هوامش سريعة على بيان وزارة المالية حول إنجازاتها في تطبيق بنود الورقة البيضاء *

عدد المشاهدات: 2التصنيف: مقالة

د. صباح قدوري
(موقع الناس)

أرسل لي الزميل مصباح كمال بيان وزارة المالية بشأن “الورقة البيضاء”، وفق ما أعلنت عنها (السومرية نيوز)، يوم الأربعاء 27 /تموزـ يوليو/2022، بأن الوزارة حققت خطوات متقدمة وناجحة عبر تطبيق بنود “الورقة البيضاء”، فيما حددت 25 إنجازا تحققت بفعل تلك “الورقة” (1)

باعتقادي بأن ما حققته وزارة المالية من (الانجازات) ليست الا بعض الإجراءات الإدارية والتنظيمية في هيكلية الوزارة (راجع الفقرات 25,24,22,20,19 في بيان الوزارة). اما بخصوص الجانب الاقتصادي (وبدون الدخول في التفاصيل)، فإن ملاحظاتي المتواضعة، هي كالآتي:

1. ما تسمى ب (الورقة البيضاء) ، هي من أفكار البنك الدولي. وان اول اجراء قام به الوزير، هو تخفيض سعر الدينار العراقي مقابل الدولار، مما أثر على زيادة التضخم واضعاف القوة الشرائية للعملة تضرر منها أصحاب الدخول المنخفضة وشريحة كبيرة من الفقراء.

2. العراق بلا موازنة منذ بداية هذه السنة. وعلى الاغلب ستكون هذه السنة الثالثة من دون موازنة بعد السنتين 2014و 2020. وما جاء في الفقرة 1 بهذا الخصوص ليست الا عبارات عامة، هذا بالإضافة الى غياب الحسابات الختامية للموازنة لعدد من السنوات. ومن المفيد أن نذكر هنا أن مسودة الموازنة لعام 2021، التي صوّت البرلمان العراقي عليها، ثبتّ فيها العديد من القروض الخارجية.

3. في الوقت الذي شهدت فيه أسعار النفط والايرادات الفعلية ارتفاعا ملحوظا، لماذا اللجوء الى اصدار السندات الداخلية للاقتراض الداخلي، وربما أيضا الاقتراض من الصندوق او البنك الدوليين؟ (2) ما هو الهدف من إصدار السندات الداخلية في هذا الوقت، ولماذا!؟

4. ما هي استراتيجية الدين الحكومي؟

5. ما يتعلق بالنظام الضريبي هو اجراء اداري وتنظيمي. اما المطلوب، فهو اسس الضرائب بما يحقق العدالة والمساواة في إعادة توزيع الدخل على فئات المجتمع، ودورها الفعال في دعم الموازنة العامة، وطرق جبايتها ومحاربة الفساد المستشري في كافة مستويات ادارتها. لم يتخذ أي اجراء بهذا الخصوص منذ الاحتلال وحتى اليوم.

6. ما يتعلق بالبنك المركزي، فأن الإنجازات هي أيضا اجراءات ادارية، بدلا من التفكير في إنشاء الصناديق السيادية/الاستثمارية في القطاعات الإنتاجية لضمان مستقبل الجيل الحالي والاجيال القادمة.

إن البنك المركزي مسؤول عن السياسة النقدية، ووزارة المالية مسؤولة عن السياسة المالية، ووزارة التخطيط مسؤولة عن السياسة الاستثمارية، ووزارة التجارة عن التجارة الداخلية والخارجية. إزاء توزيع المسؤوليات هناك حاجة للتنسيق بين هذه الأطراف في عملية التنمية المستدامة. ويمكن أن تشكل هيئة للصناديق السيادية ترتبط بالبنك المركزي، او هيئة مستقلة.

7. يقصد بقانون هيئة الأوراق المالية، بما في ذلك (البورصة)، تحفيز المضاربات في الأسهم والعقارات وفي التجارة الداخلية!

8. ما هي طبيعة المستشارين الدوليين في قطاع التامين، وما هي منظمة ادم سميث؟ (3)

9. اعداد مسودة تعديل قانون الشركات، ولكن ماذا عن عشرات من الشركات العامة عاطلة عن العمل، ولم تتخذ اية اجراءات فعلية للإعادة تأهيلها وتطويرها بغيته معالجة البطالة وإنتاج سلع والمعدات الوطنية، بدلا من استيرادها من الخارج.

10. يقصد باستيراد السيارات المتضررة، تلك التي تستورد من الولايات المتحدة الامريكية وأوروبا. بدلا من التفكير في مشروع تجميع صناعات السيارات للعلامات المعروفة، مما يساهم في إيجاد فرص عمل وتدريب الكوادر الوطنية في التكنلوجيا الحديثة في هذا المجال.

11. ان استثمارات القطاع الخاص في المجمعات السكنية يتم بهدف المضاربات العقارية وللشرائح الغنية، بدلا من حل ازمة السكن لعدد كبير من سكان العراق وتوفير سكن لهم بأسعار مقبولة عن طريق قروض الشراء من البنوك المختصة.

12. لم تتخذ اية إجراءات لازمة وفعالة لمراقبة جباية ايرادات الجمارك ومنع تهريب السلع وخاصة النفط عبر المنافذ الحدودية مع الجارتين إيران وتركيا وغيرهما، وتفشي الفساد المالي والاداري فيها بشكل كبير وعلى كافة المستويات، دون اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد منه.

13. على ضوء ما تقدم، يتبين بان الوزارة ليست لها رؤية واضحة و/او اهداف استراتيجية إزاء عملية التنمية المستدامة ذات ابعاد اقتصادية واجتماعية. وإن أيديولوجيتها (اللبرالية الجديدة) وبرامجها ينصب نحو تأسيس اقتصاد السوق الحر، والدور المميز للقطاع الخاص، والإصلاح المالي والاداري للمؤسسات الحكومية على اساس الخصخصة وعلى حساب إضعاف أو إبعاد القطاع الحكومي والتعاوني وحتى التطوعي في عملية التنمية.

14. ومن جهة أخرى وكما هو معروف فإن الاقتصاد العراقي هو اقتصاد ريعي، لا نجد بان هناك محاولة جادة من الوزارة لعمل خارطة طريق وفق خطة واضحة وشفافة لأعداد الميزانيات العامة للدولة بشقيها التشغيلي والاستثماري، وبالتعاون مع وزارة التخطيط، إذ تستنزف فقرة رواتب الموظفين ومخصصاتهم مقدارا كبيرا من ميزانية الحكومة. ليست هناك خطط مدروسة للوزارة وبالتعاون مع وزارة العمل والجهات المختصة، لمعالجة تفاقم البطالة في قوة العمل، نظرا لأن القطاعات الإنتاجية لم تتطور وتتوسع لاستيعابها. كما ان مشكلة الاستقطاب الطبقي لصالح الأغنياء في تزايد مستمر من دون معالجة. كذلك يعاني قطاع الخدمات، منها التعليم والصحة مشاكل كبيرة أسوة بقطاعات الخدمية الاخرى، وهناك مؤشرات غير إيجابية باتجاه تطويره وتطور مدخلاته و/أو مخرجاته.

15. من الأجدر توجيه الاستثمارات في القطاعات الاقتصادية المتنوعة، وخاصة الإنتاجية منها عبر برامج عملية وموضوعية (وآليات) فعالة لترجمة ذلك الى واقع العمل الفعلي، بالإضافة الى إيجاد مناخ آمن وبيئة محفزة لهذا الاستثمار، من خلال: تهيئة البنى التحتية، منح القروض بفوائد ميسّرة، وإعفاء الضريبي لمدة معينة، ودعم الإنتاج الوطني والكف عن الاستيراد غير الضروري وتفعيل المنظومة الجمركية، ومعالجة الخلل في منظومة مزادات العملات الأجنبية، مما تسبب في تسريب هذه العملة للخارج، هذا بالإضافة الى ضرورة اصلاح القوانين والتشريعات المالية والضريبية بشكل عام.

16. كما يتطلب الامر بوجود تنسيق جيد بين وزارة المالية، وزارة التخطيط، وزارة التجارة، والبنك المركزي، في رسم السياستين المالية والنقدية على المدى المنظور والمتوسط. إذ أن هناك فشلا واضحا لدى وزارة المالية في ضبط الانفاق العام وجباية الضرائب وتحصيل الرسوم الجمركية، بالإضافة الى تنشيط دور وزارة التجارة في ضبط الاستيرادات السلعية والمعدات، ومحاسبة المتلاعبين بالكميات والاسعار والجودة، فضلا عن وزارة التخطيط التي قصرت في توثيق إحصاءات التجارة الخارجية والداخلية، مع وجود ظاهرة غسيل الأموال وتهريب رأس المال (النقد الاجنبي) من خلال مزادات مزاد/نافذة العملة الأجنبية للبنك المركزي.(4)

17. انعدام الشفافية في سياسة التصرف بالمال العام. وفقا لتقرير منظمة الشفافية العالمية فإن مؤشر شفافية الموازنة في العراق لا يتعدى الـ 3% لعام 2015، وهي حالة متخلفة حتى بالنسبة لبعض الدول العربية كالأردن والمغرب والمصر. ولا تتناسب مع وظيفة الافصاح واطلاع الجمهور على سياسة إدارة المال العام. وفي هذه الحالة يقتضي الامر تفعيل قانون الادارة المالية رقم (95) لعام 2004، حول مراعاة الشفافية في إعداد وتنفيذ الموازنة الاتحادية وفق المعايير الدولية. (5)

18. ضرورة التأكيد أيضا على التوجه نحو تنويع مصادر الدخل من خلال إعادة هيكلية مساهمة أنشطة القطاعات الاقتصادية المتنوعة في الناتج المحلي الإجمالي، وخاصة القطاعات الإنتاجية والخدمية ــ الإنتاجية.

للتسهيل على القارئ، تجدون في ادناه نص بيان وزارة المالية كملحق للورقة.

المصادر:

(1) https://www.alsumaria.tv/news/ اقتصاد/427743/بشأن-الورقة-البيضاء-المالية-تصدر-بياناً-من-25-نقطة

(2) راجع، على سبيل المثال:
https://www.aa.com.tr/ar/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%8A%D8%A8%D8%AD%D8%AB-%D9%85%D8%B9-%D8%B5%D9%86%D8%AF%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B5%D9%88%D9%84-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%82%D8%B1%D8%B6-%D8%B9%D8%A7%D8%AC%D9%84/2121739

وكذلك:
https://www.independentarabia.com/node/176101/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF/%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%8A%D8%AA%D8%AC%D9%87-%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%B6-%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B8%D8%A7%D8%B1%D9%87

(3) راجع مصباح كمال، “وزارة المالية العراقية، ومعهد آدم سميث، ودراسة سوق التامين العراقية، موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين” :
Adam-Smith-Institute-and-Iraqs-Insurance-Sector-IEN-Draft-2-002.pdf (iraqieconomists.net)

(4) رسمياً يشار إلى نافذة البيع، selling window، كما يرد في بيانات البنك المركزي، لكن الشائع هو مزاد بيع العملة وكما يرد في الصحافة الأجنبية والدراسات حول الموضوع. راجع على سبيل المثل:
“Is the Currency Auction at Gateway to Corruption in Iraq?” Academy of Accounting and Financial Studies Journal: https://www.abacademies.org/articles/is-the-currency-auction-at-gateway-to-corruption-in-iraq-9875.html

(5) راجع موقع منظمة الشفافية العالمية : https://www.transparency.org/ar/press


* نشر المقال على موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين بتاريخ 10/08/2022


ملحق: بيان وزارة المالية

وأتم البيان، ان “الورقة البيضاء جاءت الى وضع خارطة طريق تسهم في النهوض بكافة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمالية والاستثمارية لتصحيح مسار التنمية المستدامة في البلد والتوجه نحو تحقيق ايرادات غير ريعية تسهم في تحقيق اهداف استراتيجية طويلة الامد، وتدعيم ركائز اقتصاد وطني متنوع ومتوازن وقوي خاصة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية الراهنة”.