حمودي عبد محسن
في أغلب ليالي الصيف
الدافئ المضيء كانت تقف ليندا التي لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها قرب
نافذتها ، ترفع عينيها إلى السماء ، تنتظر أن يظهر فيها نجم مرتعش ، وإذا ظهر
تهرع إلى البحيرة التي قرب بيتها ، والتي تسمى دام هينسينسين ، تقف مجبولة تحت
ارتعاشه ، تحثه بصمت أن يشع أكثر ، وتلوذ بدموعها ، وصمتها ، وتخاطبه : أأنت
المنتظر أيها النجم المرتعش ؟!
نفد صبرها أن يظهر شئ من الكواكب السيارة أو القمر الدري أو حتى من السماء التي
تطرزها آلاف النجوم ، أنها تريد شيئا ما يربط السماء بالأرض ، ما هو هذا الشيء
؟! هي ذاتها لا تعرفه ، أرادت شيئا يوحد البشر برمز إنساني ، لا يختلف عليه أحد
، يكون له بعد آخر بين الناس ، حطمها الشوق إلى ذلك ، أهو حلم ، أهو رؤيا أم
سفر في الخيال ؟! لا تستطيع مقاومة رغبتها على الإطلاق ، بالرغم من أنها تكبت
ذلك في أعماقها لئلا تصبح رغبتها مستحيلة عند الآخرين ، وربما _ هي مستحيلة في
واقع الأمر ، لكنها رغبة شفافة أن يعيش العالم في فردوس واحد ، أين هذا الفردوس
؟! فكلما تراه في التلفزيون أو تقرأه في الجرائد يشير إلى أن العالم ما زال في
تخبط الحروب ، والجوع ، والفقر ، والأمراض ، وفداحة التنازع السياسي الذي يؤدي
إلى نتائج وخيمة على البشر أنفسهم ، وكذلك العواصف البحرية التي أدت بأرواح
كثير من الناس ، وكثير من الأبرياء يموتون دون ذنب ، وهناك تدمر بيئي للكون
الذي تعيش فيه ، هذه الرغبة ذات طريق ذهبي لتعلق ليندا بما هو سماوي بعد أن
عجزت أن ينتجه بما هو أرضي كما لو أن حلمها ينير يقظة عامة تتعلق بروح كل إنسان
، أرادتها أن لا تتلاشى مثل الضباب ، ولربما يجدها غيرها ، لا يهم كيف تفسر أو
تفهم عند الآخرين ، بل كيف يمكن الوصول إليها من خلال التأمل الفردي ، ليدفع
البشر إلى التفاهم ، والسلام ، لأنها نفسها من دعاة المحبة ، والسلام ، والأخوة
بين الشعوب ، ولهذا أخذت تكثر في التأمل بعد أن عجزت بنشاطها المتواصل مع
الآخرين أن تحقق شيئا ينقذ البشر من الظلم ، وغالبا ما تعيد ترتيب الرموز ،
والدلالات ، والصور التي في ذهنها ، أو التفاصيل الكاملة للأحداث ، كل ما في
الأمر أنها تتأمل ، وتسعى من خلال ذهنها ، ورغبتها أن تجد شيئا ينقذ العالم .
أنها تسيطر على ذهنها ، و تسترجع التفاصيل اليومية لما يحدث على الأرض ،
وتستنبط العبرة منى ذلك ، ذلك يؤلمها كثيرا ، إن الغضب ، والخوف ما زالا
يسيطران على الناس في كثير من البلدان ، وترفض اليوم المفقود فيه عالم الفرح ،
وهذا ما يجعلها تتأمل كثيرا ، وتهرب من الحزن ، واليأس ، وترفض الحياة التي
يحياها البشر بدون معنى ، وأنها ترفض العنف ، والإرهاب اليومي المنتشر في كثير
من بقاع العالم ، هنا ، الآن تحصن نفسها روحانيا إلى اليوم الذي تحلم به ، قد
يكون قد بدأت أشياء تتبلور عندها قد تؤدي إلى سعادة الآخرين ، ولعل ذلك قد نشأ
عند فتاة أخرى ، هذا لا يهما ، المهم عندها هو التأمل في مصير كوكبنا ، وهذا هو
فضل العيش من أجل الآخرين ، أي أن يعيش الإنسان من أجل شئ معين ، فمضمون تأملها
ليس تستر من أجل الخوف من الموت ، بل هو رقي التأمل ، وهذا ما تريده لتصل إلى
غاية عامة ، و قد يكون فيه تحول بشري ، يعلن عن المفتاح السري الذي ما يزال
خفيا ، هل يمكن تجاهل التاريخ ، وكل ما مضى ، الآن لا تريد أن تتذكر ما درسته
في المدرسة ، بالرغم من أنها لا تستطيع تجاهل التاريخ الدموي ، أنها هادئة بسمو
روحها ، فتركت التاريخ الدموي الذي قرأت عنه ، بل كانت تدعوها مثيرات لتركز في
تأملها السماوي ، و تكشف عن طبيعتها المتفردة ، غير العادية ، بل كانت تسرح في
الخيال بشكل لا متناهي ، فقررت الرحيل ، وعبور البحار إلى الشرق الذي طالما
تغنت بنخيله ، بأنهاره ، بشمسه ، بصحرائه ، بزرقة سمائه ، وكواكبه السيارة ،
وطلوع البدر ، وهبوب نسيم فجره ، وزقزقة طيوره ، حطمها الشوق إلى منبع الحضارة
الأولى ، إلى حيث بدأت البشرية تاريخها ، كان ذلك حلما هائجا أن تبرز إليه من
دنياها ، تتجاوز الحدود بين البلدان ، وتخرج في رحلة خفية غامضة إلى مصدر الجذب
الحضاري القديم الساحر ، تتنفس هوائه ، وتطأ أرضه ، وتسير بخطى بطيئة إلى
الوراء آلاف السنين ، تسير إلى الوراء إلى ذلك الجزء من العالم الذي تشكلت على
أنقاضه حضارة الغرب ، و ها هي تقف في مؤخرة سفينة ركاب ضخمة ممشوقة بعينيها
الناعستين التائهتين في مياه البحر ، البحر يمتد من تحتها ، وتمتد عيناها
المستغرقتان فيه بعيدا ، بدا لها البحر رهيبا ، فأدارت عينيها ، كان كل شئ هو
بحر عجيب ، أذعنت إلى رهبته ، ونظرت مرة أخرى إليه ، لترى امتداده مثل امتداد
عينيها إلى أفقه ، حدقت كثيرا إليه ، حدقت بتركيز إلى بعده ، لتبتلع عيناها
سعته ، وكأنها موجة فيه تعلو وتهبط ، اتسعت عيناها ، رأت شبحا يمشي عليه ، ومرق
أمامها سريعا ، ذلك لم يكن وهما ، إنه استرسال في الرؤية ، رؤية آفة مائية ،
لأن عيناها صارتا تمتدان مثل إيقاع البحر ، مده وجزره ، صعود أمواجه وهبوطها ،
تياره السطحي ، والتحتي ، كان كل شئ في البحر امتثال لامتداد عينيها ، وانبثاق
ذهولها ، ظلت تنظر فترة طويلة ، لم تكن تتصور أن يكون البحر قاسيا ، ماردا أو
متوحشا ، فتاهت عيناها فيه مرة أخرى ، وتاهت نفسها ، وفزعت لضجيج نوارس فوق
رأسها ، فامتدت يد مجهول إلى ضفيرتها الطويلة المسترسلة على ظهرها ، وهزتها ،
تذكرت أن يدها تمسك سلة مليئة بالرغيف ، فراحت ترمي الرغيف إلى البحر ،
والسفينة تشق مياه البحر العظيم ، وتترك خلفها خطا طويلا عريضا لأمواج تتطارد ،
وتتكسر ، لاغية زبد المياه ، وفقاعاته ، ضائعة في أفق البحر الأزرق الفاتن ،
الشفاف ، بينما كانت النوارس تزعق ، وتخفق بأجنحتها . أعجب ليندا هذا المشهد ،
إذ كانت تنقل بصرها تارة إلى المدى البعيد بارتجاف أمواجه ، وتعرجاته ، وتارة
أخرى إلى طيران النوارس ، خاصة إن دنياها صارت تنتمي إلى مملكتها ، أعجبها
نورسا بقي يحلق ، ويحوم حول السفينة دون أن يهبط إلى المياه ، دون أن يلتقط
قطعا من الرغيف ، أدهشها ذلك ، مما حدا بها أن تقول بصوت ضعيف : إنه يكره أن
يأكل فضلات البشر .
ثم راحت تراقب النورس لتستكشف فيه أشياء كثيرة ، لم تكن تبالي أن تخوض مخاطرة
غير محسوبة في زمن قادم قلق ، لم يكتشف منذ عدة قرون ، ولم تكن تبالي أن تستكشف
نفسها وحيدة تتحمل عبأ عبور البحر ، الآن أرادت أن تستعرض نفسها أمام النورس ،
ففلت منديلها الأخضر من عنقها ، وأخذت تلوح به ، و تهزه في الهواء ، هبط النورس
بسرعة إلى المياه ، فقد لاحت له سمكة تقفز لتزاحم النوارس على قطع الرغيف ،
التقطها ، وحط على سياج السفينة الحديدي ، وتركها تسقط منه على سطحها ، ارتعبت
ليندا ، وشهقت : ( آه ) ، ثم تراجعت إلى الوراء ، كانت السمكة تتلوى عاجزة ،
وتقفز ، وتحرك زعانفها كأنه تطلب النجدة . تشجعت ليندا ، ورفعتها بصعوبة من
زعنفها اللزج ، وأعادتها إلى البحر قبل أن تفتح خياشيمها في الهواء ، وتموت .
التفتت إلى النورس ، وعاتبته بنظرتها ، فاقترب منها ببطء شديد ، فقد وجد في
عينيها حزنا لا يطاق ، وتوسل غير مفهوم ، لم تلبث أن بحثت بنظرتها في عينيه
الصغيرتين عن معنى نظراته الثاقبة ، فوجدت فيهما رقة ، وحنان ، إذ كان يشع
فيهما بريق ساحر . ساد صمت بينهما . تفحصت عينا النورس جسدها بنظرة خاطفة ،
أصاب ليندا الخجل من هذه النظرة ، إذ رأت عينيه تتحركان ، وتكشفان بروز نهديها
، وسر وقفتها ، وعطفها على النوارس .حرك رأسه بتعبير مفاجئ ، فخفضت عينيها على
الفور ، وغطت صدرها بمنديلها ، ثم رفعت بصرها بحيرة ، ونظرت حولها ساهية ، وجرى
تبادل سريع للنظرات بينهما ، خفض النورس رأسه ، كأنه يسألها : ما اسمك ؟!
قالت بسرعة : ليندا
ثم استمر صمت آخر عذب بينهما ، وهو يرفع بصره ، ويثبت عينيه على يدها اليمنى ،
رفعت يدها ، وحركت أصابعها ، فلمع خاتمها في إصبعها الخنصر ، رفرف النورس
بجناحيه ، وتركها تلوح له بمنديلها ، وقد ارتسمت عيني النورس في عينيها ،
وذاكرتها ليس كشيء مجهول بل كعيني ملاك رقيق شفاف له هيبته في سعة هذا البحر ،
و سعة رغبتها أن تجد ما يوحد البشر ما بين هو سماوي ، و أرضي ، ثم هكذا ، يتجدد
التأمل بشكل آخر ، عيناه كعيني ملاك في وسعة الغيم الأسود الغاضب الذي ظهر فجأة
مندمجا بشريط الأفق ، فاختفى فيه النورس كبقعة بيضاء .
لم تمض لحظات حتى سقط الغيم مطره غزيرا ، وأظلمت السماء عابسة ، وهبت ريح باردة
طازجة ، ثم ساد ظلام دامس ، فحدثت ضجة داخل السفينة ، وانتاب الركاب هلعا ،
واضطرابا شديدين ، فتعالى صراخهم ، وهم يتراكضون في اتجاهات مختلفة ، ويرتطم
بعضهم ببعض ، وبجدران السفينة ، وسقطوا على بعضهم ، وتدحرجوا مع الأشياء ، أما
ليندا فتشبثت بسياج السفينة ، وهي تسمع هدير عنيف ، وترى ارتفاع أمواجا ضخمة ،
مفزعة ، شريرة ، وقد أيقنت أن البحر هاج ، والسماء غضبت ، وإن عاصفة جامحة هبت
بسرعة خاطفة ، وإن أمواج الإعصار العالية تصفع السفينة ، تمايلها ، وتهزها مثل
أرجوحة ، وتلاطمها ، وتحفر أنهارا في صدرها ، والمطر يهطل فوقها كشلالات مياه ،
وإن السفينة أصبحت تدور في زوبعة رهيبة ، وليندا تصرخ ، وتجاهد بذراعيها ،
وساقيها ، وهي لم تصدق نفسها أن تروى نورسا عملاقا بجناحيه يخترق دوي الإعصار ،
ويلتقطها بين رجليه ، ويطلق صرخته : ( ياهو ) ، التي ضاعت في دوي المياه ، وهو
يستأنف اقتحامه دوران الزوبعة الهادرة ، ويحلق في الغيوم متحديا الكون كله .
كان الكون هادئا ، ودافئا على بحيرة دام هنسينيسن ، وأشعة الصباح الرائعة تراقص
جسدها المتمدد على شاطئ البحيرة ، وقد اعترى ثغرها ابتسامة جميلة ، وهي تقول مع
نفسها : ( أنها تريد أن تغير العالم بحلمها الجميل إلى ما هو أفضل ) . أجالت
نظرها حولها ، لم تر سوى الفتيات ، والفتيان يتشمسون على حافة البحيرة ،
يعتريهم الفرح ، هذا ما أحبته ، إلا أنها لم تنس حلمها الجميل ، ولم تنس تأملها
للنجم المرتعش في أغلب الليالي الدافئة لتسمو روحها دائما ، لأنها تحب الناس ،
تحب الكون البشري . جلست ، وراحت تتطلع إلى نورسا يزعق فوق البحيرة ، كم تمنت
أن تزور الشرق ، وترى السماء صافية ، والبحار هادئة كالصباح هنا ، الآن ، هادئا
، ورقيقا ، متألقا ، و حلمها يمتد ، و يمتد في الصباح ، والليل .