هم من منتجي المعرفة، لديهم أمكانيات أدبية، ولبعضهم تاريخ جيد في مقارعة الأنظمة الدكتاتورية، لكنهم تحولوا الى مثقفين يسايرون الموضة! فبعضهم لم يكن ليعيره أحدٌ بالا، لولا إنتماؤه الى فكر وإتجاه سياسي معين، لكن بعد أن إكتسب الشهرة، صار ينتقد تاريخه الشخصي ربما ندما على ما فاته من إمتيازات لو إنه لم يعتنق ذلك الفكر ولم يسير في دربه!!
شاعر مداح كتب للدكتاتور المقبور، ومن ثم ساير النظام الجديد وأصبح موظفا مهما في الدولة، وبحكم الوجاهة التي إكتسبها ترشح الى أعلى منصب في تجمع للأدباء والكتاب، ويفوز، ويبدو إن من كانوا ضحايا نظام الدكتاتورية ومناوؤه قد إنتخبوه أو في الاقل رضوا بفوزه، لأنهم صاروا يعملون تحت إمرته ولا تأتي أسماؤهم إلا بعد إسمه !!
بعض أخر عانى من قمع نظام المجرم المقبور صدام وربما أعتقل أو تشرد، لكنه الان حينما يذكر إسم المجرم صدام يسبقه بلقب الرئيس ويعقبه بالترحم عليه، فماذا كانت تلك المواقف المعارضة له ولحكمه؟ هل تسلل اليكم الندم؟ لماذا؟
حالات غريبة أخرى إختارها بعض المثقفين بموقف اللاموقف فقط لأجل إرضاء آخرين لا أدري من هم، وليظهر على إنه متعقل متزن!! ناسيا إن الثقافة قبل كل شيئ هي موقف وما يفعله موقف أيضا، ولكنه موقف مشين! فالاستكانة الى منطقة الهدوء والبحث عن سلامة دائمة تعتبر هروبا من الدور التنويري الذي يفترض بالمثقف أن ينهض به بكل زمان ومكان.
حينما تناول غرامشي أدوار المثقفين قسمهم الى قسمين : المثقف التقليدي ويعني به مثلا المحامي والطبيب والمعلم ممن يرتهنون فقط لمهنتهم دون النظر الى هموم الاخرين، والنوع الثاني هو المثقف العضوي وهو المثقف الذي يتبنى قضايا طبقته المعدمة أو المهمشة ويجعل من ثقافته صوتا لها، ويبدو إن غرامشي لم يكن يعرف أو يعلم بوجود أنواع أخرى من المثقفين مثل الانتهازي والوصولي والمستكين والاناني والباحث فقط عن الشهرة والمال ومثقف لا لون له ولا طعم لكنه ليس ماءً، وربما هناك أخرون ممكن إحتسابهم على سقط المتاع .
هؤلاء من تطوف أسماؤهم اليوم على واجهة أجهزة الاعلام وخاصة الرسمية أو المطبلة للسلطة والاخرى الانتهازية.
لكن ذلك لا يعني عدم وجود مثقفين مازالوا يحملون مبادئهم صلبانا على إكتافهم ويتمسكون بمواقفهم الانسانية النبيلة، لكنهم لا يحظون بالشهرة كما هم مثقفو الزمن الردئ، وتلك من علامات الانحطاط الحضاري للأسف الشديد.
لم أقصد شخصا بذاته أو أسماءً بعينها لكنها ظواهر جلبت إنتباهي لا غير
ملاحظة: إستخدمت توصيف المثقفين بصيغة الجمع المذكر لكن ذلك لا يلغي وجود نساء قد يتسمن ببعض من تلك الصفات وعلى الضفتين أيضا.
