تقي الوزان
لا أحد من العراقيين الذين كانوا في
أيران أذ كان مهجراً أو لاجئاً ينكر المساعدة الكبيرة التي قدمت له من قبل
الشعب الأيراني الطيب, أو من حكومة الثورة – قبل أن تتحول الى نظام شمولي – ,
وكذلك التوجيهات الأنسانية العميقة للأمام الراحل الخميني وحثه لمساعدة
العراقيين . ولا أعتقد بوجود دولة في العالم أستقبلت من اللاجئين لدولة عدوة ,
وفي حالة حرب معها مثل الجمهورية الأسلامية في ايران . وروح السماحة هذه أستغلت
من قبل النظام الصدامي المقبور وأرسل الكثير من عملائه وجواسيسه , وكانوا
يسرحون ويمرحون على طول الأراضي الأيرانية .
ولا أحد من العراقيين ينكر التداخل بين الشعبين , وعلى الكثير من الصعد . أهمها
المذهبي ,العشائري , الاقتصادي , ومدن تكاد تكون مستوطنات متبادلة . أن الذي
زاد من حميمية هذا التداخل والخوف عليه , وحمايته من المؤثرات التي تعرقل
أستمراره ونموه , هو حملات التهجير الظالمة من قبل النظام المقبور , وما تبعها
من حرب أحرقت الأخضر واليابس , وأستمرت ثمان سنوات كما هو معروف , وما تركته من
آثار عميقة في وجدان الشعبين .
مما لاشك فيه أن هذه الهواجس تجد أنعكاساتها في أغلب التنظيمات الشيعية
العراقية . وتتوضح في ميلها الأكثر من الطبيعي في الأتجاه الطائفي . ومما لاشك
فيه أيضاً أن أغلب هذه التنظيمات تجد متكأها وسندها في النظام الأيراني . وهذا
ليس عيباً ما دامت هذه المساعدة تصب في مصلحة الشعب العراقي . سواء في التخلص
من النظام المقبور أو في بناء دولته الحديثة . أن العلاقة بين الشعبين أمتن
بكثير من بعض العلاقات بين الشعوب العربية ذاتها . وكل الوطنيين العراقيين
يبغون تطوير هذه العلاقة نحو الأحسن ولصالح الشعبين الجارين . كل هذا مفهوم
ومبعث فخر لشيعة العراق والحركة الوطنية العراقية .
الجانب الآخر لهذه المسألة هو أستغلال وتوجيه هذا التداخل بين الشعبين
والمساعدات التي قدمت للأحزاب الشيعية لصالح بناء نظام ديني تابع أو مشابه
لنظام ولاية الفقيه الأيراني . أن طموحات النظام الديني في التوسع نابع من
طبيعته, وكأي نظام شمولي .
ألفوز بالسلطة والأحتفاظ بها من قبل قائمة "الأئتلاف" ليس السبب الوحيد في
تماسك القائمة . والكل يعرف الصراعات الدموية بين أجنحتها , والطموحات الشخصية
بين قياداتها , وعدم وجود برنامج سياسي يوحد أحزاب القائمة . كان السبب الأكبر
في رأي الكثيرين هو أختراق النظام الأيراني لبنية هذه الأحزاب . وأنعكس ذلك
بوضوح في بناء مليشياتها, وفرض مجموعة من النظم و"الآداب" على مجمل حياة المدن
التي تقع تحت سيطرة هذه الأحزاب , ورفع شعار فيدرالية الوسط والجنوب لتطبيق
نظام ولاية الفقيه فيه – ما دام لاتوجد الأمكانية لتطبيقه في كل العراق – وفي
نفس الوقت أشاعة فكرة كون الفيدرالية نظام يمزق وحدة الأوطان . في سعي ايران
المحموم لأفشال تجربة الفيدرالية الكردية بأي طريقة كانت . والتي ستؤثر بدورها
ليس على ايران فقط , بل وعلى عموم دول المنطقة .
أن السيطرة المحكمة لأجهزة الأمن الأيرانية على بعض هذه الأحزاب والتي أخذت
طابع التمويل بالسلاح , وأعطاء الرواتب الشهرية والمساعدات , وبناء المؤسسات
والجوامع والحسينيات , وفتح القنوات الفضائية , وبث أعلام التجهيل والشحن
الطائفي . وفي نفس الوقت الأستعدادات الشخصية لبعض زعماء هذه الأحزاب لخدمة
أهداف مؤسسة الحكم الدينية, مكن الحكومة الأيرانية من المشاركة الفعالة في
توجيه الأحداث في العراق . وجرجر التجربة الديمقراطية الوليدة الى حافات ستكون
مهلكة أن لم يتم التوقف عندها . والعودة لطريق بناء وسلامة وحدة العراق .
السيد عبد العزيز الحكيم رئيس "المجلس الأعلى" ورئيس قائمة " الآئتلاف" صرح بعد
زيارته الأخيرة للسيد علي السيستاني . والتي جاءت بعد أنتهاء الأنتخابات
الأخيرة . بأن السيد علي السيستاني أوصى بضرورة أن تكون الحكومة القادمة حكومة
"وحدة وطنية " , وأعتبرها مبادرة شيعية للم شمل الحركة الوطنية , وتجاوز
السلبيات التي رافقت التحضير للأنتخابات وما تبعها من سلبيات أخرى . وأشراك
جميع الأطراف في تحمل المسؤولية .
نحن نعرف أن أول من طرح مشروع حكومة "وحدة وطنية " هو وزير الدفاع الأمريكي
رامس فيلد عند زيارته للعراق بعد الأنتخابات مباشرةً
. بعد أن أكتشف الأمريكان أن التجربة الديمقراطية المنوي تثبيتها في العراق ليس
كما خططوا لها . ولاتزال العوامل الطائفية والقومية وأساليب العمل غير
الديمقراطية هي المقومات الأساسية للأنتخابات الأخيرة. ثم جاء هذا الطرح"حكومة
وحدة وطنية " على لسان السيد رئيس الجمهورية جلال الطالباني . وتبعها زيارة
السيد عبد العزيز الحكيم الى كردستان. والتصريحات المتبادلة بين مختلف زعماء
القوائم الفائزة تصب في هذا الأتجاه , رغم الأختلافات الكبيرة في تقديراتهم
لحجم التزوير الذي رافق الأعلان الأولي للنتائج الجزئية للأنتخابات . ألا أن
حالة الشد المتصاعد بين ايران والغرب حول الطاقة النووية الأيرانية ,
والتهديدات المتبادلة بين الطرفين عجل بالطرح الجديد لقائمة "الأئتلاف" وعلى
لسان السيد عبد العزيز الحكيم أيضاً . والقائلة بحكومة "مشاركة" بدل حكومة
"وحدة وطنية" , وما رافق هذا الأعلان من تصريحات أخرى . مثل رفض أجراء أي تغيير
على مواد الدستور , في تنكر صريح لما تم الأتفاق عليه , وفي مسعى واضح لعرقلة
تشكيل حكومة " وحدة وطنية" , وأشارة لأمكانية تخريب كل ما تم التوصل اليه أذا
أقتضت الضرورة . حكومة "مشاركة" تعني التفضل من قبل
قائمة "الأئتلاف" الفائز الأكبر في الأنتخابات للقبول بمشاركة بعض الأطراف لها
في تشكيل الحكومة , وما يتبع هذا التشكيل من ذيلية
باقي الأطراف للقائمة الأكبر .
السيد عبد العزيز الحكيم يطلب أعترافاً سنياً ب"الواقع الجديد"كما نشر في موقع
"صوت العراق" ومواقع أخرى يوم الجمعة الماضية . وأعتبر الحكيم أن شغل السنة
"لهذا المنصب أم ذاك لن يكون له تأثير على الوضع الأمني في البلاد " مشيراً الى
أن " المهم هو أن يؤمنوا [ السنة ] بأن هناك واقعاً
جديداً في العراق " . وفي هذا الطلب نقول " كلك نظر ومفهومية " كما يقول الأخوة
في مصر . ونحن أيضاً وعلى نفس المبدأ نطلب من بعض
قيادات الأحزاب الشيعية , وعلى رأسها " المجلس الأعلى " بأعتباره أكبرهذه
الأحزاب , والأقرب الى ايران, أن يؤمنوا بضرورة تطوير المصالح المشتركة للشعبين
الجارين العراقي والأيراني بعيداً عن الأنجرار وراء المشاريع الأنتحارية للنظام
الأيراني , ويؤمنوا بأعادة بناء العراق وفق أحتياجات الشعب العراقي .