حمودي عبد محسن
لقد أظلمت غرفتي
تماما بعد أن أطفئت النور ، واستلقيت في سريري
لأتحد مع عتمة دامسة اعتدت عليها ، واعتدت على
صمت مطبق ، خانقا كل شيء ، تعجبت لهذا السكون
من حولي ، سكون عميق غامض ، فقد أحسست
بانفصالي عن ذاتي ، واغترابي في هذا الكون ،
وأنا أغمض عيني ، وأفتحهما ، واستذكر ليالي
حميمة ، وأياما قد تغير محتواها ، فلم أشعر
بميلي إلى النوم الآن ، لقد تغيرت ، وتغير
العالم ، إذ أن ليلة هذا اليوم يبدو أنها لا
تشبه الليالي الأخر ، يبدو أنها طويلة جدا ،
وهادئة تماما ، أنها تمضي ببطء شديد كاسحة كل
الليالي ، خاصة بعد أن تغضنت أخاديد في جبيني
، وتغيرت قسمات وجهي ، حينئذ انبجست الدموع من
تحت أجفاني لتهدهد مخدتي البيضاء المطرزة
بورود حمراء ، وكذلك تهدهد كل الليالي التي
انطوت في سعيها وراء آفاق ملونة فاتنة التي
بالكاد اتسعت لي ، واتسعت لتوقي إلى أفق بعيد
، إذ تلوح لي لحد الآن بقايا انفجار مرح لقبلة
خجلة على فمي ، يا لها من قبلة أنيقة رائعة في
طرفة عين ، في صيف سويدي ، في محطة باص ! ذلك
كان قبل أعوام طويلة ، زينتني بعقد أخضر خصب
ضد كل أنواع الأشواك ، والأدغال ، زينتني قبلة
سريعة نموذجية احتذيت بها ، ذات لغة شاعرية
مناصرة للحياة ، ذات سمات جمالية طفولية
لامرأة ، أضفت البعد الناضج من ثنايا رموشها
السوداء التي تراقصت عفوية في مزاج روحي لا
ينضب ، حينها كدت أنسى في أي بقعة من الأرض
أقف ، وأنا أحدق بثبات إلى الأسفل ، وأقرأ
اللحظة المستحيلة ، الأزلية ، مستغرقا في
السكون أشبه بسكون حلم لا يزول ، مستغرقا في
طيف وديع بقدر من الارتياح ، ثم جاء صوتها
المرتعش الذي خمد على صدري : أنا أحبك . بعدئذ
طالت ابتسامة سخية جريئة على شفتيها ، وأنا
انغمس حينها في تعابير وجهها حينما نطقت ،
لأكون صامتا من الدهشة ، أجل ، التزم الصمت في
بعد منير ، في ألوان وجهها المضيئة الفاتحة ،
في نظراتها ذات التعبير الهادئ كأنها نظرات
منذ الأزل ، وستظل كذلك إلى الأبد ، فعيناها
فيهما من الفرح ما يكفي للبشرية كلها ، فيهما
ما يشبه التصميم على الحب ، فيهما تلقائية من
دون أن تكلف الروح قسط عبأ ، أما الشفتان
فراحتا ترتجفان بصرامة مدهشة لتلبساني رداء
السعادة . طال صمتي لأسكن ظلال عصور عظيمة
قديمة بسطت أجنحتها من قلب الحب التي لا
يفصلني عنها شيء ، ووجهي يشي احمرارا بنفوذ
غياب كبير لتلك العصور كي أرتل توهجي وأرتل
الكلمات بنعومة وبطء ، وأترك فمي يقول : أنا
أيضا أحبك .
لم نتبادل خاتمي العرس في حفل أو مهرجان ، ولم
نقع في غواية الشتاء البارد ، وخديعة الصمت
التام ، بل سبرنا أغوار الحب في تكتم تام ،
حتى أن سحره وصفاءه بارك دموعنا ، وشغف عناقنا
في طقوس معتادة ، في ليل أو نهار ، حتى إذا
جاء القيظ اكتمل في دفء جسدينا ، لذلك كنا
نجوب بانتشاء سواحل بحار ، وبلدان ومدن تعود
لسلالة نبلاء ، وأمكنة منظورة تزهو بالمياه
والخضرة ، وحدائق تفيض برائحة الزهور ، وذات
ليلة ثلاثاء في صيف منعش في جزيرة النخيل من
جزر الكناري تسلل نسيم البحر إلى خلوتنا ،
وتسلل ضوء القمر الساطع البهي الذي أضاء
جسدينا ، وكون ظلالا عليهما ، فلبثنا رهينة
القمر ، رهينة طغيان ضوءه ، لقد كانت تلك
الليلة شيء آخر ، فأخذنا نعوم في الضوء ،
ونسبح به ، شعرنا بأننا متعلقان به ، ومتعلقان
ببعضنا ، وفي لحظة حاسمة أصغيت إلى كلمات
محبوبتي الحسنة :
– هذه الليلة حلوة ، وجميلة .
حينها أغمضت عيني ، ورددت مع نفسي :
– ليلة حلوة ، وجميلة .
ثم أدرت وجهي إلى الزمن ، وجدته يمضي ، كما هو
عليه ، عندئذ أقبلت بوجهي إلى ضوء القمر ،
ورحت أحلم ببلادي : سطوة سيف جلاد ، برك دماء
تفيض رائحتها في لظى امتعاض ، وغواية سلطة
ومناصب ورتب ، وزيف مال في خفي خداع .
الآن ، يمر علي حلم متاهة في لمحة واحدة ، أرى
التاريخ كله وما اندثر منه وما ولد منه ، أراه
في لحظة مدهشة تلخص الأزلية وبداية الخلق
والمصير النهائي ، إذن سوف أنام في هذه ليلة
الثلاثاء ، وسوف أواصل الحلم في ليلة الأربعاء
، وما تليها من ليالي تراتبية ، وستكون أحلامي
متشبعة ومتوحدة ، قد أرى نفسي في السماء ، قد
أرى جلجامش وصديقه أنكيدو يصارعان ثور السماء
وينقذان العراق ، قد أرى أسدا يعبث في غرفتي
وينقذ علي ويسفك دماء . لا ، ها أنا أعانق ظل
محبوبتي في ليلة الثلاثاء ، إذن لا أريد أن
أرى حلما مشوشا ضعيفا يصيبني بالخوف ، يحطم
ليلتي ، وينهضني هلعا من سطوة سيف جلاد ، أراه
داكنا وحادا يقطر دما فوق مجرى الفرات – أنه
الكابوس – الكابوس الذي ينهض النيام من نومهم
في هلع رهيب ، دقات رعب على باب الدار ، سيف
الجلاد في انتظار . نهضت من سريري نهوض خارق ،
وأنا أقف في ظلام غرفتي ، إذ صرت في ضرب
الخيال ليس مع سيف الجلاد ، بل في ضرب الحب
الذي لم يخمد ، وقد قيد بالسلاسل منذ قديم
الزمان ، لم يمت ، أنه حي ، أنه ينبثق في
صيرورة جديدة بعد كل هذه الأعوام ، أنه يظهر
من تحت أعماق ليلة الثلاثاء تلك ، ومن مخابئ
كينونتي ، أنه مميز يطفو فوق السطح بعد أن خرج
من الأعماق ، لذل رحت أتنغم بالكلمات : آه ،
الحلم شيء محير ، يضرب في الخيال . فأخذت أردد
:
– ليلة حلوة ، وجميلة ، ليلة الثلاثاء .
ليلة الثلاثاء – 26 / 5 / 2010