تقي الوزان
يعرف العراقيون جيداً أن سبب غدر الحكومة الامريكية بهم وعدم
مساعدتهم في انتفاضتهم الجبارة عام 1991 بعد أن حرضوهم عليها هي بسبب الوجوه
التي رفعت الشعارات الطائفية , وحاولت أن تصادر الانتفاضة وتحرفها عن الاهداف
التي قامت من أجلها .أضافة لدخول رجال الحرس الثوري الايراني وتصدرهم للمشهد في
الجنوب . مما أثار مخاوف الامريكان ودول الجوار من ان ينتهي العراق بيد النظام
الطائفي الايراني . فتركوا صدام وقواته للفتك بالمنتفضين . وكلنا نذكر الوحشية
التي مارستها قطعان الحرس الجمهوري في القضاء على الانتفاضة . وذكر الاعلام
الامريكي والعربي في وقتها وبكل وضوح : عدو ضعيف ومعروف أفضل من عدو غير معروف
وخلفه ايران .
كنا نعتقد ان البشاعة التي مورست في قمع الانتفاضة , والجرائم التي ارتكبت على
مدى سنين حكم البعث , والدماء التي فُجرت من شرايين الوطن المذبوح ستكون
العلامات المضيئة , والهادية , لسلوك الدروب الانسانية التي تقنع الأخرين
بمساعدتنا في الوصول الى تخوم معيشة البشر , والتي افتقدناها لما يقارب النصف
قرن .
وعادت دورة الأخطاء , وتسلم مسؤولية أتخاذ القرار من يعتبر الدولة جزء من
ممتلكاته الشخصية , والأنتخابات وسيلة لخداع وأقناع الاخرين . والامريكان من
جانبهم ليسوا على عجلة من أمرهم . وخسائرهم لاتزال تحت السيطرة , وليس كما
يصورها الاعلام , والامريكان لن يجبروا شعب وجه ناخبوه لأنتخاب زعماء لايدركون
حقيقة الصراع الدولي الجاري على ساحتهم . وسرعان ما أخذوا يتصارعون على النفوذ
والمراكز والكسب غير المشروع . وتتسابق مليشياتهم لفرض شروط أقسى على واقع
المجتمع , ولتثبت لولي الامر أيهم الاسرع في تطبيق سيناريو الثورة الايرانية ,
وأقامة نظام ديني موالي لأيران . وبعكس ما أراده المراجع الكبار في النجف ,
وعلى رأسهم السيد علي السيستاني وما أكدوه على وحدة وسلامة العراق .
الامريكان أعادوا نفس اللعبة , ومدوا أيديهم الى القتلة من البعثيين ,
والمتضررين من سقوط النظام السابق . وأذ فهم العالم موقف الامريكان في المرّة
الأولى وأتهمهم عن حق بالغدر والنذالة عندما تركوا المنتفضين وحدهم يواجهون
مصيرهم الدموي المحتوم مع صدام بسبب رفع الشعارات الطائفية . اليوم يتفهم
العالم أيضاً حقيقة موقفهم بالدفاع عن مصلحتهم ومصلحة المنطقة ووحدة العراق
المهددة . ونافياً عنهم صفة الغدر والنذالة رغم أحتلالهم للعراق . ولا أحد قدم
خشبة الأنقاذ للقتلة من البعثيين أكثر من سياسات بعض الطائفيين من الشيعة .
الصراع الايراني الامريكي أحد العوامل الرئيسية المؤثرة في سير العملية
السياسية في العراق . والتجاذب بين مصالح الدولتين يجد أنعكاسه الواضح في تموج
هذا السير , ويحيطه بالكثير من الادوات التي يمكن أستخدامها حسب حاجة كل من
الدولتين . وبدون أي أعتبار لمصلحة الطرف العراقي . وما من شك من أن التجاذب
الذي يتصاعد حول الملف النووي الايراني مثلاً , سيجد أنعكاسه في تفاعلات
العملية السياسية العراقية .
أن تلاقي الدعوات لأقامة حكومة وحدة وطنية من قبل هذه الاطراف المتصارعة . هو
لتجميد حالة الصراع , أو تأطيره بالتريث لغاية ما ستسفرعنه تفاعلات
الشهورالقادمة . وعلى الأرجح سيتم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية , وبغض النظر عن
أعتماد الأستحقاق الأنتخابي أو عدم أعتماده . وستكون حالة التربص ومراقبة الاخر
هي الأهم .
الديمقراطيون والعلمانيون يعوّلون من جانبهم على تشكيل مثل هذه الحكومة . أملاً
منهم بتثبيت أسس وتقاليد ديمقراطية تساعد في أنقاذ الناس من دهاليز الظلام التي
دفعوا أليها . وتؤسس لقيام دولة قوية تستطيع تطبيق سلطة القانون وتنتشل المجتمع
من سلطة المليشيات, وتسير بالعراق نحو الافق الارحب .
وفي كل الأحوال ستبقى الحالة قلقة ما دام التربص هو سيد الموقف . ولن تكون حالة
تأسيس وتثبيت كما يرجى لها . وستكون أمتداد للمرحلة الأنتقالية , وتأجيل حل
الكثير من الأستحقاقات . وأهمها ايقاف المشروع الطائفي الهادف الى تقسيم العراق
, ومعالجة الوضع الأمني , والمعيشي , ومكافحة الفساد .
والخوف هو أن يتصور زعماء بعض الأحزاب الشيعية الممثلين للجانب الايراني من أن
مليشياتهم تستطيع أن تلحق الهزيمة بالقوات الامريكية عندما يطلب منها ذلك .
وتقودنا الى حرب خاسرة جديدة , تكون دوافع صدام في شن حروبه العبثية أكثر
معقولية منها .