جمال الهنداوي
جمال الهنداوي
في بعض تلك الايام, وعندما كانت في العراق أربعة صحف فقط لا يميزها من بعضها الا لون الحبر الذي تخط به اسماؤها, كانت اجهزة”التيكر”هي اعلى مستوى من وسائل الاتصال المتوفرة مع العالم,في احدى تلك الايام,في اوائل الثمانينيات, فوجئنا بعنصر امني بملابس مدنية يحتل غرفة المبرقات في الجريدة,وكان حجمه وتجهمه ونظراته الحادة المتشككة تشير الى انه يعمل في جهاز امني رفيع اتفق حدسنا الهامس يومها على انه جهاز المخابرات العراقي بالغ السطوة والنفوذ,وبعد ايام عرفنا-همسا كذلك- الى ان هذا العنصر كان مكلفا بمراقبة تقارير وكالات الانباء الاجنبية واقتطاع أي خبر يرد فيها عن ارتفاع مناسيب دجلة واحتمال تعرض بعض اجزاء العاصمة للفيضان,ومنعها من الوصول حتى الى اعين واذهان العاملين في الصحيفة,وفعلا..فلم يكن هناك من يتحدث-ولو همسا-بالامر..فمع ان نشرات الاخبار الاجنبية كانت تتناول الحدث يوميا,ورغم المنظر اللافت الذي لا يمكن التعتيم عليه لمساطب العشاق في ابو نؤاس وهي مغمورة في الماء,الا ان ما لم يكن مكتوبا في الجريدة الرسمية لا يمكن ان يكون موجودا, وأن مجرد الحديث عنه يضع المرء فورا تحت طائلة التخابر مع الانظمة المعادية..او في خانة الطابور الخامس على اقل تقدير,فيومها كان من التجاوز, ام لم يكن من التجديف, ان يلوك الشعب ان القدر غير محسوب بدقة ضمن الاستشراف المستقبلي للقيادة التاريخية , وان الله قد لا يكون معنيا بتسليك الخطط الخمسية لدولة القائد الرمز.
