حمودي عبد محسن
فرش أوراقه على الطاولة ، وأقام قلمه ، ومد
يده من أجل إشباع رغبته في الكتابة ، ترجى أن
يحصل على القصة التي من أجلها جلس إلى الطاولة
بالرغم من أن الفترة الأخيرة أغرق نفسه
بالتفكير أن يكتب شيئا جديدا ، وهو بحاجة
للكتابة التي تستبد به ، وتجذبه في حيرة
وارتباك . مشهد موجع وحزين الذي يحدث في وطنه
المنفى ، فحاله اليوم يختلف عن أي يوم آخر ،
أنه في حالة الجزع يليق به الألم ، لم يكسب
منه خطوة من خطواته سوى توبيخ الذات ، شئ عجيب
، المرء يولد ، وينشأ ، ويتحول ، ماذا يبصر
على الورق ، وعلى قلمه المنزلق بالكتابة ؟!
أثار ذلك دهشته ، ووقع في التشوش ، فليحاول
تغير أسلوبه في الكتابة : أشرعة بيضاء منشورة
فوق الأمواج ، حوريات البحر فرحات ، بشعر أسود
منفوش مع الريح ، يغنن أغاني سامية ، محبوبات
منذ القدم ، يحتفلن ، ويسيطرن على البحر
الغائم ، الممتد ، المستبد بالأشرعة المجتثة
المخيفة بتمزقها كذوائب شعلة منطفئة . أن
القاص يهزأ من إله البحر ، فرأى السفن كيف
تسبح ، كيف تزحف كأنها خرجت من العدم ، يا
للأسف ، تحطمت السفن ، من يحمي البحارة ؟!
حوريات البحر لم يردن الظهور ، وخشين الأضرار
، لم يكن لطيفات ، ناصعات البياض ، وهن مليئات
بالشوق لحماية البحارة ، إلا أنهن متعطشات إلى
غيرهم ، إلى ما لم يستطع البحار الوصول إليه ،
لم يظهرن مثل النجوم الصغيرة التي تنشر الضياء
،مشهد موجع حزين ، ظهر ثعبان عملاق هاجم
البحارة ، وانقض عليهم ، وقد أخفق البحارة أن
يفلتوا منه ، فكان يطوق واحدا تلو الآخر ،
فيستميت هذا في صراع دون جدوى ، فيعصره
الثعبان ، ويغرس أنيابه في جسده ، ويرميه إلى
أعماق المياه ، موت زائف ، ينتقص من قيمة
وعظمة ، ومجد الإنسان ، ومن شهرة أبطاله ، ومن
خرافة قديمة ، أينما اختبأ يلاحقه الثعبان ،
وتتجسد آلام الاعتصار ، ووخز اللدغات ، فيبث
الرعب في روح القاص ، أن هذا المشهد يعذب
الضحية ، المغلوب على أمرها ، وهي لم ترتكب
إثما يذكر ، حاول أ يصب فيضا من الضوء على
الضحية ، كأن يجعل البحار يمسك شعلة نار على
شكل سيف معقوف ، وغير شكل البحارة ، وحجب توتر
عظلات الوجه ، و الأذرع ، وكل لحظات الجهد
الإنساني المضني والمعذب في المقاومة
المستميتة ، وسمات الألم المبرح التي ينطق بها
وجه القاص ، حجب أشياء كثيرة ، واستطاع أن يرى
عن قرب المجهود في شكل المقاومة الهائلة
النبيلة ، فالقاص يعرف الحكمة الدنيوية ، لم
يتراء له هذا من قبل ، إلتواءات خائرة حيث دم
البحار في يديه ، وهو يقاوم بيديه ، ورجليه ،
اضطراب ، وحركة ، وصراع ، لا تعوزه الصفات
الروحية ، تدثره ، وتعبر عنها في المهارات
العينية التي لها جسد ، هذا المحك الذي يجلو
قدرته أن يجسده في القصة الغافلة عن جوانب
الظلم والعدالة ، في قضية إنسانية كمصير
البحارة كأنه عقاب في رشاقة الكلمات ، وأناقة
الإيماءات كي يرضي نوازعه من شغف بالمعنى ،
والشك في قيم الحياة الخيرة ، وفضائلها ، ها
هو ذا موجود ، يبدو له من ناحية أخرى أن ثمة
رؤيا ، لتطيل التفكير ، والتدبير ، وقد ابتدأ
من البحر ، أن هناك ألوان يحاول أن يحرر ذاته
من إسار القيود التي تصفده ، انفعالات تمور
داخل وجدانه الغريب في الكلمات التي بسطها على
الورق ، شاء إضاءتها من ظلمة شديدة ، البحر
يبتلع السفن والبحارة ، هذا كان مقصده ، تلك
الحالة التي تجول الإنسان الواعي بكنه الحقائق
الغائبة عن بصائره ، فتنكشف له على غرار ما
تنبثق عنه ومضات الأحلام المنسية معنى أدق
يزداد ارتباطا بالحياة ، ارتباط تسمو على ما
يعهده ، ويتكامل ارتباطا بالحياة ، ارتباط
تسمو على ما يعهده ، ويتقرب إلى الحقيقة ،
هناك تشويه أجراه عن قصد في القصة بوصفه حيلة
الارتفاع بمستوى الكلمات عن مستوى نظر القارئ
حتى تبدو القصة في أعينهم شامخة أ فأبرق الرعد
فوق البحر ، وأنزلت السحب مطرها ، والأمواج
تتدفق تلو الأمواج ، فطوح بالسفن ، وابتلعتها
الأعماق ، هزيمة مخيفة ، ماردة ، عظيمة ، هذا
في أعلى وفي أسفل يتغير ، ويتبدل كل شئ ،
ثعبان وقتل ، توحش ، وهزيمة من براثن الحرائق
، وهذا التفسير سبب في نعته البعض له بالجنون
إلى الحيلة البعيدة عن الواقع ، كما ذهب البعض
الآخر إلى إصابة عينيه باختلال في الرؤيا ،
ناجم عدم تساوي العين في الاتجاهات العمودية
والأفقية ، حرمه من تحديد صورة القصة في بعدها
الأسطوري الساحر ، الشيء غير المرئي في كل
الاتجاهات ، وولع بالزخرفة ، لمجرد زخرفة
واحتدام ، هذا الولع على مر الأيام كيف انتهى
إلى اعتبار الشكل الآدمي نفسه عنصرا خياليا
زخرفيا شديد الجاذبية ، على أن قد قدم إلى
جواز كلمات نمطية متخيلة مبتكرة عناصر أخرى
جديرة بالتقدير كرشاقة الصور ، فهنا وحش آخر
في جوف البحر كأنه معلق بين السماء وسطح
المياه ، بفكين فاغرين ، وهناك حورية البحر
مقيدة بالأغلال إلى صخرة تقع على شاطئ البحر ،
هلعة ، عارية ، تغشيها الأغلال ، والظلال ،
مستترة من فكي الوحش ، لذلك تطلب من القاص أن
يعلق على هذه المرحلة بمهارة ، وتنوع ، وأكثر
إقناعا ، وجهد على التكيف مع الزمن الماضي في
مضمون الشكل وشكل المضمون ، يهتدي إلى الحاضر
بحكمة الماضي ، يستقي لغة القصة بما تلمعه
العين التي يراد بها أن تنفذ إلى أعماق النفس
البشرية ، فللبحر لون أزرق ، فوقه غيوم بنية
تنذر بالعاصفة ، وكلما انفصل القاص بالكتابة
يرى أن السكون الظاهر واللون الغائم ،
والتكوين الصارم وتتابع الإيقاعات المتوازية
في موضوع المصدر أن الحورية عارية الانطباع
بصلابة التجسيم رغم بساطته ، ونقاوته ،
فالعينان تشدهان إذ يستعصي عليه أن يسبر أغوار
النور المنطلق منهما ، فينأى عن إبراز الخوف
الذي لا شك هي تكابده أمام فكي الوحش الفاغرين
المتأهبين لالتهامهما ، والقاص يسكب في جسدها
البض اختلاجات من النشوة في عينيها حتى تبدو
غريبة ، وقد حاول أن يعير نفسه ضوء القمر ،
والظلال ، وقبلات الحب يستدفئ بها ، ويشيد
عالمه القصصي ، رحيما بنفسه ، محتفظا بها
لنفسه ، راقدا رأسه على الطاولة بين ذراعيه ،
وهو يدرك لابد أن ينفصل عن أسرار البحر بلطف
الذي يموج ، ويصخب في ذهنه ، وإنه لم يشعر من
قبل بما يشعره اليوم أن يوثب من البحر باضطراب
، ويمضي بحزن ، ويمضي ، فالحورية تضئ خلال
الألم ، وتتألق على الرغم إنه من صنع خياله ،
تلمع بإصرار ، وصفاء ، وتمضي ، تمضي بوثبات في
البحر …إنها صورة القاص في متاهته .آه ، أصيب
بالإرهاق ، فرقد على السرير ، وهو في السبعين
من عمره ، محاطا بكتبه ، كما لو أن جسده ثوى ،
تحرك ذهنه القصة التي كتبها ، وقد استحال
السيطرة عليها ، وهو يضع حصيلة حياته في كل ما
كتبه ، وهذه الحصيلة في كل مكان كان ، جهد
نفسه من أجلها ، وهو يحاول أن يقنع نفسه ، أن
كل ما كتبه كان جيدا ، وها هو يستعيد كل ما
كتبه في مسار حياته الطويلة ، عاش حياة هامشية
، يتيما ، ربته خالته ، وعرف الحنان في حياته
، وقد أحب حبا شديدا زوجته زمرد ، وهي شابة
حسناء ، وتحدى ظلم الحكام ، وعنفهم ، واشترك
في الثورة في كردستان ، وكان له حنان آخر هو
أولاده الثلاثة ، وأنه جسد مواضيع كثيرة ذات
طابع سياسي في قصصه ، أنه مشبوب بالعاطفة إزاء
الفقراء ، والمظلومين ، لأن الأعوام التي
صنعته ، ومنحته بالقناعة ، وشعوره بالحرية ،
والحب الكبير ، ولدت عنده الحس الخاص بلغة
الكتابة ، لغته هو ، مستعملا حقه في التخيل ،
لقد دخل إلى عالم الكتابة ، وهو صغير ، وقال
الشعر ، وهو صغير ، وقد قال الكلمة التي تحرر
الناس من الاضطهاد ، الآن وحده وسط كتبه ، وسط
إرادته في مواصلة الكتابة ، حقا أنه رقد فوق
السرير ، حقا أنه بقي مخلصا للكتابة ، بقي
مخلصا لمثله الأعلى من ضحايا الدكتاتورية ،
وهو يحلم بعالم أثر عدالة ، ينصره ، ويكافح من
أجله . بقيت عيناه مغمضتان ، ولم يسمع أي صوت
، وماذا يحصل إذا فتح عينيه ، هل سيسمع أصوات
قريبة أو بعيدة ؟ جفناه ثقيلان ، رأى عالم
الخلود من ملائكة وشياطين ، ويوم البعث ، ويوم
الميلاد ، وآثار سومر ، وبابل ، وسقوطهما ،
وسمع أصوات نفخ ، وطبول في الأذنين ، وهو
يتذكر الأشياء برعب خاصة التعذيب الذي تعرض له
في عام 1963، وهو لم يعرف أهو نائم ، أم فقد
وعيه تحت هاجس الكتابة ، مد يده ، وانقلب على
جانبه ، وهو يريد أن يستيقظ ، ويواصل الكتابة
، لكن لم يفتح عينيه ، وعبثا حاول النهوض ،
هناك أشياء كثيرة تومض في عينيه ، وتسطع على
وجهه ، شدد عضلات وجهه ، كانت الحروب ماثلة
وراء جفنيه المغمضين ، حيث الذئاب تفترس
الفضيلة في حلبة صراع ، عاش ما فيه الكفاية
حيث تراه متألما ، غاضبا ، فتح عينيه بالكاد ،
لم يعد يستمتع بما حوله ، لأنه يشعر بتعاسة
حزن دفين ، قديم ، منسي ، وراهن ، لقد هزمت
أشياء كثيرة عنده ، هزمته الدهشة ، وغمره
الملل ، ويحلم بالظلال التي في غرفته ، ويتهرب
من واجبه أن يكتب القصة ، لم يشتك ، بل خرر
راقدا ، حزينا ، منهكا ، كإنسان لا يستيقظ
لأنه لم يعد يعبأ لأبواب الليل الداكن ، ولا
بالطيور في أجوائها ، رقص بطئ لفراشات في مسكن
الفردوس ، الصمت أمر لازم في هذا الوقت الجريء
، حيث الصلوات تنزل عليه من مسكن الملائكة ،
حيث يلمح عيون لا تريد الانطفاء ، الانطفاء
الجامد ، الانطفاء بين الجفنين ، عين سوداء ،
هي سوداء ، يا ملائكة أعيروه عيونكم ، أناملكم
، أياديكم ، كي يرقد الرقاد الطويل في الصمت ،
في الصمت الذي لا تطلق فيه صرخة ، يكفيه أن
يفتح عينيه في هذا الليل الذي ترقص فيه النجوم
، منذ قرون مضت ، منذ قرون سقطت بابل ،
والخراب قد ترك فيها ركاما مثلما سقطت اليوم
بغداد ، كل التاريخ يسير في هذا الممر الدامي
، يتدلى على جوانبه الموت ، جرائم خضراء
اقترفت منذ قرون مضت ، منذ قرون فتح الباب على
مصراعيه ، وتطهرنا بالليل الدامس ، وقد مات
النهار .ما كان يريد أن يتذكر ، لأن التذكر
يمر عبر الفترات المظلمة ، يمر عابرا كل القيم
، ويصبح حزينا ، ومنهكا ، لم يكن ذات يوم
متعبا بمثل هذا اليوم ، أنه متعب ، يفتش عن
ذاته عبر الرقاد ، أنه ضائع ، يلقي بنفسه في
عناء كبير ، ولذلك لم يرد أن يتكلم ، فهو عرف
الآلام في نفسه ، وعرف الآلام في الآخرين ، لا
شئ غير ذلك ، لا شئ أكثر من ذلك ، ماذا يحصل
لو نهض من السرير ، وبكى ، فهل سيعرف شيئا
أكثر من ذلك ، أخطر من ذلك ، أنه يرى رعب ،
وحرارة الجحيم ، ويكفي هذا أن تسيل الدموع من
عينيه ، ويمعن التفكير عندما يقف الدكتاتور
أمام باب الجحيم ، هذه الحقيقة يستطيع التأكد
منها ، ولهذا كتب قصصه ضد الدكتاتور ، وحروبه
، الآن يصيخ السمع بدقة ، فإن المطر يضرب
زجاجة نافذته ، لا يدري لماذا انتابته
اللامبالاة ، وكاد يفقد حسه إزاء المطر ، هناك
مخابئ لا تحصى ، وتفاصيل صغيرة ، ومجرى تصور
الذاكرة حول العالم ، الفناء والتغير ، الحس
التاريخي عالم الخلود ، كلها مثل ريح ضعيفة أو
نفحة قاسية ، جافة ، تطن حول أذنيه ، لم يثر
ذلك امتعاضه ، فاختلطت عنده الأصوات كما لو
أنه يسير في الاتجاه المعاكس للريح ، طنين
رنان يعزف في أذنيه ، نوطة صوت مرتفعة في
عالمه ، تجوس فيه أسيرا ، لقد شعر بالخوف من
تفكيره ، ورقاده الطويل ، هذا ينهكه ، وهو
يفكر بالقصة التي لم ينته منها ، أنه راقد ،
أنه يفكر ، أنه خائف ، من أفكاره غير
المتناسقة ، وأغمض عينيه مجددا ليهرب من
أفكاره ، من الغيب المتحرك بين الجنة والنار ،
نور غير واضح يتراقص بين جفنيه في الهدوء
العميق ، المحجوب وراء الظلمة ، وهو يتلوى
مبتعدا من أشباح ، أشباح نفسها تدخل ، وتخرج
من شقته ، وتختفي ثم تظهر وقت اضطرابه ، هو
نفسه يختفي ، ويظهر من جديد ، كان يلزمه
كائنات تشبهه ، فيها النبل أكثر وضوحا ،
وثباتا لا يعرف متى يأتيه ملاكه ، يترقبه في
سريره ، وتهيج في ذاكرته الذكريات ، متبعثرة ،
منفلتة ، متناثرة ، ذكريات كتبه التي ألفها ،
والتي لاقت رواجا عند الأدباء ، كلها ألغاز
ورموز قدرية ، تعرف اللحظة ، تعرف جرح الحلم ،
أن يرقد في فراشه تحت الظل ، بينما العالم
يغور حوله في سواد الليل ، والزمان يفترسه على
مهل ، ها قد بلغ السبعين من العمر اليوم دون
احتفال مثل بحيرة البلوط التي تستحم بالضباب ،
والمطر ، فلا صدى أصوات ، ولا فرقعة شعاع ،
ولا جوقة أهازيج ، ولا إكليل ذهبي ، ولا أجراس
ترن ، صوته وحده يمحوه المطر ، فها هو ينسى
الصباح المحتم الذي لا يقاوم بالسنين ، في هذه
الهنيهة استخدم أحلامه من جذورها المتشابكة ،
كان بوسعه أن يصرخ ، ماذا تجد في أحلام الليل
؟! عما تبحث في الظلام ، الحزانى يبوحون
بقتلاهم ، إنه مجرد حلم ، متعدد الأصوات ،
طفرت الدموع من عينيه ، ونظر نظرة خابية من
دون أن يرى شيئا ، تنهد بأسى ، وبصوت مسموع ،
واعتراه شئ من الخوف ، نظر إلى طاولة الكتابة
ثم حول عينيه بسرعة ، ونطق بكلمات لم يفهمها
هو ، كان ينظر إلى الأمام ، لكن بعينين
مغمضتين ، بدا شئ ما يتحرك في عينيه لكنه لم
يفتحهما في الحال ، سرى فيهما الهدوء ثم
تحركتا ، وفتحهما ، فبان على وجهه الأسى ،
والألم ، فعادت إليه الذكريات ، هروبه من
العراق عام 1978 ، واستقراره في الجزائر ، ثم
لجوئه إلى السويد ، وسع من فتحة جفنيه ، ونظر
، لا ، أنه في الظلام ، لم يغمض عينيه هذه
المرة ، وأراد البكاء ، ولكنه لم يبك ، فقد
جفت الدموع في عينيه ، وتذكر الكلمات التي
كتبها اليوم ، هدأ ، واطمأن ، وهو تحت تأثير
الكلمات ، وهو يبحث عن ملاكه ، فهم ، وأحنى
رأسه قليلا ، وارتسم تعبير من الفرح على وجهه
، وانغلقت عيناه ، وبكى ، وسمع صوته الواهن ،
وهو يحاول أن يطمأن نفسه أن هذه الليلة ستمر
بسلام ، كان يتحدث مع نفسه ، ويضطر إلى الصمت
، هز رأسه ببطء وتنفس ليريح عينيه ثم أحنى
رأسه ، كان يحاول استرداد ذكرياته بعينين
واهنين ، مما جعله يتحدث بصعوبة مع نفسه ، وهو
لم يستطع أن يفهم شيئا ، أهذا هو أم أنه إنسان
آخر ، وهو يشعر بنفسه أنه هو بدليل الظلام
الذي يحيطه ، متى ينتهي عذابه ؟ وحده يدري
بذلك ، انفتحت عيناه وحدهما دون أن يدري ، صار
يتذكر برقة ، وأوضح ، وما جلبته الدكتاتورية
من ويلات ، وكذلك الاحتلال الأمريكي ، وما
نشبت من حروب بين الطوائف ، فظهرت على وجهه
ملامح عميقة ، جادة ، وهو لم يفلت كل الأحداث
التاريخية التي عاشها ، صمت ، وبقى بلا حراك ،
أفاق على نفسه ، ونهض من سريره وجلس إلى طاولت
الكتابة بعد أن أضاء النور ، وتحول إلى فرح
هادئ ، أنه يستطيع مواصلة الكتابة ، وصارت
روحه أرق بعد وهج الكتابة ،وظهرت على وجهه
ملامح الفرح ، والسكون ، وقد صافحت عيناه وجه
الأوراق ، وقد سأل نفسه : من كان يصدق أيستطيع
أن يكتب ؟! كانت الكتابة أكثر راحة لعينيه ،
فدارت في رأسه ذكريات قاتمة ، ضعيفة ، فتح
النافذة ، فاندلقت غبشة صباحية مبكرة باردة ،ثم
أشرقت الشمس إذ من أعلى تتساقط أشعة الشمس في
فرح قبل وصولها الأرض ، وبدأ الهواء يتحرك
ويتلاعب من حوله ، ران صمت عميق ، إذ بدا
النهار صحوا ، والهاء مشبعا بالشمس ، والسماء
صافية ، بعد أن توقف المطر وتبدد ضباب كثيف
أبيض غطى المدينة ، وغرق فيه كل شئ ،فأصبحت
الرؤية ممكنة .ارتدى ملابسه بسرعة وخرج من
شقته في الطابق الثالث ، وهام على وجهه في
شوارع بحيرة البلوط ( إكشو ) ، وروحه مثل نغم
حزين ، كأنها انبعثت من رماده ، فكانت نظراته
تتسع إلى هذا العمق السماوي الملون الجميل .جلس
على مصطبة يواجه بها بحيرة هنسنسين المحاطة
بغابات كثيفة وهي أكثر رحابة لبوادر الخريف ،
فسبحت أفكاره من هذا الغيب ، من نور الصباح ،
نور واضح ، جياش ، جذاب ، كلها صور رسمها في
فكره مجذوبا إليها ، مشعة في الهدوء العميق ،
محجوبة وراء الذاكرة كأنه هو شبح وحيد أمام
البحيرة ، هو نفسه الذي يخفي ذاكرته ، ويخفيها
في عطر الأشجار ، تلزمه كائنات بشرية تشبهه ،
يكون النبل متحركا في الأعالي ، هكذا ترقب
النهار في منعطف تيهه ، تجوب في ذاكرته ذكريات
، تتبعثر طلاسم ، لم يعرف اللحظة ، لم يعرف
جرح الألم ، أن يعيش في المنفى ، وهو في هذا
العمر ، بينما تغور أفكاره في العراق الأبدي ،
لئلا تضيع الشمس في عينيه ، والأمل ، والوطن ،
التي يفترسها الزمان ، لم يدرك كيف مر الزمان
سريعا مثل أمواج المياه تسخر من المن ذاته .
صحت ذاكرته ، وحده يخفف الوطء عن نفسه ، فنسى
الليل والنهار ، ونسى معنى الزمن ، فنهض عائدا
إلى بيته ، سيعيش فيه مدى الدهر ،وتصل إلى
سمعه وساوس القصص ، قصص كثيرة يستخدمها في
أحلامه ، ويستطيع أن يصرخ عما أبحث عنه في
الكتابة ، تتميز صرخته بلطف التي فيها الخلود
، كل ذلك جرى بهدوء عظيم ، وعميق كأنه محظور
في غور الدنيا .
30 | 8 | 2008