يوسف أبو الفوز
ما الذي يجري ؟ *
يوسف أبو الفوز
ترك بناية محطة القطار خلفه ، وسار متمهلا على طول شارع " أبو
الستين " الذي تغير ليس أسمه فقط ، بل وظهرت على جانبيه بنايات جديدة . كل شئ حوله
يتغير ، ويرتدي ثوبا أخر يجعله يشعر بشيء من الدوار . السماوة تبدو له وكأنها مدينة
أخرى ، لا تشبه المدينة التي يعرف جيدا دروبها وأسواقها وأزقتها وقضى فيها سنين
طفولته وصباه . مدينته تبدو له كمدينة أخرى زارها يوما فعلقت في ذاكرته منها صورا
باهتة ، وهاهو كمن يعود إليها في زيارة عابرة ، ليضيع وسط شوارع وأسواق جديدة .
هاهي بنايات جديدة حلت مكان " بستان السادة " الصغير الذي طالما بعد رنين الجرس
الأخير للمدرسة يهرع أليه وأترابه ليقضوا بين نخله ساعات يمارسون ألعابهم المختلفة
، يملأون المكان بصراخهم وضحكاتهم ، وليعلوا ضجيجهم على كل ضجيج ، يتجاوز " حمام
الحسيني " وشارع العيادة الشعبية ليصل بيوت " عـكـد الجامع " ، فيهرع المتأخرون من
الأصحاب الى الانضمام إليهم . أين كل هؤلاء الآن ؟
البارحة ، عامدا وقف عند ناصية الشارع منتظرا عودة أمه من السوق ، شئ ما في داخله
دفعه الى ذلك ، لتفحص وجوه المارة ، باحثا عن وجوه معارفه الذين صار يفتقدهم كثيرا
. بعض من المارة حدجه بنظرات جانبية مستنكرا فضوله ، وثمة سيارة " فولكس واغن "
رمادية ، دارت مرتين وراح الجالسين فيها يتفحصونه جيدا ، أفتعل عدم الاهتمام بهم ،
بينما راح صدره يعلو ويهبط ، وحدها جارتهم العجوز ، التي تثير أصص ازهارها فضول
الاخرين ، ما ان لمحته حتى هرعت أليه ، وهي تصرخ :
ــ طالت غيبتكم يا بعد روحي !
واحتضنته بحب وقبلته على وجنتيه مستذكرة فيه ابنها ، زميل دراسته ، الذي اختفى فجأة
وسرت أقاويل كثيرة في المدينة حوله منها انه يعيش مع العصاة الأكراد
** في الجبال !
نظرات المارة ، التي كانت تربكه قليلا ، لم يجد فيها تلك الألفة التي ينشدها ،
والتي كان يعرف ، كانوا ينظرون أليه كالغريب ، وكأن الحارة ليست حارته التي طالما
كان يقف إلى ناصية شارعها ، ويتجول بين أزقتها ، يحاور من يشاء رجالا ونساء ، حتى
أنه أحيانا يحار لمن يوزع التحايا والابتسامات . كان يعرف بنات الحارة واحدة واحدة
، ورغم سواد عباءاتهن ، يستطيع التعرف عليهن من بعيد ، من مشية كل واحدة فيهن ، حتى
لو كن مدبرات ، ويعرف فتيان الحارة ليس بأسمائهم وإشكالهم فقط ، وبل وبعض أسرارهم .
هاهو يتجول في المدينة منذ ساعة واكثر ، عله يمسك بشيء من الماضي هذا الذي يحرص على
الحفاظ على صفحاته الطيبة نقية ، صافية ، مثل مرآة عروس . لكم هو مخيف أن يفيق
الإنسان ليجد نفسه بلا ماض ، بلا شواهد عليه ؟ كيف ستتفحص العروس نفسها لو تشظت
مرآتها ؟ أين الأصحاب ؟ كالماء تسربوا من بين الأصابع ، منهم من غادر البلاد قبل
بدء الحرب ، دون وداع ولو بكلمه ما ، دون أن يتركوا أثرا يدل عليهم ، فجأة تبخروا ،
ومنهم من ضمته سراديب وزنزانات السجون وعذاباتها ، ومن قدر له وغادرها بعد حين ،
كان مجرد حطام ، فأعتزل الناس والحياة العامة ، ثم جاءت الحرب لتقرع أبواب جميع
الناس ، ولتطحن الكثيرين ، وأما من ظلوا أحياء فصاروا أشباحا ، يسيرون الهوينا
وكأنهم شاخوا فجأة ، وان التقى أحدهم عرضا ، يجده مهموما ، يتكتم على نفسه ، عجلا
يلهث للحاق بشيء ما سيفوته ، فيحس بشظايا المرآة تحز ثنايا الروح ، تدمي القلب ،
فينادم كأس الخمرة ، مخفيا ذلك عن أمه ، يعذبه الإحساس بأن الفتحات بين أصابعه ،
صارت أوسع وأوسع مما ينبغي، وانه قريبا ، سيصحو ليطل عليه وجهه ، وفي إطار مرآته ،
منفردا ، منفرا ، فتداهمه نوبات غضب وبكاء مفاجأة ، لا تفهمها أمه التي ظلت شاهده
الوحيد على حياته التي صار يفتقدها . وثريا ، فتاته ، التي كان يعتقد ان حياته
سترتبط بحروف اسمها ، صارت علاقته بها تتدهور يوما بعد اخر دون ان يتمكن من اصلاح
ما يتكسر فيها ، في كل زيارة الى بغداد صار يشعر انهما غريبان عن بعض ، يدوران في
دائرة اتهامات متبادلة . وحتى أخته ، اكتشف اليوم أنها لم تعد تلك التي يعرفها !
صباحا ، استيقظ على بكاء أخته المكتوم ، واحتجاجها الغاضب بكلمات لم يفهم معناها ،
وحين دخل المطبخ الصغير يدفعه العطش لاحظ نظرات أمه الصارمة ، لكن أخته اندفعت أليه
واحتمت خلفه ، وراحت تتمسح به كالقطة :
ــ قل لها بربك ، قل لها يا عزيزي ، كل صديقاتي ارتدين هذا القميص ، لماذا أنا
الوحيدة لا أستطيع ارتداءه ؟
وتساءل بأستغراب ؟
ــ أي قميص ؟
فردت أخته بدلع وهي تحتضنه وقد لمست الحياد في صوته :
ــ موديل جديد يسمونه " ديسكو " !
وراحت توشوش عند أذنه بكلمات ناعمه ، وتقبله في وجنتيه ، بينما كانت أمه تدمدم مع
نفسها وهي تتحرك بعصبية ، وانتبه ، وكاد يغص بكأس الماء . انتبه إلى أن أخته لم تعد
تلك الطفلة الصغيرة التي يستذكر دائما وجهها وسط دوي القذائف ليشعر بالرغبة في
الحياة ، فخلال غيابه الطويل عنهم في الجبهة ، هناك عند حافات الموت حيث يتواصل طحن
ماتبقى له من شواهد حياته ، حتى يحين دوره شخصيا ، نمت أخته الطفلة ، وتغيرت ، أخذت
استدارات جسدها تبرز اكثر وضوحا ، وتبدلت اهتماماتها ، لم تعد تلك الطفلة التي
يعرفها ، والتي حين يصل السماوة في قطار منتصف الليل قادما من البصرة ، خلال إجازات
الدراسة الجامعية ، وإذ تكتشف وجوده صباحا ، تنسل إلى سريره مثل القطة لتنام متوسدة
ذراعه ، دافنة رأسها في صدره . صباح اليوم وقفت أمامه بقامة امرأة ، متوسلة بغنج .
صاحت أمه :
ــ أصلّع رأسي من مطالبك يا ابنتي ، هذا أخوك ، هو ولي أمرك وليتصرف !
رغم نبرة الغضب في صوت أمه ، إلا انه يدري أن خلف ذلك يختفي فرحها به ، كونه بعد
وفاة والده وبجدارة اخذ على عاتقه مسؤولية العائلة ، رعاية أمه وأختيه ، الأخت
الكبرى تزوجت وغادرتهم إلى حياتها الجديدة ، وهاهي الثانية تريد أن تنط من صفحة
المرآة ، بعد أن تركت ثياب الطفولة خلفها . كانت أخته تسند رأسها إلى ذراعه ،
وعيناها ترمقان وجهه بتوسل ، منتظرة رده، مسد خصلات شعرها بحنان ، قد يذهب هذه
المرة ولن يعود ، وقد تكون أجازته الاخيرة ، ماذا ستتذكر منه ؟ ليجعلها تتذكره جيدا
ولو بقميص ديسكو . غمزها مبتسما وهمس بتآمر :
ــ آ … كم يبلغ سعر هذا القميص ؟
للحظات رمقته أخته بنظرات متسائلة ، ثم احتضنته فرحه ، وعيناها تفيضان محبة ، طبعت
على وجنتيه مزيدا من القبل ، وأطلقت صيحة نصر ، ابتسمت أمهم أولا ، ثم أطلقت ضحكة ،
فشاركها بذلك مدركا انه لم يغضب أمه بتصرفه ، وتوجه إلى غرفته للحاق بموعد الزيارة
التي كان لأيام يعد لها نفسه .
لم يرغب في أن يقوم بهذه الزيارة ، أشياء عديدة في داخله تمنعه ، حاول التهرب من
ذلك ، أيجاد عذرا ما ، لكن كامل ، كعادته وبمهارة ورطه فيها :
ــ يا اخي يمكن لك الاعتذار ، أنسيت ماذا كان يشكل لنا اسماعيل ؟ وأي حقوق له علينا
بسبب ذلك ؟ أنه جزء من هذا الماضي الذي تبكيه كل يوم ، وعائلته الآن في وضع صعب ،
وهو نزيل المستشفى ، وهاهو ابن حلال في أيام تغيرت فيها أخلاق الناس وقلت بينهم
النزاهة، يسلمنا نحن أصدقاء اسماعيل مبلغ من المال كان بذمته لاسماعيل ، قل لي بربك
وبحق الصداقة التي تجمعنا ، من غيرك اجدر بان يقوم بهذه الزيارة وتسليم المبلغ
لعائلة اسماعيل ؟ والله لولا تورطي بمساعدة أختي في ترميم دارها لكنت رافقتك في هذه
الزيارة !
هاهو يقطع الشارع الأخير ليصل دار اسماعيل ، وثمة ما يدفعه لعدم الذهاب الى هذه
الدار ، التي طالما آوتهم غرفتها العليا أيام الاستعدادات لامتحانات الدراسة في
الإعدادية . شئ من الخوف أن توجه إلهام اخت اسماعيل ضربة لما تبقى من مرآته ، كان
يريد الاحتفاظ لنفسه بأمل أن يكون ما يتناقله معارفه افتراء ، وان لا يرى الهام
مثلما يصورها الاخرون له . يتذكرها على الدوام صبية خجولة ، لها من الجمال ما يكفي
للفت الانتباه ، في زياراته لبيت اسماعيل ، قلما كان يرى وجه الهام ، كانت تسلم
أخاها صينية الشاي من خلف الباب ، ومرات نادرة تلك التي سمع فيها صوتها مرتفعا ،
ويوما في رحلة ترفيهية الى البساتين عند ضواحي المدينة ، ظلت طول الوقت قابعة في
مكانها ، لم تختلط حتى بالنساء ، ولم ترفع عينيها عن الأرض مطلقا ويومها فكر مع
نفسه :
ـ لو قدر لي أن أتزوج فلن أجد غير هذه الفتاة الخجولة لتكون أما لأطفالي .
قبل أن يفتحوا له الباب مرت في باله عشرات الصور ، وحين توسط الجميع في الصالة
الصغيرة ، التي لم يتغير أثاثها لكنه ظل منسقا بشكل جميل يعكس ذوق أمهم التي بدا
أنها شاخت بشكل مبكر ، وحين تقدم الجميع لتحيته راحت العجوز وسط نحيبها تقدم له
بناتها اللاتي كبرن وصرن عرائس ، وحين جاء دور الهام لتحيته ومصافحته بالكاد استطاع
إخفاء ارتباكه ، وراح يسائل نفسه مرارا : أيعقل هذا أن تكون هذه هي نفس الفتاة التي
يعرف ؟ تلك الفتاة التي صادفها مرة عند باب البيت خارجة فكادت أن تسقط متعثرة
بخطواتها فراح أخوها اسماعيل يشاكسها بذلك ؟ أمامه جلست بجرأة امرأة أخرى ، امرأة
ثانية لا تمت بصلة لتلك التي حلم يوما بان تكون زوجة له ، أمامه تجلس امرأة لم ترفع
عينيها عنه ، بملابس عصرية حسب الموضة ، ثوب قصير قماشه يلتصق بالجسد فتبان تفاصيله
وحركة كل ثنية فيه ، وبفتحة عند الصدر تكشف استدارة النهدين وبروزهما ، وحين جاءته
بكوب الشاي ووضعته أمامه لم يستطع إلا أن يلمح تلك الشامة بين مفرق النهدين الذين
تصور انهما سيندلقان أمامه على الطاولة . وها هي الهام امامه بوجهها المثقل
بالماكياج وشعرها الذي لا يستقر بحال مع حركة يديها الدائمتين، تحدثه عن هموم
العائلة التي لا تنتهي:
ــ لم يكن ينقصنا إلا هذا !
كان يشعر بالألم لمصير اسماعيل . فأثناء تعرض موقع الفوج لهجوم مدفعي كاسح ، لم يبق
من الجنود سوى عدة . حين فتح اسماعيل عينيه في سيارة الإسعاف كان كل شئ قد انتهى ،
حملوا الجنود القتلى إلى قبورهم وحملوا اسماعيل إلى مستشفى المجانين . زاره وكامل
هناك مرارا ، لم يكن الأطباء يشيرون إلى أي أمل لشفائه ، ورغم ذلك أعادوه بعد شهور
ليخدم في وحدة خلفية ثم ليعود ثانية إلى المستشفى . كانت العجوز تتحدث عن مصيبتها
بفقدان زوجها بالسكتة القلبية ، وبفقدان ابنها الثاني الذي سجل كمفقود في الحرب ،
ومصيبة اسماعيل الذي لم يزرهم من شهور طويلة . حاول مواساة المرأة التي طالما
منحتهم عطفها ، وسهرت على راحتهم أيام دراستهم ، قدر أنها ترى فيه طيف أبنائها ،
حاول الإشارة إلى ابنها الأصغر الذي كان يجلس في الطرف الثاني من الصالة ، يراقب
التلفزيون غير عابئ بكل ما يدور ، وحين حدق مليا إلى الصبي وحركاته لاحظ شيئا
مشتركا بين جميع أفراد العائلة ما عدا ألام ، كانوا كلهم يمضغون العلكة. وراح ينتبه
الى كون إلهام تمضغ العلكة بشكل خاص تصدر معه صوتا معينا من فمها ، وتلوى أثناء ذلك
شفتيها بطريقة بدت له غير لائقة ، وشيئا فشيئا بدت له حركات المضغ مقرفة . حاول أن
يزرع في ألام شيئا من الأمل بشفاء اسماعيل وعودته اليهم ، لكن الهام فاجأته وقاطعت
كلامه، ووجهت كلامها الى أمها مباشرة :
ـ ولماذا نضحك على أنفسنا بمثل هذا الكلام يا أمي؟ لقد قال الأطباء أن حالته ميؤوس
منها ؟
حاول أن يرد بشيء ، أن يواصل كلامه مع ألام ، أن ينقذها من كلام ابنتها الذي يحشرها
في زاوية الألم :
ـ ولكن يا …
ـ اعرف أن كلامي لا يعجبك ، ولا يعجب أمي أيضا ، ولكن لو كان اسماعيل مات على الأقل
أراح نفسه وأراح الاخرين .
وانفجرت ألام باكية :
ـ لا يصح يا أبنتي أن تتكلمي بهذا الشكل عن أخيك !
وسمع الهام وهي تلوك علكتها وتطلق صوتا من بين شفتيها المطليتين بلون فاقع :
ـ انه آخي مثلما هو أبنك ، ولو مات كنا على الأقل استفدنا من التعويض .
وهو يغادر البيت مهموما ، كانت في باله جملة الهام حول التعويض ، لم يعد يتذكر نحيب
ألام ، ولا وجوه بقية أفراد العائلة المتعبة ، وطول الطريق ، لم يعد يرى سوى فتحة
فم الهام وهي تلوك علكتها وصبغة احمر الشفاه الفاقعة ، وظل يرن في باله الأصوات
التي يطلقها الجميع وهم يمضغون العلكة بشكل مقزز .
وصل إلى بيت أهله . فتحت له أخته باب الدار ، وكانت تطق بعلكتها وتفترش وجهها الفتي
ابتسامه أمتنان ، أرادت أن تقول شيئا ما ، لكنه فجأة صاح بها :
ـ أرم العلكة … أرم العلكة !
وتلوت أمعاؤه ، وضغط شئ حامض على بلعومه ، زم شفتيه ، غامت عيناه خلف ضباب كثيف .
سألته أخته بفزع :
ـ ماذا ؟
لم يرد بشيء ، رن كفه على خد أخته التي ذهلت للحظات ولم تهرب ، بل تسمرت في مكانها
وانهدت تعوي :
ـ لماذا … لماذا ؟
جرى إلى الحمام ، وضع فمه في الحوض ، وفتح صنبور الماء . كان صوت أمه يصله قويا يرن
كجرس :
ـ ما الذي يجري ؟ ***
خريف 1987
كوردستان ـ قرية بيرموس ( ريف دهوك)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عن طريق
الشعب العدد 42 ليوم 7/10/2007
**
العصاة : تسمية أستخدمها إعلام النظام الديكتاتوري المقبور دلالة على الثوار وقوات
البيشمه ركة ( الانصار ) الذين قاومو بالسلاح سلطة الديكتاتورية في العراق .
***
النص من مخطوط قصصي يبحث عن ناشر
