الخميس 14 / 2 / 2019 جمعة عبدالله كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
جمعة عبدالله
(موقع الناس)
يحتل المبدع الروائي الكبير مكانة مرموقة في الابداع الروائي العراقي الحديث . ان يملك براعة صياغة النص ومنصات وتقنيات متنوعة في طرحه وتكوينه . ان يصوغها في جمالية المنهجية في اسلوبية المتعددة الجوانب والاشكال داخل الفضاء الروائي , يمتلك رؤى ورؤية فكرية ناضجة وثاقبة من أشياء الواقع وتجلياتها , ان تكون المضمون التعبيري العميق والبليغ , في مهارة التناول والتنوع في الاشكال التعبيرية التي هي من صلب الواقع اجتماعي , في اسلوبه الواقعي دن مسحات تجميلية مزيفة وانما على حقيقته المكشوفة , بأن المتن الروائي يخرج من مختبر التجريب والابتكار في اشكال الطرح . في براعه واعيه وناضجة , تملك مقوماتها من تداعيات الواقع الاجتماعي , والغوص في تفاصيله الدقيقة . اي ان العمل الروائي , يأتي من الجهد المثابر والحثيث في صبغة ابداعية , تحمل آثار وبصمات الروائي في الشكل والمضمون , الذي يتمدد في هذه الرواية على خريطة الواقع الاجتماعي , من خلال تناول حقبة اجتماعية معينة ومحددة في زمنيتها , في كشف مظاهرها ومفرداتها . التي تميزت بالقهر الاجتماعي والمعاناة , لواقع يرزح تحت السلطة الابوية المتسلطة على منافذ الحياة والعيش , في روحية الامتلاك والاستحواذ والانتهاك , في بروز هالة (الانا) الجشعة المضخمة باللامعقول , وتخرج من صوابيتها المنطقية , لكي تخلق آثار سلبية , التي تترك البثور والجروح والقروح على المكشوف . ان تضع الانسان داخل حلبة الملاكمة , يتلقى الضرابات المميتة , دون ان يستطيع ان يحمي ويدافع عن نفسه , سوى الوقوع متهلكاً في ازمته النفسية المتأزمة والمأزومة بالاحباطات , حتى يعلن انهزامه الكلي و يتجرع طعم الفاجعة والمحنة والمأساة . مثلما نجد في المتن الروائي لرواية (موت الاب) . التي جاءت ثمرة جهد ابداعي مكثف ومتواصل استغرق حوالي خمس سنوات (اكتملت كتابتها في عام 1995) . لقد ابرزت معالم تلك الحقبة الاجتماعية بعينها وبجوانبها المتعددة , التي ترزح تحت وطئة , القبضة السلطة الابوية الشمولبة . وما صورة (الاب) في العائلة الصغيرة في الرواية , إلا صورة مصغرة من الصورة الكبيرة (للاب الكبير) . وقد كشفت معالم التسلط بلوثة الامتلاك والاستحواذ والعسف , كأنه وحده يملك الحق والسيد المطلق , وحده يملك العالم , بلا منازع , الكل تحت أمرته وسطوته , ومنْ يجروء على المعارضة والمعاندة , فأنه يطرد ويجني على نفسه الويلات . مثل هذا الاب مالك الدار (المكون من اربعة غرف , كل غرفة تسكنها عائلة) يفرض سيطرته على سكنة الدار , وهم يحاولون ارضائه واستعطافه بالخشوع الى امره وتعليماته , رجالاً ونساءاً . ولكل يتجنبه بالحذر الشديد منه . هذه الخطوط الفكرية العامة للمتن السردي . تتوالى هذه الاحداث في ذاكرة الطفل في خزين (فلاش باك) , عاش محنتها ومأساتها , في التسلط الابوي , الارعن والماجن بالحماقات المتهورة المتتالية , بالتصرفات الخشنة في التعامل مع عائلته ومع سكنة الدار . وسلوب التعبير السردي , يختلط فيه الماضي والحاضر بصورة متشابكة , مثلما يقول . أرسنت همنغواي (لا يمكن لاي كاتب الفرار من طفولته) لذلك وضعنا الروائي , في صلب الواقع الاجتماعي في تلك الحقبة المعينة . في اسلوبه التعبيري الشفاف , بلغته الرشيقة والبسيطة في وضوحها السلس , لكنها عميقة المحتوى . وفي ابراز هذه السلوكية المتسلطة وفي جوانبها الخطيرة , في تصرفات الاب القاسية مع عائلته المكونة (من اربعة افراد , الاب الام , الابن الصغير والكبير) وهو مثال للشخصية الابوية في تصرفاتها الرعناء والطائشة والماجنة , في مجونها الخليع في الشبق الجنسي , بالسطو على نساء الدار , في استغلال غياب زوج (سارة حفافة وجوه النساء) وهو يعمل حارس ليلي , ليحل محله في الفرش الزوجية في اختلاسات الليل . ولكن عندما بدأت تراوده الشكوك المريبة تجاه أبنه (اسماعيل) بأنه ايضاً يزاحمه يزاحمه في الاستحواذ الماجن على (سارة حفافة وجوه النساء) , هدده وطرده نهائياً من البيت , لانه اعتبرها خيانة بالتطاول على املاكه ومشاركته بحصة منها , طرده ثم ضاعت اخبار (أسماعيل) , مما ترك جرح بليغ الى امه , التي تجرعت الحزن والبكاء على ضياع ابنها المنكود . ان سلوك الاب الارعن والماجن , جلب على عائلته فاجعة المحنة المأساوية , وان جبروته المتسلط والمتغطرس اخذ يتصاعد اكثر خطورة , حتى حلت المأساة للعائلة, في استمرارية حالة التصادم والقسوة والعسف , فطرد زوجته , أم اولاده , بعدما ان غاب عن البيت ثلاثة أيام , ليعود ومعه زوجة جديدة تصغره عشرين عاماً , ثم ارسل ورقة الطلاق الى زوجته الاولى . انه مثال الذئب الذي يحمي الدار . ولكنه بنفس الوقت يفترس سكنة الدار , يقوده هذا التسلط الاعمى والمغرور والماجن , الى الانحدار الى درك الجريمة . فقد ارتكب عملية قتل بالحقد الاعمى لشقيقه (نوح) المثقف الواعي والرصين في تصرفاته . وعملية القتل تمثل , انتصار الرعونة الوحشية المتغطرسة , على الثقافة والفكر الواعي والناضج . لكن هذه العقلية المتهورة , تقود نفسها الى الهلاك والموت والخراب , مهما بلغ جبروت سطوته الغاشمة . هذه الاشارات الملغزة بشفرتها بالايحاء والمغزى , وهي تشير الى نهاية الى أدانة السلطة الابوية . لذا فأن المتن السردي , يتناول هذه الخطوط بحذر وفطنة وتأني , بوعي مدرك العواقب المترتبة , لذلك يعرف اختيار الجمل والعبارات الملغزة بمهارة محترف ناضج . والرواية تتحدث عن ثلاثة شخصيات محورية في المتن الروائي (التاجر . الصحفي . الرسام) , يتفقون في جلساتهم وخلواتهم على تأليف رواية مشتركة بينهم , يكتبون فصولها . بما يحمل كلاً منهم سيرة حياتية تخصه . في عناوينها البارزة , في القهر والاحباط والانهزام . ولكن هذه الشخصيات الثلاثة , في حصيلتها النهائية , بأنها تشكل شخصية واحدة مركبة على فصول سيرتهم الحياتية , وتشترك في مشتركات واحدة . من التأزم المأزوم , في الاضطراب النفسي والقلق الحياتي الذي يجتاحهم , بالخوف من القادم , والخشية من التفكك والاندثار . ومهما كان نتاجهم التأليفي كامل او ناقص . المهم تحقق رغباتهم المشتركة , في كتابة فصول حياتهم , ويقوم بمهمة كتابة الرواية من قبل الصحفي (اذ ليس الاخرون إلا الكتابة التي لا مناص منها , حكاياتهم ومسراتهم واحزانهم موضوعات جاهزة للمؤلفين من امثالي , متسقطي اخبار الاخرين وافعالهم , أليس غريباً أن يكون ميلنا (نحن المؤلفين) الى تسجيل كل افعال الصراع المليئة بالاخطار , ومرتكبيها من جناة وبغاة متأملين سقطات هؤلاء وهفوات أولئك , ايكون الماضي باحداثه وما صارت اليه ايامه مآوى الجميع ؟) ص278 . مثلاً الناجي الوحيد من عائلة الاب المتسلط , كان يتجرع عذاب المحنة من موت أمه , فقدان شقيقه (اسماعيل) التي ضاعت اخبار مصيره . فهو الشاهد والسارد مع الاخرين مأساة حياته وحياتهم . فقد يصف ابيه الذي استخدام سلاح التسلط والقهر الاجتماعي , ان يصبح قاتل ومجرم . يقول عن ابيه في جلستهم (- ان يقوم باي فعل , لا يتورع أبي عن ارتكابه , حتى بمزيد من الحماقات) .
(- ألم تفتر عليه في بعض احاديثك ؟)
(- هيهات . لقد عشت معه زمناً يليق بالحيوانات)
هذه الرعونة المتهورة وصلت الى مصيرها المحتم والمحتوم , وهو الموت .
×× بعض الاشارات الملغزة بالرمز التعبيري , التي تصوب سهامها بشكل غير مباشرة , الى الادانة السلطة الابوية الغاشمة , في شد الخناق على العائلة والمجتمع . في طبيعة جبروتها المتلسط بالعسف والقهر , هذه الاشارات الملغزة في تعابيرها , لا يغفل عنها القارئ الفطن والنبيه , في مراميها الموجهة الى رأس النظام نفسه , في اقحام البلاد في حروب عبثية اضافة الى التسلط الشمولي , لذلك اختار هذه الاشارات الملغزة بما يخص احرب , وهي ادانة صريحة لمشعلي الحروب ومروجيها ومرتكبيها , وهي تؤدي الى الموت والهلاك والدمار . لذا اشير اليها بالنص الحرفي في هذه المقتطفات الى هذا الجانب .
1 – (الآن , ليس كواليس الحرب من الماضي وحده , الحرب غيرت الكثير من احلامنا .
(الحرب . الحرب يالتعاسة هذه الكلمة .
(الحرب . ليس بالضرورة تعني الموت وحده) ص28 .
2 – (لقد سمعت عن مفقودين وضائعين حكايات اغرب من الخيال , ووضعت يدي على نواح امهات فقدن ابناءهن واباء بكوا ضياع اولادهم , ولكن بدافع من سبب ملموس لهم , كانت الحرب احد اسباب الضياع وفقدان الاثر) ص51 .
3 – (فقد فاجأتنا الحرب وما جرته وراءها من ويلات وجوع وعذاب , كان العوز قد شمل الجميع وألم بهم من كل صوب وحدب) ص52 .
4 – (تأملت المجلة الاجنبية بهدوء , رأيت عدداً لا يحصى من الجنود قتلوا في ميدان الحرب وبقيت جثثهم متروكة في العراء بعضها عافتها الدواب والوحوش الكاسرة , وبعضها تجمعت حولها مئات الحشرات , وبعدها نهشتها الطيور الجارحة , جنود تائهون في صحراء مترامية, خوذ وبنادق وثياب ممزقة) ص69 .
5 – (من منا على صواب . الذين غادروا أم الذين فضلوا البقاء هناء ؟ .
(- ليس بعيداً ان تذبل وتموت هنا .) ص118 .
(- أترى الحال هنا افضل ؟
(- عفواً . انا لا اعرفك .
(لكني اعرفك . لماذا لا تغادر خارج البلد لتعيش بعيداً عن المحنة) ص129 .
6 – ( – من جاء على ذكر حرق الكتب .
(- أنت اشرت في روايتك الكتب المحترقة في احتلال بغداد) ص201 . وهي عبارة صريحة في توقع حدسها ونبوءتها , بسقوط النظام ومجيء زمن الاحتلال .
× رواية : موت الاب
× المؤلف : احمد خلف
× عدد الصفحات : 289 صفحة
× تاريخ زمن كتابة الرواية . عام 1995
× زمن الاصدار : عام 2002
