حمودي عبد محسن
لقد مرت فترة مؤلمة في تاريخ مدينة بغداد لتصبح معرضا للموت
الدائم يوميا ، وقد مرت ثلاثة سنوات من تاريخ الاحتلال ، وإن الشعور بثقة النفس
: أن لا مخرجا لشبح الموت منها . وهذا شعور ينتمي إلى الأحداث نفسها ، مدينة
الموت الدائم ، وما زالت في نفس النوع ، ومع ذلك ترتبط مع إيقاع التغير الأكثر
تشعبا ، الأكثر اتساعا ، لا تعد فترة طويلة جدا ، ولا تكفل استقرارا ، فالتحول
أحدث عمقا حاسما ، تحول وجه عالمها بعمق أكثر مما طرأ عليها خلال مجمل العهود
السابقة من تاريخها الإنساني ، وحسب ، والموت هو علامة دالة على هذا التحول ،
وذات يوم من أواخر السنوات الثلاثة ، ربما _ هو إسقاط المسافة بين نوم بائع
الخضرة ، وترحاله ، أصبح مرتحلا في كثافة القتل ، إذ لا ثقة له في تجاوزه ،
هكذا استحوذ القتل على مخيلته ، بلا تغير في ظل ظروف اليوم في عالم التغير ،
إنه طور جديد من التغير ، يا له من حزن ! حزن يفوق تحمله على مجابهته ، يبدو له
أنه مدفون في تابوت تحت الأرض في مقبرة ( ك ) . هذا يؤلمه كثيرا ، وهو ساقطا في
قبره ، فالعالم الذي يعيشه مع الموتى هو العالم الحتمي له ، إنه عالم الغربة
الخانق الذي تتزاحم فيه الموتى بشكل يومي ، وهناك قوى ما تتخذ موقفا مضادا لهم
، وهم المحتلون ، والإرهابيون ، الذين يدكون آلاف قنابل الحروب فوق رؤوسهم ،
الحروب لا تنتهي منذ أن قبر في قبره ، إنه إدراك عال وعميق بالأذى والظلم ، إذ
كل واحد متيبس في موته ، يرهقه الإحساس بأنه مظلوم ، يريد أن يخرج من قبره ،
ويصحو ، ليرى الأحياء ، ويوقف بشاعة الحروب ، لأن المقبرة امتلأت بالموتى ،
وبائع الخضرة يردد : ( أن الموتى ينهضون ، وإنهم يريدون أيضا تجريد النهايات
المفزعة بالموت ) . ياله من حزن ! فالأحياء وراء كل معانات الموتى ، لأنهم
يضجون على الأرض ، فلا زالت قنابلهم تتساقط على الموتى ، رأى شبحا لأم تحمل على
كتفها مسخنة ، وهي في طريقها إلى نهر دجلة ، إلا أن إرهابيا أوقفها ، وأستوضح
عن هويتها ، ثم قتلها ، فسقطت المسخنة فارغة من الماء ، وأبناءها في انتظار
عودتها ، وقد حاور بائع المخضر ، روح رجل ، كانت عظامه منفصلة عن بعضها ، الذي
أجريت له مراسيم مناسبة في دفنه بما يليق به فوق الأرض ، فعرف منه أنه كان ضحية
سيارة مفخخة ، فأبلغه إن خرج من قبره أن لا يقترب إلى التحشدات في الأسواق ,أن
يكون حذرا من الشاحنات ، خاصة تلك التي تنقل العمال فالإرهابي يخدع العمال ،
ويفجر سيارته بهم أو يقودهم للإرهابيين ، وأخبرته روح أخرى أن بعض الدول
المجاورة هي التي تدعم المليشيات ، وأصحاب السيارات المفخخة ، لمحاربة
العراقيين عنصرا ، وتكوينا ، بغية معاقبتهم لأنهم أصحاب خيرات . حاول أن يبحث
عن إرهابي ، ليسأله : ( لماذا تقتل العراقي ؟ ) ، أعاقه ذلك لأنهم أشباح ، لا
يجد من يقترب منهم .
نهض بائع المخضر ملفوفا بعباءة سوداء من قبره ليشبع متعته ، ونزعته ، وميزته ،
أنه ينهض من بين الأموات ، فهو مكون من عظام وروح ، وله إسهام عقلي ، ويبصر
الأشياء ، فتظلل بالظلام دون أن يكشف أحد طبيعته ، متوحدا ، منفردا مع نفسه ،
فذهب في بادئ الأمر إلى بيته ، طرق الباب ، لم يفتح ، قفز على السياج ، ونزل
منه إلى البيت ، لم يجد أحدا من أبنائه ، سوى ورقة علقت على الباب : ( يجب أن
ترحلوا أيها …) ، فأدرك إنهم رحلوا من البيت ، دون أن يعرف ، إلى أين ؟! فجأة
مرت سيارة ذات رشاش رباعي ، فركض باتجاهها ، وهجم عليهم ، فأثارهم الرعب ،
وفروا تاركين الشارع ، إذ لم يروا مثله على الإطلاق ، لم يبق أمامه سوى أن يرقص
، ويتعبد ، وحسب نفسه طابعا مقدسا ، فصار يمشي بتباه ، واستعلاء ، حالما تشاهده
مفرزة جنود ، لم يقترب منه أحد ، أنتبه إنه لم ير الناس في الشوارع ، أيقن أن
منع التجول يسود المدينة ، اتجه صوب دكانه ، فوجده مقفولا ، فأحس بالحزن ، وهو
ينتشل نفسه من الظلام ، متساميا ، يسمو إلى نوع خاص من تشكل الوجود فشاهد سيارة
حمل واقفة خلف مقودها شخص ملثم ، أحس أنها تنوي شرا، فهجم على سائقها ، وحطم
رأسه ، وبالتالي صار يطارد الإرهابيين ، وينقذ عليهم ، وذات لحظة أراد أن يمر
قرب مفرزة الاحتلال فمنعوه ، وهم يتكلمون بلغة لا يفهمها ، وأطلقوا الرصاص نحوه
، فزعق ، وهجم عليهم ، فهربوا نادمين ، وربما هربوا إلى بلدانهم ، إنه أشبه
بالمنقذ الذي يعرض طريقته في مهرجان طقوسي ، فصار يختفي في النهار ، ويظهر في
الليل ، وصارت لحظة ظهوره لحظة ثابتة ، ومن المؤكد صار الناس يتحدثون عنها ،
يتحدثون عن ميلاد مخلص ، منتظر ، إن ظهوره عيد غامض بطريقة معاصرة ، وفي مقابل
هذا الظهور رحل المحتلون ، وقيد الإرهابيين بسلاسل من حديد ، ووزعوا على
البلدان العربية ، كان ذلك في لحظة متسامية في جلب الآمان إلى بغداد ، وهو
الغرض الكامل المنشود ، فيه تجلي ، وأصالة العراقي ، الأكثر نموذجا بظهوره
المكتمل في تذكر الماضي والحاضر في وحدة شعبية لابد منها ، فكان ظهوره الشيء
الحاسم لانتشال الحياة اليومية من بؤسها ، إنه شئ طبيعي تماما بالنسبة لعصر
الفوضى ، واللامعقول ، وابتهال سماوي لتضمن لأهل بغداد الفضل ، كما أيقن بائع
المخضر ، التحول في الوجود ، وأن ممارسته ، وطقوسه ، وتعبده في الحياة لم يكن
إلا كابوس الموت الذي يسود بغداد المفجوعة بعد أن نهض من منامه ، ووجد ورقة
تهديد : ( يجب أن ترحلوا أيها…) فجمع أهله ، وارتحل مع أهله من المنطقة ، وهكذا
تشكل الكابوس أمام عينيه في صورة يتعرف عليها ، وتخبره إظهارا لحقيقة تخيله ،
حقيقة مطمورة في نفسه تستدعيه من الأعماق ، متخفية ، تخاطبه لينجو بعائلته ،
وهذا ما حدث له من خلال التجلي في النوم ، والطقوس اليومية التي تمر بها بغداد
، فهذه خاصية متأصلة في طبيعة الحياة ، تنطوي على مفارقة لتكرار إيقاع كوني ،
يسمو فوق كابوس الموت ، إلا أن الأزمنة لا تمر على وتيرة واحدة ، فلازالت
مخيلته وهو صاحيا لها القدرة الشرعية لمشاعره العميقة بنزوعها الغريزي ، القدرة
على إنقاذ الوطن ، ولو كان ذلك من خلال كابوس الموت .