تقي الوزان
لم نكن نعرف احداً قبل سقوط النظام من كل الفصائل العراقية المعارضة رفع يوماً
شعار أقامة نظام دولة دينية في العراق. كان الكل متفقين , علمانيين قوميين
وأسلاميين على أقامة دولة العدل والقانون . ونظام سياسي فيدرالي وديمقراطي يضمن
تكافؤ الفرص لكل الاطراف . كانت هذه العناوين الابرز لمؤتمر لندن الذي سبق سقوط
النظام .
جاء التغيير على يد القوات الامريكية وحلفائها , ولم تتغير هذه العناوين . رغم
التمدد الذي اخذ حدود الممكن لكل الاطراف السياسية , وكل طرف حسب امكانياته ,
والجهات التي تدعمه .
لاشك ان الاندفاع المذهبي والقومي كانا الاقوى كرد فعل على كبت جائر استمر
لثلاثة عقود ونصف . ويجد متنفسه لأول مرّه . وبدل من ان توجه هذه الطاقة
الجبارة المتدفقة من وقود القهر والذل . وتكون أحدى الرافعات الحقيقية لبناء
العراق الحر المعاصر . جرى استغلالها , وتعبئتها بأتجاه طائفي وقومي متعصب,
لتصب في خدمة اهداف فئوية وقتية , وفي كثير من الاحيان شخصية . مستغلين الفراغ
الكبير من غياب وأضمحلال مؤسسات الدولة , وما ترتب على هذا الغياب من ضياع
البوصلة الحقيقية لتنظيم الحياة في ظل سلطة الاحتلال .
في أجواء هذه الفوضى , كان الاصرار لأقامة الانتخابات الاولى , بضلال وتوجيهات
المرجعية الشيعية المتمثلة بأبرز رجالاتها السيد علي السيستاني , وتبنيه
المعروف لقائمة "الائتلاف" . وهذا لايعني ان السيد علي السيستاني لا ينشد وحدة
وسلامة العراق . بالعكس , كانت توجيهاته صمام الامان لأنهاء الكثير من الفتن ,
ونزع فتيل الحرب الاهلية .
كانت قائمة"الائتلاف" في الانتخابات الاولى تضم بين جناحيها شيعة علمانيين ,
سنة , اكراد , تركمان …الخ . لتوحي بشموليتها العراقية , وترفع الحرج عنها ,
كون القائمة ليست طائفية . النجاح الكبير الذي حصلت عليه القائمة في الانتخابات
الاولى مكنها من تشكيل الحكومة المؤقتة بالأتفاق مع القائمة الكردية كما هو
معروف . وبدل الاتفاق السابق على حل الميليشيات . جرى تقوية هذه المليشيات ,
وجعلها هي السلطة الفعلية لأدارة وفرض اللون الديني المذهبي على مجمل الحياة
الاجتماعية , ومصادرة الحريات الشخصية الهامشية المتبقية من سلطة النظام
المقبور في الوسط والجنوب . وخلق حالة من الصراع الدموي في بعض الاحيان بين هذه
المليشيات , بدافع توسيع دائرة الجاه والنفوذ , والكسب غير المشروع للكثير من
ضعاف النفوس الذين أستغلوا أنفلات هذه المليشيات وتداخلها مع أجهزة الدولة
ووزارة الداخلية بالذات . ولاشك ان جرائم القتلة من بقايا البعث المقبور ,
والتكفيريين السنة والقادمين من خارج الحدود . زاد من أنفلات هذه المليشيات ,
ودفعت طائفيتها الى مديات أبعد .
هذه الممارسات وغيرها دفعت البعض للانسحاب من القائمة . وأبرز المنسحبين كتلة
الكفاءات برئاسة الدكتور علي الدباغ , والمؤتمر الوطني العراقي العلماني بقيادة
الدكتور احمد الجلبي . وقالها الجلبي بكل وضوح : بأن القائمة تبغي قيام نظام
ديني . مما دفعه للانسحاب . وهذه الانسحابات خففت عنها الظلال العراقية , وقوت
الظلال الطائفية , والتي افصحت عنها القائمة بشكل اوضح في الفترة الاخيرة .
وهذه المليشيات تبنت الدعاية الانتخابية في الانتخابات الثانية . وبوسائلها
المعروفة , تهديد , أجبار , أغتيالات مرشحين وناشطين , حرق مقرات احزاب من
قوائم اخرى , استغلال الدين , وتزوير جعل الانتخابات ونزاهتها موضع شك . بعد
توثيق اعداد كبيره من الشكاوي , والتي دعت هيئة الامم المتحده للتحقيق بنتائجها
. والكلام ليس عن اخلاقيات اشخاص وقيادة . المقصود هو النزعة الفكرية
والايديولوجية التي تسيطر وتسّير وجهة عمل القائمة , وبغض النظر عن الصراعات
بين اجنحتها .
لقد كتب الكثير من المراقبين , وبشكل مبكر , حول موضوع طائفية قائمة
"الائتلاف". وكيفية محاولة أعادتها لسيناريو الثورة الايرانية , وكيفية
الالتفاف بمراحل على باقي اطراف الحركة الوطنية الايرانية والتي ساهمت بشكل
فعال بقيام الثورة . وتجريدها الواحدة بعد الاخرى من كل مقوماتها , لتحصر
السلطة قطعاً بيد ولي الفقية .
في صحيفة" الحياة " ليوم الاثنين, الثاني من هذا الشهر. ومع تهويمات الفوز
الكبير لقائمة "الائتلاف" , يقول السيد علي العضاض القيادي في "المجلس الاعلى "
الى ان "الائتلاف" سيتولى ادارة الدولة خلال السنوات الاربع القادمة [مايتطلب
ايجاد مرجعية سياسية لجميع الاطراف من داخل الائتلاف وخارجه لحل القضايا الكبرى
] وأضاف ان "المجلس" يرى ان زعيمه عبد العزيز الحكيم [هو الاصلح لتولي رئاسة
الكتلة . ولعب هذا الدور ليعد بمثابة ولي الامر المتصدي للعملية السياسية ]
ولفت الى ان حصول الحكيم على هذا الموقع يعني تخليه عن ترشيح عادل عبد المهدي
لمنصب رئيس الوزراء لصالح ابراهيم الجعفري .
لو اكتفى العضاض بالقول " ايجاد مرجعية سياسية لجميع الاطراف من داخل الائتلاف"
فقط . لفهم الكلام على انه اجراء ينظم صدور القرار السياسي في القائمة . اما ان
يوضح الاتجاه بهذا الوضوح . فهذه مسألة اخرى وخطيرة .وأبسط سؤال اين ستضع هذه
السلطة الجديدة المطلقة , والمرجع لكل السلطات الاخرى [ القضاء, رئاسة
الجمهورية , رئاسة الوزراء , الجمعية الوطنية , رئاسة وادارة اقليم كردستان ,
المحكمة الدستورية ] . هذه السلطات التي اقرها الدستور الدائم والذي انتم
وضعتموه . ولم يبدأ العمل به لحد الان . نرجو ان لاتكون هذه التصريحات هي بوصلة
"التقية" لبعض اطراف قائمة الائتلاف وهم في السلطة .. وأن لا تعمي سلطة
المليشيات , وبعض العصابات. و[الانتصارات ]التي حققتها في هذا الموقع او ذاك .
وتمنع النظر لمستقبل العراق .
العراق, وكما قلتم انتم قبل سقوط النظام , وفي بداية العملية السياسية : أن
المجتمع العراقي ليس طائفياً مثل المجتمع الايراني . وفيه من القوى الوطنية
الحية , والسنة , والاكراد , وباقي التنويعات الاخرى الشئ الكثير . ولا تزال
السلطة الحقيقية بيد قوات الاحتلال , وبتفويض دولي صريح من هيئة الامم المتحدة
. ونرجو ان تكون هذه التصريحات اجتهادات فردية فقط . او حرفت عند نقلها . دون
الدخول الجدي في مغامرة تقسيم البلد .