته تريد له الصعود عنيدا
إلى معالمه ، ويعترف بهدوء وإشفاق أن جدته
معلمته في حاضره ، يستمد منها كل ما هو جليل
وغالي وينزلق إلى لحظات القوة العظيمة التي
يمتاز بها الإمام علي ، قوى قدسية ، يرى وجهه
متألقا ذا ومضة نورانية في حلمه ، يمد له
ذراعيه ، ويتلمسه ، عله يباركه في رحلاته فوق
الطرق الشائكة ، حياة الدنيا كفاح شاق عند
الأقدمين ، فليتابعه ، فليكون صلبا ، فلذلك
اختاره معلم اللغة العربية خطيبا في المدرسة ،وعليه
أن يحفظ الخطاب النثري بجدية ، ويلقيه في
اصطفاف المدرسة في الصباح ، وعندما أبلغ جدته
بذلك ، غمر وجهها الفرح النير ، وهي تقول
بانتعاش :
– فن الخطابة أصعب الفنون ، عليك أن تتمرن ،
وتحرك ذراعيك ، وتخاطب الطلاب …
– أجل يا جدتي ، سأفعل ، وأنت ستساعديني ،
أليس كذلك …
– أجل…بكل تأكيد…
هذا ما فعلها مباشرة ، وجدته تصحح كلماته ،
وتدربه عل حركة ذراعيه ، وتشجعه دون خوف أو
تردد ، فكانت لحظات صعبة ، وقاسية بالنسبة له
عندما قالت له بخفوت :
– الآن أكملت فن الخطابة …
كان ينسلخ من كونه طالب عادي في المدرسة ، كان
يرى نفسه خطيبا ، فألقى خطابه في يوم اصطفاف
الطلاب في يوم الخميس ، فكان ينعم بالهدوء ،
وتتملكه رغبة جامحة أن يرشح إلى مسابقة
المحافظة ، ليؤدي واجبه ، كان قلبه ينعم ،
ويقاوم حكايات عن الجن الذي يرتاد البيوت
الخربة ، وسراديب السن ، ويجاهد تعزية نفسه ،
أن لا يلتقي الجن أو الجنية ، وأن لا ينزل
لوحده إلى سرداب السن ، وقلبه يخفق لما حدث
لجيرانهم عندما أكل السمك ، ونزل ، ونام في
سرداب السن ، فأكلت الأفعى وجنته اليمنى ، ،
وشوهت وجهه ، تعتقد جدته أن ذلك من فعل الجنية
.
جاهد أن يحفظ أن يحفظ خطابه عن ظهر قلب ، وجعل
إمكانيته تنسجم مع حركة ذراعيه ، وقبضة يده ،
وقد أعلنت لاحقا إدارة المدرسة عن ترشيحه
لمسابقة المحافظة ، تملكه فرح شديد وهو في يوم
ما غادر البيت إلى هناك ، بعد أن مر تحت
القرآن الذي أمسكته الجدة بيدها ، وقرأت
الدعاء ، وقرأت سورا من القرآن الكريم ، ونفخت
في وجهه ، ثم احتضنته وقبلته ، وجاهد أن يلقي
الخطاب عن ظهر قلب ، كانت القاعة محتشدة
بجمهور المعلمين ، الذين صفقوا له كثيرا ،
وفاز ة بالمسابقة ، ورشح إلى مسابقة المحافظات
، وجد نفسه رائعا متلفعا بالقوة ، وروحه
الظمأى تتشرب بامتنان وسعادة إلى مسابقة
المحافظات . ذهب إلى النوم ، أغمض عينيه ،
ونام ممسكا نص الخطاب ، وهو يحلم : كان قوم من
المسلمين يحاولون أن يرفعوا صخرة ثابتة في
الأرض ، إنها ضخمة ، وصامدة ، عبثا حاولوا أ،
يزحزحوها عن مكانها ، فمر الإمام علي ، ورآهم
يلهثون من التعب ، فقال أحدهم هذا ابن طالب ،
لنستعين به ، تفرقوا ينظرون إليه كف ، زحزح
الصخرة ، ورفعها من مكانها ، فصاحوا : الله
وأكبر…نهض مضطرم الروح ، وهو يردد : الله
وأكبر …ثم مشى ، واضطجع بجانب جدته التي سألته
:
– هل حلمت ؟!
– أجل يا جدتي …
– بماذا
– الله وأكبر…
أنه شئ غير عادي، إنها حالة متميزة ، ناهلا من
منابع قوة الإمام علي ، وغناها ، مستمعا بذهول
إلى حكايات جدته9 عن قوة الإمام ، المفعم
قلبها بالأسى ، لموته ، وهي تروي إليه ما أصاب
المسلمين من نكبات ، وآثار مدمرة ، والعذابات
التي أنزلها البعض ضد البعض ، كل هذا جرى بعد
موت الإمام .
كان يحدوه هذا الحب المتألق لجدته ، جعلته
يندفع بالصراع الإنساني ، ليس في إطار مكاني
وزماني محدد ، بل إيقاع يأسر القلب ، ينهض
الشخصيات من أعباء القرون ، بائسة ، صامتة ،
بالثبات ، والصمود ، والمثابرة ، كما أرادته
جدته أن يكون ، دون أن يدير ظهره لأحداثها ،
وليظهر في مكانه ، ليحيا حياة متصوفة ، زاهدة
، منبعها العبادة لله ، والإخلاص ، مثل أجداده
الخالدين ، لم ينثن عن عزمه ، والتغلب على
العقبات ، متفتحا على حياته الجديدة بدمه ،
ودموعه ، إلا ذلك لم يدم طويلا ، ففي صباح صاف
، حيث يرتعش نجم الصباح فوق مدينته النجف ،
حاول أن يوقظ جدته ، مد ذراعه ، وهزها من
كتفها :جدتي…جدتي…لكنها لم تستيقظ فران صمت في
بادئ الأمر وتراجع للوراء ، كانت السبحة في
كفها ، وهو يبحث في عينيها المغمضتين ، فأطلق
صرخة من صميم قلبه ، وأعماق روحه : جدتي ماتت…ارتجف
، وركض مرتعدا ، وكان على وشك السقوط على عتبة
البيت ، بعد أن فتح الباب بسرعة ، وجد نفسه في
الشارع ملجوما بالرعب ، يتملكه الخوف ، يوثب
من باب إلى باب ، كان يدق أبواب الجيران معذبا
، حزينا ، وعلى وجهه حرقة ، ووداع ، ويصيح
بأعلى صوته صيحة مترعة بالألم : جدتي ماتت …
كان الجيران يرخون رؤوسهم ، وتعتصر قلوبهم ،
وفي عيونهم الدموع ، وهم يسألون داخلهم : حب
عارم ينتابه لجدته الحميمة …
19 9 18/0920