معاناة الحياة في المجموعة القصصية (حب .. وحمص .. وثالثهما نيتشه) جمال الهنداوي

عدد المشاهدات: 2التصنيف: مقالة

الأربعاء 13 / 8 / 2025 جمعة عبدالله كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

هذه النصوص القصصية اعتبرها مختلفة عن المعتاد والسائد التقليدي , تدخلنا في حوارات وتساؤلات في الصياغة الفنية , وتركيبة الحبكة السردية , بمعنى انها جدلية في عدة مقومات , في الصياغة الفنية , وبناء الرؤية التعبيرية والفكرية , في المعنى والمغزى والرمز الدال , الذي يشع في الجوهر والمضمون الدال , رغم انها واقعية الاتجاه ومن قلب الواقع المعيشي للشرائح الاجتماعية الفقيرة , التي تكافح بعناد واصرار في الصراع الحياتي , لكن تجد نفسها غارقة في المعاناة والظلم والحرمان , لم تستسلم بل تظل تكافح بعرق جبينها بالمكابرة والكبرياء , رغم الاحباط والخذلان , الذي يصيبها ,لتجد نفسها في موقع صعب , في نيل الطموح في معمعة الصراع الحياتي , وابطالها اناس بسطاء يملكون الكرامة ولا يتخلون عنها , مهما كانت صخرة سيزيف على اكتافهم , أنسانيون بحق , هذا جوهر الرؤية الفكرية ورمزيتها الدالة , شرائح انسانية اكثر من الشرائح الاجتماعية اخرى , مكافحون بلا كلل , رغم غصة الالم والوجع في دهاليز الحياة الصعبة والمعقدة , وتحاول ان تخلق البسمة من بئر الاحزان , لانها تملك احاسيس انسانية في طيبتها الشعبية .

يشعر القارئ بتعاطف شديد ومؤثر تجاه هذه الشخصيات في النصوص القصصية , واعتقد هذا ما يسعى اليه الاستاذ (جمال الهنداوي) وهو يسلط الضوء الكاشف عليها , ويدخل في عمق المشاعر الداخلية , وهو يقدم نماذج حية من الواقع المجتمع , التي تملك الكثير من حكايات المعاناة , شخصيات تحاول جاهدة ان تجد مكاناً تحت الشمس في قلوبهم النظيفة , في تعاملهم الصريح بدون مراوغة , ومن هذا المنطلق الفكري , ينبغي تقديمهم بشكل مختلف , وهنا تكمن قدرة وبراعة الاستاذ (جمال الهنداوي) في تقديمهم بشكل مختلف , في بناء القصة , التي تعتمد على اسس ثلاثة : البداية . العقدة او الصراع . النهاية او الحل . نجد في هذه المجموعة القصصية , تبدأ بالصراع وتنتهي بالصراع الدراماتيكي , أما النهاية أوالحل , فإنه معدوم وغائب , يترك النصوص بدون نهايات أو حلول , يتوخى الكاتب من ذلك ضرب عصفورين بحجر واحد , الناحية الأولى . ان يترك النهايات لتأويل القارئ ومدى شغفه وتفهمه لهذه النماذج الشعبية المكافحة , في صراعها مع الحياة والزمن , رغم الانكسار الحياتي , والناحية الثانية . ان يتركها عائمة في بحر الحياة لا حول ولا قوة لها , لأنها تجد نفسها غارقة بصعوبة العوم الى شاطئ السلامة , كأن الزمن يعمل ضدها بكل قوة . رغم انها غارقة في ازمة الصراع , تظل مكابرة بكرامتها وإنسانيتها الطيبة , او مثل ما يقول المثل الشعبي (تحمل قنبورتها وتمشي) . …. لنسلط الضوء على بعضها بإيجاز شديد :
× قصة : العطر :
بائع العطر البسيط والشعبي في قلبه الابيض (ابو خضير) يبيع العطور في سوق شعبي في محل صغير , كل صباح في ابتسامة تعلو في ملامحه , يرحب بالزبائن لكنه يميز خصائل الناس في أخلاقهم وسلوكهم , مثل ما يميز أنواع العطور , تراه حلو المزاج مع الناس الطيبين مثل صديقه الحميم (أبو فراس) الذي يعود به الى الى سنوات العمر الماضية وذكرياتها , مثل العطور لها خيط من الماضي , يرتب عطوره حسب الحاجات الناس , ولكن بعد وفاة صديقه الحميم (ابو فراس) حزن عليه بالوجع والأسى , حتى شعر ان الحياة جدبت , مثل العطور التي فقدت روائح عبيرها , وأصبحت روائحها كئيبة لا تطاق , فهجر العطور والسوق .

قصة : حب .. وحمص .. وثالثهما نيتشه
الشاب العشريني (جليل) بائع الحمص بالعربة , يعتني في بضاعته ونظافة الكؤوس و ويعتني في ترتيبها , فهي مصدر رزقه, يحاول إرضاء الزبائن بالنظافة والديكور اللائق , وهو يتحمل مشقة الشمس , وقد اختار افضل مكان قرب بوابة كلية الآداب (- الجامعة مكان محترم وآمن… والرزق وفير) كل صباح تطل عليه فتاة جامعية تماثله في عمره , يخفق قلبه بتسارع ضرباته شوقاً ومحبة , ويحاول ان يرضيها بكأس الحمص , يحاول يجذب اهتمامها وهي تشتري كأس الحمص , تغيبت بعضة أيام , قلق عليها , ولكن عندما أطلت في احدى الصباحات , انفرجت اساريره فرحاُ , لاحظ التعب في عينيها , وحاول ان يستفسر بخجل وارتباك فقالت له (- امتحان الفلسفة ارهقني جداً , ولكن انتهى والحمد لله) ثم أردفت (- بالضبط …. أكثر ما اتعبني هو نيتشه وهيغل , هذان الفيلسوفان يعقدان أي شيء في الحياة) ليقول لها انه سمع باسم نيتشه مرة في الانترنت , وذهب الى شارع المتنبي يفتش عن كتاب مبسط عن نيتشه , فوجده , لكنه وجد صعوبة في فهمه , رغم أنه قرأه أكثر من مرة , واخذت الفتاة الجامعية تتقطع في مجيئها حتى اتعبه الصبر , لأن الحب كان من طرف واحد , لكن دفعه الفضول إلى قراءة الكتب وشغف بحبها , لتعوض عن حبه الخائب , حتى فتح مكتبة صغيرة , وكسب الوعي والإدراك من اطلاعه على الكتب , بدلاً عن الحب الخائب.

قصة : بجاه أبي الجوادين
امرأة فقيرة تعيش على الرزق ما تدره ماكينة الخياطة , منصبة طوال اليوم على القماش الاسود العباءات النسائية, وتنظر الى كوام القماش والعباءات غير المنجزة كل صباح , أحبت (أحمد) وكان كل آمالها ان ينتهي الحب بالزواج , ليقف الى جانبها في حياة مشتركة في الحب والوفاء , لكن حبيبها خذلها بعدم قبول الزواج من طرف عدم قبول أمه لها , وتزوج ابنة عمه , مما تجرعت كأس الخيبة والخذلان , وبعد فترة طويلة طلبها في لقاء بموعد في الكافيتريا التي شهدت لقاءات حبهما في السابق , ترددت في قبول الدعوة , رغم ان حبيبها السابق اعلمها بعزمه الزواج منها بعدما طلق زوجته , ذهبت إلى الإمام أبي الجوادين , ليعينها على ترددها وارتباكها , لا سيما وان جرح القلب مازال ينزف من الاحباط , توجهت الى موعد اللقاء , وعرض عليها الزواج لتقول له (- متأكد انك تستطيع ان تقنع أمك ؟ كما لو كانت لا تحبني) ثم أردفت (- هل تذكر عندما كنت بحاجتك في ذلك اليوم ….. وانت اختفيت بلا كلمة وداع) ثم أردفت وهي تحاول ان تضبط اعصابها (- كل شيء ممكن ان يرمم….. إلا الخذلان) وغادرت المكان .

قصة : دليفري
عامل توصيل طلبيات الطعام إلى البيوت (عبدالله) أحد الايام تأخر كثيراً في توصيل الطلبية بسبب البحث عن عنوان البيت صاحب الطلبية , واخيراً وجده , وحين طرق الباب خرجت امرأة مسنة (ام علي) اعتذر عن التأخير كثيراً , فاجاب المرأة (- لا يا ولدي .. إن مجيئك
في هذا الليل يعد فضلاً منك . هل أسمك علي
– لا يا خاله .. أنا عبدالله
– عاشت الاسامي , يا ولدي)

ويعرف عنها بأنها تعيش في البيت وحدها , تقتلها الوحدة والعزلة عن الناس , ابنها (علي) مات , وابنتها ذهبت ضحية انفجار ارهابي , ولديها ولدان آخران , أحدهما في استراليا والآخر في المانيا , وهي تصر في البقاء في بيتها ترفض الرحيل عنه , وتكررت طلبياتها من نفس الطعام , وتصر على إيصال الطلبيات (عبدالله) وعقد تعارف حميم بين الطرفين , مثل الام والابن , ولاحظ ان طلبيات تكفي لاكثر من شخص , وكان غايتها ان ترى (عبدالله) التي تصر تناديه باسم ابنها المتوفي (علي) , فاضطر ان يجلب من بيته كل يوم الطعام اليها , وفي احد الايام لم تكن المرأة المسنة في بيتها , واستفسر من الجيران عن سبب الغياب , فقالوا له . نقلت إلى المستشفى في حالة خطيرة , فتش عنها ولم يعثر عليها , فاحس بمرارة الحزن والجزع .

قصة : خيوط القلب
ام مهدي : امرأة فقيرة من الوسط الشعبي , تعيش في رزقها بما تدر عليها ماكينة الخياطة القديمة, تخيط (الدشاديش) الى الاطفال في الحي الفقير , ابنها الصغير (مهدي) طلب منها ان تخيط له دشداشة العيد مثل الاطفال الآخرين , ولكن لسوء الحظ تعطلت ماكينة الخياطة , واصرت بعزم ان تلبي طلبية ابنها ,فخاطت الثوب الابرة , ومرات تنغرس الإبرة في اصابعها حتى تورمت , وانجزتها صبيحة العيد , ورسمت فوق الجيب وردة من الخيوط الملونة , فكنت دشداشة (مهدي) متميزة عن دشاديش اطفال الحي , لكي تدخل الفرحة في قلب ابنها , رغم تورم اصابعها والتعب والمعاناة .

قصة : الميت الحي
في ظهيرة الصيف عام 2003 يوم مختلف في تاريخ العراق خرج السجناء وأصبحوا احراراً من كوة الزنازين . وكل منهم يحمل مأساة ظالمة ومؤلمة , احدهم اعتقل وعذب في مديرية الأمن , باعتباره مناهضا للنظام , ظل في زنزانة السجن أكثر من 13 عاماً دون محاكمة ولا محامي , بسبب اقتناء كتاب ممنوع , بوشاية من رفاق المنطقة , خرج في يوم السقوط بعدما اختفى رجال الأمن , ليجد سائق التاكسي (أبو سليم) امامه , وطلب منه ان يطوف به في مناطق بغداد شوقاُ وحنيناً للغياب الطويل , وتنتهي رحلته الطويلة في منطقته (الدورة) , بسرد حكايته إلى سائق التاكسي (أبو سليم) الذي تعاطف معه كثيراً لحالته المزرية , والعقاب المجحف الذي تجرع سمومه , وقال بأنه ايضاً اعتقل بوشاية بسبب اقتنى كتاب الأغاني , ولكن حالفه الحظ بوجود محقق مثقف , واعتبر الكتاب ليس عدواً للنظام , فاطلق سراحه , وتخلص من ورطة السجن طويل الأمد ليقول (- يقال أن الدولة التي تخاف من الكتاب , تكون مصنوعة من الورق) وحينما وصل الى منطقته (الدورة) الى بيته القديم , وعرف بالفاجعة التي أصابت اهله , والده مات , وامه ايضاً ماتت حزناً عليه , والبيت بيع من قبل الورثة . كانت الصدمة كبيرة بفاجعتها ليقول بحسرة الحزن , بأنه أصبح غريباً , لا بيت , لا وطن , لم يبق له سوى ان يسكن في المقبرة , بالقرب من قبر أمه وأبيه , شعر بالحزن المؤلم , بأنه اصبح غريباً , وليس له سوى التوجه الى المقبرة .