جمال الخرسان
gamalksn@hotmail.com
جمال الخرسان
عراقيا صور ووثق العديد من المواد الفلمية عن مناطق الاهوار، التوثيق تنوع اما من خلال افلام سينمائية كانت الاهوار بيئتها الطبيعية او حتى افلام وثائقية روائية، إذ هناك العديد من الافلام السينمائية والوثائقية التي تجري احداثها في الاهوار وتظهر شيئا من حياة سكان تلك المنطقة، منها على سبيل المثال الفلم الروائي “الباحثون” الذي انتج عام 1979، من اخراج محمد يوسف الجنابي، سيناريو صباح عطوان. ثم “زمان رجل القصب” المنتج عام 2003 من اخراج عامر علوان، كذلك فلم “فجر العالم” الذي انتج عام 2008 من اخراج عباس فاضل، إضافة لبعض المسلسلات التي انتجت مؤخرا والتي تطرقت لحياة الاهوار من زوايا مختلفة، وغيرها من المواد التسجيلية التي رصدت الحياة هناك بشكل او باخر، لكن المنتج التصويري الابرز حتى الان على الصعيد العراقي حول منطقة الاهوار هو فلم “الأهوار” الذي انتج عام 1976 من إخراج المبدع قاسم حول، اذ لازال ذلك المنتج هو العمل الوثائقي العراقي الابرز في تاريخ الاهوار العراقية.
العمل خرج بحلة جيدة لان الاعداد له كان جيدا ومتأنيا، فقد قام حول بجولات عديدة في الاهوار الوسطى من اجل اختيار الاماكن والمناطق المناسبة للتصوير، واستعان بكوادر اجنبية من اجل ظهور العمل بشكل مقبول، رغم ان المخرج طلب امكانيات اكبر في التصوير رفضتها السلطات آنذاك مثل توفير طائرة مروحية تمكنه من التقاط صور بافق اكثر اتساعا وجمالا.
ترك قاسم حول العراق عام 1970 بسبب الظروف السياسية الصعبة، وبعد ست سنوات من الغربة عاد بالاتفاق مع وزارة الثقافة العراقية كي ينتج فلما عن الاهوار بمقترح منه، وكان له ما اراد رغم كل المعوّقات التي وضعت في طريقه، المخرج كثيرا ما يتطرق بألم وحسرة للصعوبات التي واجهته من قبل المتملّقين للسلطة واجهزتها المهيمنة آنذاك، وكيف انه كلما ذهب الى منطقة من مناطق الاهوار بهدف التصوير ملئت فجأة تلك المنطقة بملصقات وصور للقيادة تعلق او تلصق على بيوت القصب خصوصا في الزوايا التي يستهدفها التصوير، وحينما رفض ذلك استدعي الجميع الى بغداد وكادت التجربة ان تلغى بالكامل وربما ينتهي مصير حول الى ما لا يحمد عقباه!
الملفت ان الصعوبات لم تقتصر على فترة الاعداد والتصوير للفلم بل تعدتها الى ما بعد ذلك، فالمثير والمحزن في ذات الوقت ان النسخة الاصلية لذلك الفلم وفقا لما نقل عن قاسم حول لازالت حبيسة في سجون اسرائيل! حيث تمت مصادرتها من قبل الجيش الاسرائيلي عام 1982 في بيروت. وعن هذه المفارقات الغريبة لنهايات الاهوار وفلمها المتميز يكتب حول: “أكملت تصوير الفيلم وأنجزت المونتاج في بغداد وكان المخرج والمونتير “شيراك خوجه يان” يقوم بمونتاج الفيلم ثم سافرنا بإتجاه إيطاليا وقمنا بعملية المكساج وطبعنا الفيلم الذي حزت فيه جائزة أفضل مخرج عراقي مع ست جوائز للفيلم لأفضل سيناريو وأفضل مونتاج وأفضل صوت وأفضل تصوير وكانت لجنة التحكيم برئاسة جبرا إبراهيم جبرا الذي كتب بيانا سينمائيا مطولا عن الفيلم. عندما طبعت الفيلم في إيطاليا قمت بطباعة نسخة من حسابي الشخصي وشحنتها إلى بيروت لتبقى في قسم السينما الذي أديره هناك خوفا من أية مفاجأة. السلطة الحاكمة التي قررت تجفيف الأهوار فيما بعد أحرقت الفيلم بأصوله السالبة والموجبة عام 1992 ولم تبق سوى النسخة الموجبة في بيروت. عندما غزا الإسرائيليون بيروت عام 1982 وكانت وثائقي في قبو في كورنيش المزرعة أخذوا من القبو كافة وثائقي ومنها فيلم الأهوار. حاولت عبر المنظمات الدولية إعادة الفيلم ولم أفلح في جهودي تلك”.
فلم الاهوار هو المشروع الفني المتميز اليتيم عراقيا عن طبيعة تلك المنطقة، والمؤسف ان نسخته الاصلية انتهى بها المطاف الى خزائن تل ابيب، وكأن تلك الحادثة جزء من ملاحقة الدولة العبرية لتراث تلك المنطقة واستحضار لاسقاطات التاريخ في سبي اليهود.
