حمودي عبد محسن
من أرض أور ذات الأسوار العظيمة ومن حبة القمح
الذهبية تحت أشعة الشمس اللاهبة في الصيف ، من
أرض سومر حيث ترتفع الزقورة للآن ، من أرض
النبي إبراهيم ودعوته الإنسانية ، مـن أرض
الحضارة الأولى للبشرية حيث بدأ من هنا تاريخ
المجتمع البشير ، من الاهوار وأكواخ القصب
والبردي قرب بساتين النخيل التي تزهو بعذوق
الرطب ، من هذه البقعة المدقعة بالفقر ، قوتهم
سمك ولبن أبقار وقشطة جاموس وحبات تمر ورغيف
تنور، وأغذية مطبوخة بقدور فوق الأثافي ، هنا
، ليس بعيدا عنهم ، يرى أهلها نيران النفط
المحترق ، يتصاعد في السماء مثل نار جحيم
ينبعث من طينة ورمل أرضهم ، من هنا تأخذنا
الرواية لملحمة شعب جهلنا عنه الكثير ،
وتلقينا بينه لنتعرف على عاداته وتقاليده
ووقائعه اليومية والأحداث التاريخية التي عصفت
بأرضه ، لنذرف الدموع على امرأة عمياء تلتهمها
نيران احتراق الأكواخ ، فالريح لا ترحم لتشمل
بيوت العهد القديم والجديد ، ولتصرخ أم مفجوعة
من شدة النيران : أبني ، نسيت أبني ، النار
تلتهم مولودا جديدا يطل على هذا العالم ،
والأم ترفس الأرض ، وتمزق ثيابها ، وتلطم
صدرها ، وتخرمش خدها ، وتمزق شعرها ، والنسوة
يلتفن حولها باكيات ناحبات ، هذا هو الاحتراق
، والاحتراق الآخر لا يختلف عنه سوى الزمن
والاتهام لشخصية الزرار حسين ( أبو علي )
البريء الدخيل الآتي من إيران إلى المدينة
القصية ذو الجسم القوي الذي حمل على كتفه
وظهره بضائع السكر والشاي ، احتضنته المدينة
لأنها عربية ، والعربي يؤوى الدخيل مهما كانت
النتائج ، رحبت به ، وآوته في كوخ فيه حصير
قصب ، فيه فراش نوم ، وفي واجهته الأثافي ، في
كل صباح يوم العاشر من عاشوراء ، يخرج بسيفه ،
ويغطي جسده كفن أبيض ، ويصيح بألم في ساحة
المدينة ، تهرع الناس إليه ، والدموع تسيل من
عيونها وكلها تردد ( واحسيناه ، وا أبا عبد
الله ) ، يهتز السيف في الفضاء ، ثم يضرب
الرأس الحليق ، وتسيل الدماء على الوجه ، ثم
تنزلق على الكفن ، بقع دم حمراء ترسم وجودها
في مهرجان الموت ، مهرجان مئات الأعوام يستذكر
أبو علي منه يوم عاشوراء ، يوم الطف ، يوم
ثورة الأمام الحسين ضد دولة الاستبداد ، دولة
الظلم الاجتماعي ، وغالبا ما يستذكره الفقراء
، أما أبو صوفة فبيته زورق ، يتمدد فيه ، يرى
السماء مزركشة بالنجوم اللامعة ، والقمر وضاء
أبيض ينير المياه ، يحب الأهوار ، ويحب مياهها
، وقصبها ، وطيورها التي تغرد ليل نهار ، يعرف
أسماءها ، ويفرق بين أصواتها إلا أن الغبطة
تملئ نفسه عندما تهب أنسام المساء ، ويهتز سعف
النخيل ، ويطلق صوته الرخيم الشجي لنفسه ، فهو
رجل آخر ظهر في المدينة القصية ، لم يعلن
السبب ظهوره صمت هو مثل صمت أبوعلي ، فقد حملت
المدينة القصية أسرار الغرباء ، غرباء مثل حسن
الآتي من مدينة العلم والمعرفة النجف حيث فيها
مرقد الأمام علي ووادي السلام ، لا أحد يعرف
لماذا ؟ كان يأكل الفاكهة وهو يمشي ، وينام
أحيانا على كراسي المقاهي آو على حصير يفرشه
في ظل الدكاكين ، ينام بعد أن يغلبه النعاس ،
وتطارحه أزقة النجف ، وسراديب بيوتها ، وسجع
الحمائم في صحن الأمام علي ، والعزاء ، وسبيل
الماء البارد ، وماء الورد ، إلا أنه أشتهر في
المدينة القصية بفن اصطياد الثعالب الماكرة
حتى لقبوه بصياد الثعالب ، وكما للرجل قصة في
الأرض القصية أيضا هناك قصص للمرأة الجريئة ،
ودور في دخول عالم الاعتماد على النفس في
العيش ، فهذه مكية أم ركبة وقسمة أرملة شهيد
قتله البعثيون في انقلاب شباط الأسود عام 1963
وأم كاظم يفترشن بضاعتهن على الأرض بتمويل من
حجي عبد الرحمن تاجر الجملة ، وغالبا ما تكون
بضاعتهن من الحناء ، البخور ، الورود المجففة
، الهيل ، العطور، القرنفل ، وكذلك دخلن
العديد من النساء ومنهن صالحة أم طاهر ميدان
بيع السمك الذي يطلق عليه صفاة السمك ، فها هو
مشتري يعاملها ويساومها على البيع كما ورد في
الرواية في ص30:
– بكم هذه السمكة ؟
– بمئة فلس – يا حاج – ؟
– بكم قلت ؟
– بمئة فلس !
– بسبعين فلس !
قلت لك – يا حاج – بمئة فلس ، خذها بتسعين .
– بستين فلسا )
وهنا في الرواية تطوف بنا بحب عذري جميل للفتى محسن الخجول الحزين العينين مع الفتاة حبيبة التي تحلم بقنينة عطور صغيرة لتسعد أنفاسها بعطرها ، وتتضوع ملابسها بها ، لكن من أين تشتريها وهي لا تملك المبلغ الزهيد ، أنها تحلم أن يقدم لها محسن هذا العطر كي تملكها السعادة في ليلة مقمرة ، وكما هي تحلم ، كانت الليالي لا تفارق عيني محسن ، يراها طيفا مقدسا ترقد بجانبه ، دائما كان يسترجع صورتها وهي آتية من الهور تحمل جرتها على رأسها ، سأذهب إلى هور الحمار ، وسأبقى عاما حتى استطيع الصيد الذي سيوفر لي المال لأتزوج حبيبة ، هذا ما كان يدور في مخيلته إلا أن الكاتب وصف ذلك بتوفيق ونجاح محذرا في ص89 ( عاما ستقاتل يا محسن ! عاما سيمضي ثقيلا ، ستنزل الماء في حدة البرد ، وقسوة الشتاء ، ستصعد البلهارزيا من بين أظافرك ، أو مثانتك ، قبل أن تبني أنت كوخ حبيبة ، عاما ستنهض فيه قبل أن ينهض الفجر ، وتعود فيه بعد أن يلقي الغروب شمسه في مياه الأهوار ، فماذا ستبقى لحبيبة التي لبست ثوبا جميلا ، وفرشت لك فراشا جديدا ؟ ) .
أما سالم وهو الشخصية الرئيسة في الرواية مأخوذة من واقع الحياة ، فيها ملامح العمق والتكوين ، فقد تحولت شيئا فشيئا إلى توحيد جذري ، وإلى تميز واع ، وانعزال فكري مدرك عن الشخصيات الأخرى ، فهو باهر ، وذكي ، وهادئ ، فيبدو هو شخصية مزدوجة أو مركبة من عدة شخصيات ليمزجها الكاتب سهر العامري في شخصية واحدة منفردة ، ويكون من المنطقي والمعقول أن تتمتع بمواصفات الأصالة في الشجاعة ، والصدق ، وحب الوطن ، وطموحة ، واستعداد على التضحية بالنفس من أجل قضايا نبيلة ، ولذلك ناهض سالم ، وناوأ انقلاب شباط الأسود عام 1963 ، وقد ردد حينئذ مع نفسه ص95 ( ما مات ميت إلا وترك وراءه حيا ، ما سقط لك بطل أيها الشعب إلا ونهض آخر ، حين غمدت سيوف الحسين انتضت سيوف الزنج ، وحين هوت نبالهم فوقت نبال القرامطة ) . ثم أسس جماعة الوعي الديمقراطي التي أخذت على عاتقها إلصاق المنشورات على البيوت ومركز الشرطة ، وهذا ما أرعب العهد الأسود الجديد .
أن رواية المقهى والجدل لسهر العامري صدرت عن دار ميشون عام 2003 في السويد في 168 صفحة ، وهي رواية واقعية بين مدينتين الأولى صغيرة والثانية كبيرة – المدينة القصية – الناصرية – تدور حوارات – جدل في مقاهي خاصة مقهى كاظم التي تسمى مقهى البوهة ويرتادها العاطلون عن العمل والكادحون والطلبة ، وتميل إلى الطابع الشعبي في لغتها السردية بروافد متعددة المظاهر في مدلولها وقيمتها لمراجعة التاريخ ، تاريخ العرب ، تاريخ الإسلام ، تاريخ العراق ، وتخاطب الجميع ، وتواجهنا بالوصف للفقر المدقع ، والخلل السياسي – سيادة دولة الاستبداد – الذي وراءه الأجنبي ، يسانده ، ويدعمه ضمن مصالحه النفطية ، وتدعونا الرواية إلى إدانة الأجنبي ، ومحاربته ، خاصة توفر مقدمات ومكونات مادية وروحية لتجاوز الانهيار والتقهقر وبناء مجتمع زاه يكون مثالا للشعوب العربية في العراق ، وقد ذكرنا الكاتب بمخاطبة هارون الرشيد لسحابة مرت فوق رأسه (أمطري أينما مطرت فإنك في أرضي ) .
إن الرواية متجانسة ، فمسيرة تجانسها تتجه إلى أهلها ، وموضوعها المحدد في الصراع من أجل التقدم والقضاء على الفقر والتخلف الذي وراءه الشركات الاحتكارية والدول الصناعية الرأسمالية الكبرى ، وتكمن حداثة الرواية في نوعيتها الخاصة بتتابع الأحداث سواء كان قديما أو حديثا بمنظور آخر تقدمي إنساني وأيضا انعكاس للواقع ، فصهرت شخصيات في زمن البلبلة والفوضى السياسي ، فهي ذات اثر وبعد وامتداد بعيد للماضي ، ومستوى نثري يتناول عالم حقيقي واقعي .
تتحدث الرواية عن فترة ما بعد ثورة 14 تموز عام 1958 ، في عصر حافل بالقلق ، مليء بالاضطراب السياسي ، بالرغم من تصاعد نشاط الحركة الجماهيرية اليسارية ، إلا أن كثير من الكتاب والمؤرخين يعتقدون أن قادتها كانوا ضعيفي التجربة والمهارة السياسية والحنكة السياسي ، مثلها مثل قادة الثورة العسكريين الذين عبروا مرحلة تاريخية غير ناضجة ، وغير مؤهلين لقيادتها مع دعم الشعب لها ، وقد فتحوا بابا للدماء ، وهذا ما استغله القوميون الشوفينيون والرجعية الداخلية ، مدعومين من المخابرات الأمريكية ، ليقضوا على الثورة ومنجزاتها الكثيرة ، وتدخل البلاد في قتل ومذابح و إرهاب لا مثيل له .كل ذلك امتدادا وتتويجا حيا للأوضاع التي آلت إليها البلاد في الوقت الحاضر من تمزق وضعف ومستقبل مجهول غير واضح المعالم .
لقد أراد الكاتب أن تأخذ نهاية الرواية شيئا
من التميز ، فهو سرعان ما ينتقل الى مكان بعيد
عن العراق هو ليبيا حين يفرض تشابه الاحداث
ذاك عليه. او ينتقل الى اعماق التاريخ الذي
يتوحد في وسيلة القتل للخصوم ، تلك الوسيلة
التي قضى بها السيد صادق وهو أحد شخوص الرواية
، وهي وسيلة يمكن ان تكون لاي واحد من شخوص
الرواية المعارضة للسلطة والتي مر عليها
الكاتب .
كان لي توق أن أقرأ المزيد من الوصف لبساتين
النخيل وللحيوانات وطيور الأهوار . عسى نجد
ذلك في روايات أخرى .