حمودي عبد محسن
كلما مرا بهذا المكان آيبين من
نزهتهما يجلسان على مصطبة خشبية لفترة قصيرة ، يرتاحان قليلا ، يتذكران الأعوام
الماضية بصفائها ، ودفئها ، وهدوئها ، ثم يغرقان في تصورات عابرة ، سريعة ،
مليئة بالرفعة ، والوجد ، دون أن يلاحظا أهل إكشو الذين يسيرون خلفهما على
الشارع الضيق المبلط بالإسفلت ، المظلل بالأشجار السامقة وسط غابة خضراء ،
والذي يؤدي إلى مخيم الراحة ، ودون أن ينتبها أيضا إلى الخطوات البطيئة التي
تقترب منهما أو تبتعد عنهما ، وكلما قعدا في هذا المكان يتعلقان بتلك الأعوام ،
ويتذوقان ذكرياتهما ، ويستسلمان إلى شرودهما في الأحلام الجميلة التي ترسم
الحنين على وجهيهما الطافحين بالبعد ، والعالم الروحي البريء الناعم ، فهذا
المكان الهادئ المطل على حافة بحيرة هنسنسين له مغزى كبير في نفسيهما ، ففيه
قطفا قبلتهما الأولى قبل خمسين عاما ، لذا قررا أن يحتفلا بنفس المكان بذكرى
زواجهما ، مؤكدين على أن دروب السنين التي قطعاها سوية لا يمكن نسيانها أبدا ،
هما في شيخوختهما المرهقة التي تخصهما وحدهما .
جلسا الاثنان على المصطبة ساكنين ، يصيخان السمع لحفيف أوراق الشجر ، واندفاع
أغصانها إلى أعلى ، ثم إلى أسفل ، وتراقصها ، واهتزازها ، ويصيخان السمع أيضا
لرنين أصوات النوارس التي تخفق بأجنحتها فوق سطح البحيرة ، وتحت حمرة الغروب ،
وألوان وردية ، قرمزية ، فضية ناعمة ، إذ ثمة إصرار لثقل الألوان أن تتدلى فوق
المياه ، وكذلك إصرار لحشود النوارس أن تكون ملحة ، معاندة ، مرفرفة في ظلال
هائلة ، بدا لهما أن العالم لا نهائي في سكونه ، وصمته ، يلقي بظلال حلم
أمامهما ، يلقي بتعدد أصوات إلى ما وراء وجودهما ، فاستغرقا في تأمل لحظات
الغروب فوق المياه الساكنة التي لم يعق جريانها شئ ، لتوحي عن رؤية ساحرة تنبض
حنينا بدفقات بهيجة من قلبهما .
ليس ثمة خلود مثل خلود هذا الصمت الأكثر سطوة ، الأكثر متعة ، الذي أطبق عليهما
، إذ لأول مرة منذ زمن بعيد لم يشعرا بهذه الرغبة في الصمت الذي ترافقه تنهدات
تنبض من أعماقهما كأن الزمن توقف هنا ، خامدا في جوف الصمت ذاته . كانت ظلال
الأعوام تمر فوقهما ، وتهتف أن يعودا إليها ، وهذا لا يمكن أن يحدث على الإطلاق
أن يجعلا الزمن يتراجع إلى الوراء . لم يستطيعا أن ينتزعا نفسيهما من لحظات
الغروب الساحرة البهيجة ، المشبعة بالتسامي ، وروحهما تأنسان بعمق إلى همس
معزوفة رقيقة ، تنير أمامهما أضواء ذهبية لأعوامهما القادمة ، ترتعش ، وتتموج
على سطح الماء ، تقتحم أيامهما ، تولج بهما إلى أعوام قديمة ، كم يتشوقان إلى
تلك الأعوام ! الآن تراقصت ملونة ، محفورة في ذاكرتهما ، لا تخبو ، ولا تتراخى
، تجذبهما إليها ، تشدهما إلى حيويتها ، وعريها ، فاتنة ، متوحدة مع انعزالهما
في جمال المنظر الخلاب ، ما الذي يرجع الزمن ؟! يبدو إنهما كانا يصغيان إلى
نداء في داخلهما ، حاول الزوج أن يكرر شيئا من الماضي ، لأن كل شئ منه كان
عظيما ، فزحفت أصابعه إلى صدر زوجته ، توقفت ، وبدأت تفك أزرار قميصها ، داعبت
صدرها ، لكن الزوجة أزاحتها عن صدرها برفق ، وأرخت رأسها على المصطبة ، وأغمضت
عينيها الدامعتين الحالمتين ، وانفرجت شفتاها عن ابتسامة حزينة ، إلا أن
الأصابع كانت عنيدة ، فصعدت إلى حنكها ، لترفع وجهها ، وتميله إلى وجهه ، وتذوب
قبلة طويلة مرتعشة مرتبكة في شفتيها ، لم يكن بالإمكان العودة إلى ما قبل خمسين
عاما ، فأدارت الزوجة وجهها صوب البحيرة ، والدموع تترقرق في عينيها ، وهي تكرر
مع نفسها : ( ليس هنا ) ، ثم وضعت رأسها على كتفه ، وسوت قميصها بخجل ، وعادت
ذاكرتها إلى تلك السنين ، وهمست في أذنه : ( لقد مضت الأعوام أشبه بحلم ، حلم
لم يعد ثانية ) . لم تدم لحظات طويلة وهو يحلق مع الصور الذهبية المطمورة في
مخيلته لتبتعد عنه ، وتضيع في كلماته المخنوقة : ( لا يمكن إعادتها ثانية ) .
نهضا بصمت يتكئ أحدهما على الآخر ، وأوقدا شمعتين ، ثم ثبتاها على لوح صغير ،
ووضعا اللوح فوق سطح الماء .دفعاه مع جريانه ، ثم راحا يطيلان النظر إلى
الشمعتين ، وضوئهما يرتعشان ، ويتموجان كنجمين سماويين ، وظلالهما المنعكسان
تنيران أعوامهما كوحي خارجا من عمق البحيرة ليوقظ حلما دنيويا ، ويضفي سحرا
إلهيا متضخما بالحب ،كأن العالم لا يتسع إلا لحضوره ، وهما يستنشقان نسمة زهور
هبت من ورائهما ، ويتعطران بماء ورد السماء ، إذ كانت الزخة الأولى لمطر الصيف
تبارك احتفالهما الصامت ، واللوح يبتعد ، ويبتعد ببطء مع نغمة خالدة لأسطورة
خلود بشري خفي لا يدرك ثمرته سوى أولئك الذين مروا بمخاض العمر سواء كانوا
سائحين مع ضوء القمر أو مع الرياح التي تعصف بالشجر . قذف الزوج عكازه في
البحيرة ، ثم سحب قدميه بصعوبة إلى البيت ، متأبطا ذراع زوجته ، وهو يتلفت إلى
البحيرة ، ويردد : ( يمكنني أن استغني عنها اليوم ) ، بينما كانت زوجته ، تبتسم
، وتقول : ( هذا قلق الشيخوخة ) .ضحكا سوية ، وهما في لهب سعادتهما.