حمودي عبد محسن
ينتابني اشتياق لا حصر له في مدينة النجف كلما
وقفت ، ونظرت إلى صورة جدي المعلقة في الهول ،
وهو بعمامته ، ولحيته البيضاء ، وبعينيه
السوداويين ، وكان ذلك بعد أن توفى ، وأنا على
صغر ، ولهذا كنت أتوق إلى ذكراه دائما ، وكانت
صورته تكاد تنسيني ضجر ساعة الشروع بالتعب
الذي أحس به في بعض الأحيان ، وساعتها أتبسم
بغبطة ، وأقول مع نفسي : أننا فقدناه !
كان وجهه يلهمني ودا رائعا وعظيما ، وأنا
أحاول أن أحدد تعبير نظرته الغير العادية ،
وكأني لم أر أبدا نظرة تتلألأ لامعة ، وتبث بي
حنينا وتوقا ، وسعادة مجهولة . نظرة كالسحر
المرتعش في انبلاج فجر غامض ، وقتها يأخذني
شرود لا مثيل له ، لأغوص في أعماق صورته ،
أعانقها بعيني ، وروحي التي تضج بضجيج موت تفر
منه شكوى جامحة ، كتومة ، بعدها أسبر أغوار
السنين التي مرت ، وأنا الآن في الخمسين من
العمر ، فعبثا حاولت التمرد على حلمي ، فهو
أقوى مني بكثير ، وليس في قدرتي التحكم به ،
ولا تجاوزه ، فهذا يتناقض مع وقفتي التي أنزلت
بكل شخصه من إطار صورته في أعظم تأمل ، تخاطبه
أفكاري بلغة الماضي ، لغة لا تحدد ، بلا صوت ،
لغة تقلقني ، إنه الماضي على الدوام ، فإنني
أرى الماضي موجودا على الدوام ، رغم غيابه ،
رغم أنه لا يعود ، لكنه ليس ضائعا ، أنه متهيب
، محدث ضجة هائلة في داخلي ، كان جدي عاكفا
على نفسه ، حنونا ، متواضعا ، صادقا ، وزاهدا
، له نظرة مرهفة ، يقول الشعر ، ويعرف أجناس
الأدب .
كنت أستغرق في تأمله ، وأنسى نفسي عندما
أتأمله ، وهو ينظر إلي كي أرى نفسي ، الصورة
تتأملني ، وأنا أتأملها ، تراني وأراها ، وهي
أشد وقعا علي ، تنبعث منها رائحة طيبته التي
لا تضيع أبدا ، وهذا ما يعيد الشعور به لذاتي
، هكذا أعطيت نفسي فكرة التأمل ، وأنا أراه ،
رغم المسافة التي تفصل بيننا ، والأعوام التي
مضت ، ليست هي مسافتنا عن العالم ، المسافة
ذرائع وانعكاسات كل الأشياء ، تتدخل عفوية
معطرة في ارتجاف الهواء ، وهذا إدراك مباشر
لكوننا ، وأنا أنظر إلى نفسي من الداخل ،
وتمسك عيناي من الخارج بالصورة لأفتش عن طبيعة
، وكينونة ، وخصوصية جدي ، عيناي اللتان
تتركان الرتابة اليومية في الحياة ، وتنظران
روحانيا إلى وجوده الآخر على رتابة نفسي في
مجرى أفكاري ، وفي نفسي ألفة لكل النواحي
الآتية من حياة سائبة اليوم ، مملوءة بفيضان
التماسك ، والحكم ، والملاحظة ، وفي قيادتها ،
ورؤيتها بوضوح ، والتصاقها بالصورة ، الفتي
يرى نورا مبهرا ، أنا وحدي أستطيع أن أرى جدي
، وهو مجهود لتعويض موته ، أراه بوضوح عندما
كان ملفوفا بالكفن ، وأنزلناه إلى لحده في
مقبرة العائلة ، كنت أبكي ، وأصرخ : ( جدي ) ،
تلك كانت مواجهة بيني وبين الموت ، لا أملك
سوى عيني اللتين من خلالهما أشعر بالموت وجها
لوجه ، وهذه المواجهة كانت الخطوط الأولى التي
ارتسمت في عيني ، وأدركت من هو جدي ، ومن أنا
، هذه الازدواجية قد أثرت علي كي أفصل بين
الحياة والموت ، فكنت شاهد نفسي ، أتعذب ،
كامل الاتحاد مع الموت ، لم أنجح آنذاك في
رؤية نفسي كاملا ، بل كنت أنبش في داخلي كأن
هناك جرح يعمقه نحيبي ، وهذا ما امتلكني ،
وأعاد خلقي ، في تبادل عاكس في وجداني ، هكذا
اندهشت من نفسي في عفوية محيرة كطفل ، ثم عدنا
إلى البيت بعد أن دفنا جدي ، والنسوة في بكاء
شديد ولطم الخدود ، وتمزيق الشعر ، كلهن في
أسود الملابس ، وهكذا وضعت نفسي في مقابل نفسي
، واكففت عن البكاء ، وتظاهرت بالاستسلام مثل
الرجال ، لأضع نفسي فجأة كشخص أمام نفسه ، أو
كشخص أختلف عن الطفولة ، كان ذلك يفاجئني أن
لا أبكي وراء اندهاشي ، أنني لا أرى جدي ، وقد
أقنعتني جدتي أننا كلنا نموت ، فأنت ليس شخصا
آخر ، أنت نفسك ستكبر ، وتصبح عجوزا ، وتموت ،
هكذا اختارت لي لأرى نفسي ، نسجت عندي صورة
شهيرة ، وامتلاك حقيقي في الموت ، عندها
تملكني ضجر نقي ، وكرهت طعم الوجود بكل هدوء
وفظاعة ، وأنا في انتظار الموت ، هذا هو
المنظر الداخلي الذي صنع لي منذ الطفولة ، صنع
حزني ، وغضبي ، وظلت تتناسخ في موت جدتي ،
وأقاربي ، والقريبين لنا ، وقد أدركت بوضوح أن
المنافذ قد سدت علي في التعويض عن جدي .
الآن في وقفتي كنت أحلم بعذوبة أن جدي يحيا في
جنان مضاءة بشموس أبدية ، ندية ، برقراق ماء
شلالاتها ، وأنهارها ، وهي موسومة بجمال أخاذ
، كل شئ منسق وشهي ، فاخر ، وهادئ ، زهور
تمتزج بعطور أريج زهور ، دافئة ، تحمل نغمات
تهب مثل النسيم في أوج الربيع .كنت أحلم بهدوء
بال كأنني أنهض من عدمي واقفا ، أتحسس طرق ألف
لغز ، وأودع ألف فجر ، وأنتفض ، ، أتورق
متناثرا ، سابحا بألف أفق ، ووهم ، عالم ينفتح
، يبحث في الخلود ، يمتلأ قلبي بالضياء ، تحية
للخلود ! هذا الحلم الدائم النداوة ، يعطر
الجو بعطر يعبق سرا ، مختبئا في أعماق أبدية ،
هكذا كان يمضي بي الحلم ، مرفوعا على كتف جدي
بين الحشود بكفن أبيض ، ورأس محلوق كما تحملني
دقات الطبول إلى ( خيمكة ) في كربلاء ، فأزجي
بشراعي ، بضجيج الأصوات : ( يا حسين ،
واحيدراه ) أشق الأيدي المرفوعة ، وأجوب بعيني
فوق آلاف السيوف المرفوعة ، النازلة فوق
الرؤوس ، المدماة أكفانهم ، تهدهدني الأصوات ،
بلا آلام تدفنني في سرير عابر ، كان يحملني
جدي على كتفه ، ويتجاوز الحشود البشرية ،
وافجر لحظة انتصار على الخوف ، لم أبك ، وأنا
طفل صغير ، أنه زمن الإعلان عن شق الرأس
(التطبر) ، عادة عند جدي ، فجر ملتهب ، عتيق ،
جائع إلى الثواب ، وتدمير الذات ، كانت الباب
الضخمة مفتوحة على مصراعيها ، كنت مفتونا
بطلعة الشمس حينما أشرقت لتعلن خبر طقوسها
وتفاصيلها اليومية ، كربلاء تفيق بالعالم
المدمى ، تمزق الستار ، وتوهب النفس كمقياس
للزمن ، في تجاعيد الصباح الذي كانت له فتنة
أكبر ، حين يهدر بحر الحشود البشرية ، متحلقة
حول الباب ، عالم ينفتح ، يبحث عن الخلود ،
ورغبة الناس بحياة الثواب ، تسكب الطبول الهمم
، والشجاعة ، وليس هناك آلام خرساء في شق
الرؤوس ، فرصة سانحة لعاشوراء في الشوارع ،
والساحات ، و الأزقة ، والبيوت ، أرى السيوف
لامعة مضرجة بالدم ، جريئة النفوس ، تختزل
الزمن الأقصى ، انتصارات حزينة ، بأنفاس أخاذة
، ترانيم الأهازيج ، وجدي يندفع نحو حاملي
القامات الصغيرة في ( خيمكة ) ، وقال لأحدهم
بصوت جازم ، صارم : شق رأسه بثلاث ضربات ،
ومسك يدي إلى صدره بقوة ، وهو يقول : ( يا علي
) ، واستجاب إليه فشق رأسي بثلاث ضربات ، لم
ينفجرا جفناي بالدموع ، ولم أسبح بالألم ،
فسال الدم على وجهي ، فداعبته بأصابعي ،
والطبول تدوي ، وكنت هادئا أنظر إلى (
المتطبرين ) باندهاش ، خرجنا من الباب ، وجدي
يبكي ، ويصرخ صرخة عظيمة: ( يا حسين ! )
فامتدت أيادي النسوة المتلفعات بالسواد ،
وتحمل قطع من قماش أبيض ، لتمسح الدم عن وجهي
، لم أر في يوم من الأيام أن جدي يبكي ، وهذه
المرة الأولى التي رأيته ينحب ، فقبلت عمامته
البيضاء ، وأغرقتها بالدماء ، ذهبنا برحلة
قدسية بين العزاوات ، وجدي حافي القدمين ، ،
وأنا حافي القدمين ، أنزلني عن كتفه وهو
يقودني من يدي ، فإن عمق المشهد التي رأيته
بعيني ، أصبح رمزا لي ، وتوحدت فيه الرقة ،
والخوف ، وحدة التناغم مع إيقاع الطبول ،
وانسجامي مع تلك الوجوه التي يغطيها الدم ،
وجوه جريئة تريق الدماء من رأسها ، كنت أهيئ
نفسي لشيء آخر .
كنت وسط حشد هائل من البشر ، ينساب ، ويندفع
مرعدا نحو مرقد الإمام الحسين ، مطلقين صيحات
: (واحسيناه) ، كان جدي يتلو دعاءات مع نفسه
بلغة رصينة ، لطيفة ، أردت أن يكون بيننا كلام
، وأنا أحاول أن ألتقط كلماته وأحتفظ بها ،
وأشرد في حلم بهن وسط عالم من البشر المكفن
بأكفان بيضاء ، مضرجة بالدماء ، والسيوف تجيش
في الهواء ، وتسقط على الرؤوس ، أعجز عن وصفها
، وحل صمت وسيع بيننا ، كنت أنا الجانب المحزن
، التي ينظر إلي ( المتطبرون ) ، وأنا ألقي
بعيني في هذا المشهد غير المألوف ، الذي أرعبي
، واتقد ذهني إليه ، ثم رحت أنصت إليه من جديد
، وهو يردد الدعاء ، ويهزني صوته ، فيه نغم ،
ورقة ، كأنه يهدئني من أوجاعي ، وهو يأخذ بيدي
، وأنا أصعد نظري في عالم خاص ، أعجز عن فهمه
، أنا لا أعرف لماذا ينظرون إلي ؟! إلا أنني
كنت أحس بدفء يد جدي التي تمسكني من يدي ،
وأتحسس أفق واسع .
صعدنا السيارة العائدة إلى النجف ، فأحسست
بتعب شديد ، كان النعاس يغالبني ، فاستغرقت في
النوم ، لقد حلمت بهم ، حوافر جيش الشر تمزق
الصدور البريئة ، تحرق الخيم ، فانطلقت من
أعماق رقادي صرخة مدوية : ( وا حسيناه ! ) ،
قبلني جدي فأحسست بدقات قلبه ، وأنفاسه ، وهو
يقف ظل ليحميني من جيش الشر ، وإذا بالسيارة
تقف في النجف ، فننزل منها ، وسرنا إلى
الميدان ، ثم إلى أزقة الحويش ، فاستقبلتنا
أمي ، وهي تلطم خدها ، وتقول بصوت وقور : ماذا
فعلت به ؟! لم يرد جدي بل ذهب مباشرة إلى
غرفته ، ونزلت أنا إلى بيت النساء ، فتجمع
حولي الجميع ، وهم يسألوني بصوت واحد :
ألم تخاف ؟!
لا… لا…
غسلتني والدتي بماء دافئ ، ونشفتني ، ثم أبدلت
ملابسي بأخرى ، وذهبت إلى الفراش ، فاضطجعت
هادئا ، وخلدت إلى النوم ، وحلمت مؤخرا :
الشمس تتجه نحو المغيب مختفية ، إن حدتها قد
خفت ، وتضاءلت ، وجيوش الشر تقتل أحفاد رسول
الله ، ناهبة ، مشعلة النيران ، فتحت عيني ،
أحملق في السقف ، كنت ساهيا غير مهتم بشيء ،
فنهضت ، وغادرت الفراش ، وأنا أسأل أمي :
أين جدي ؟!
…في غرفته ، ينبغي أن تنام …
صعدت سلما ، واندفعت بهدوء إلى الباب، وبهدوء
فتحت يدي الباب ، ومع ذلك أصدر صريرا ، خافتا
، وما أن رآني حتى قال بفرح : ( ادخل ) ،
وحالما اقتربت منه أجلسني إلى جانبه ، وواصل
قراءة القرآن بعد أن تفحص رأسي ، وهو يردد : (
ستطيب عن قريب ) ، وراح يشرح لي السورة ،
فتمددت على السجادة ، أغمضت عيني ، وأنا أردد
: ( أنا تعبان ، يا جدي ) .
ألقيت نظرة سريعة حولي لم أجد أحدا من أهلي ،
فخرجت من البيت إلى الزقاق بعد أن أحكمت سد
الباب ، وصورة جدي تتراقص في عيني ، فقلت مع
نفسي : لأذهب في زيارة مرقد الإمام علي .
6 9 2008