يوسف أبو الفوز
رجل داهمه المطر!
رغم البرد الخفيف ذلك
المساء ، توجهتُ بحيوية الى قاعة الاحتفالات في مبنى نقابات العمال في موسكو ،
وهناك التقيتك . كان يوما من أواخر اذار عام 1993 ، وكان لقاءنا الأول والأخير
. ربما أكون غادرت ذاكرتك ألان (احتفظ بصورة لكِ ، بالأسود والأبيض ، وأنتِ
تجلسين هادئة ساكنة في كرسي كبير يكاد يضيع فيه جسدكِ الضئيل ، لون ثوبك غامقا
، وتسريحة شعركِ الأسود القصير بسيطة ، وعلى وجهكِ يرتسم هدوء جميل ) ، هرج
الحفل لم يتح حتى لرفيقي الذي قدمني لكِ أن يتحدث كثيرا معكِ ، ولم أتفوه
ساعتها بأكثر من : لي الشرف ! أريد ألان ، بعد كل هذه السنين ، ان أتحدث اليكِ
، ربما تعويضا عن ذلك المساء الصاخب . كان بودي يومها ان أحكي لك أشياء كثيرة ،
منها ان لي أختا في العراق البعيد … البعيد ، الذي اضطررت الى الهروب منه منذ
سنين طويلة ، في رسائلي السرية المرسلة لها عبر دروب ودروب ، اخترت لها اسمك :
سوزان ! اليوم أود ان أحكي لك عن أشياء عديدة منها : نمو النخيل في جبال
النرويج !
سوزان … ليس في الأمر دعابة ، فأنا جاد تماما !
في 1935 كان ثمة رجل عراقي ، وصل مدينة موسكو ، ويوما ما من تموز ، كان يتنزه
في حديقة غوركي ، وفجأة داهمه مطر صيفي غزير ( لاحظي يا سوزان … دائما ثمة
مطر في حكايات العراقيين ) ، فالتجأ ومترجمته الخاصة الى شقة صديقتها. كان اسم
الصديقة " أرينا جيورجيفنا " * ( أنت
تعرفين تفاصيل الحكاية ومع ذلك أعيدها لك ألان بترتيب يناسب رغبتي في الحديث
معك ) فيما بعد ، وهي تقص ذكرياتها عن ذلك اليوم ، قالت السيدة أرينا جيورجيفنا
وفي عينيها يلمع بريق الوفاء :
ـــ فجأة سمعت على الباب دقات متسارعة . فتحته فوجدت أمامي صديقتي المترجمة
وخلفها رجل شرقي الملامح ، متوسط الطول ( في مذكراته وصفه الجواهري انه : اقرب
الى القصر ! وقال اخرون عنه ومنهم زكي خيري انه : مربوع القامة ، متين البنيان
) ، في الثلاثينات من عمره ( تعرفين جيدا ويعرف الكثيرون انه مواليد 1901) ،
وكانا مبتلين بالمطر .
مطر … !
كيف كانت ستسير الأمور ــ يا سوزان ــ لو لم يهطل المطر ؟ كيف كان لحكايتنا ان
تزهر لأرويها لك وللاخرين من دون المطر ؟ هل كان يمكن لسياب جيكور ان يكتب
أناشيد الوجع العميق عن ذؤابات النخيل وأناشيد الصيادين الفقراء من دون المطر ؟
وهل كان يمكن لاغاني الأمهات المترعة بالوجد والشكوى ان تعشوشب بالامل من دون
المطر ؟
مطر … مطر يا حلبي أشعندك أبيت الجلبي ؟
مطر … مطر يا قداح عبر بنات الفلاح
مطر …
لك ان تصلي يا سوزان للمطر ، فبين الرجل الغريب ، الثلاثيني ، والسلافية
الفاتنة أرينا جيورجيفنا ، ولدت حكاية :
ــ مكثا في بيتي فترة ، تحدثنا فيها عن مواضيع عديدة ، كان هذا اللقاء كافيا
لكي يجعلنا ، أنا واياه ، نرتبط بصداقة وثيقة ، كانت علاقتنا تتوطد باستمرار
بعد اللقاء الأول ، وكنا نتجول في شوارع موسكو حتى الصباح أحيانا .
ينقر المطر في موسكو بلاط الساحة الحمراء ، قباب الكرملين ، شوارب ستالين الكثة
في صوره المرفوعة فوق كل سارية ، وقرميد بيوت العمال ، وهم يحتسون "السماغون "
** ويدخنون تبغا رخيصا ، ويتبادلون هواجسا
شتى لا تمنعهم من الحلم بيوم جديد يمنح الانسان فجرا لا مثيل له ، ويداعب وجنتي
الفاتنة أيرينا جيورجيفنا ، وهي تشد بقوة على أصابع الرجل القادم من خفايا الف
ليلة وليلة ، من هوسات فلاحي ثورة العشرين ، من إضرابات عمال موانئ البصرة ، من
البيانات السرية الاولى … ناثرا الآمال والأسرار والسعادة في ايامها التي
ارتبطت بأسمه :
ـــ تحسستُ مشاعره الرقيقة نحوي قبل ان يبوح بها مباشرة .
ومثلما في مواقف عديدة وردت في سيرة حياته اللاحقة ، حسم رجلنا المداهم بالمطر
أمره :
ـــ عندما اختمرت فكرة الزواج عنده صارح والدتي قبل ان يصارحني ، كان متأكدا من
قبولي ، وقد أبدت والدتي في البداية تخوفا من ارتباطي برجل غريب …
كانت أم أيرينا تخشى الغموض الذي يلف شخصية هذا الغريب ، الذي يتحدث مع الجميع
عن كل شئ عدا حقيقة شخصيته .
ــ كنت أريد ان اعرف كل شئ عنه وعن بلاده ، لكنه كان يتهرب من ذلك ، وكان أساسا
يتهرب من رغباتي في التقاط صور تذكارية ، كنت أخمن بان ظروف عمله تتطلب ذلك …
وهي تتحسس جذوة الحب العارم لكل ما هو جميل ومشرق في قلب حبيبها الغامض ، ابدت
أرينا جيورجيفنا احتراما وتفهما كبيرا لظروفه :
ــ … وجاء في اليوم نفسه وهو يحمل كل متاعه ليسكن بيتنا ، كان كل متاعه رزمة
من الكتب وكيس برتقال .
برتقال … !
البرتقال يا سوزان له عندي اكثر من حكاية ، لكن سأكتفي هنا بواحدة منها ، حكاية
تحمل معان اكثر من روح الدعابة ، ففي زمن يختلف عن الزمن الذي عاشه رجلنا
الغريب الغامض ، وصل موسكو شاب عراقي ( ثلاثيني أيضا !) مترع بالآمال والاماني
والجنون بالحياة ، وفي يوم ما قرر هذا الثلاثيني ، الانتقال ليعيش في بيت
صديقته الروسية . قبل ان يصل بيتها ، فجأة ترك الحافلة وسط دهشة مرافقيه وهرول
الى اقرب سوق واشترى … كيس برتقال ! الصديقة فهمت ان ذلك من عادات العراقيين
وراحت تتحدث عنه في مجالسها وكأنها ضليعة بالعادات الشرقية !
ــ … وهكذا تزوجنا ، كانت حياتنا منذ بدايتها بسيطة وهادئة ، كان يعلمني
الانكليزية ، وكان يحاول ان يساعدني في العمل المنزلي و …
كان رجلنا الغريب يتجول في موسكو ، ويرى كيف ان كلمات لينين تحولت الى شقق
سكنية ، ومدارس ودور حضانة ومولدات كهربائية وانهار جديدة في قلب الصحراء ،
ويسأل مترجمته عن كل شئ ويطابق ذلك مع المستقبل في بلاده ، وكان هاجسه الدائم :
ـــ متى سيتحقق لشعبي مثل هذا ؟
لم يكن هذا الغريب ، الغامض ، الذي داهمه المطر ، يا سوزان سوى : يوسف سلمان
يوسف ، أبوك ، الذي تشير سيرة حياته ( التي صارت معروفة الان وكتب كثيرون عنها
) انه مواليد مدينة بغداد ، لعائلة كلدانية قدمت من قرى الموصل ( يقول زكي خيري
انها قدمت من قرية برطلة ويقول جميل توما انها القوش ) كان جدك حلوانيا ، وكان
أبوك في السابعة من عمره حين انتقلت عائلته الى البصرة حيث درس في مدارسها ،
وفي عام 1919 انتقل الى الناصرية التي كانت ضمن مقاطعة المنتفك لمساعدة عمك
داود في تشغيل معمل صغير للثلج . وعن الاوضاع في مقاطعة المنتفك في سنة انتقال
أبيك ، وصف ضابط بريطاني في تقريره مزاج الناس "بالبارود القابل للانفجار لاي
شرارة "، وفي 1920 جاءت الشرارة من فلاحي السماوة والرميثة ، وكانت ثورة
العشرين التي حكى في السجن لرفاقه بأنها حركت فيه أول شعور بحب وطنه وتركت
تأثيرها على ارتباطه بالنضال الوطني . وعن أبيك ، زوجها المهموم بشعبه ووطنه
والأسئلة الكبيرة التي جاء الى موسكو ضمن سعيه المتواصل في البحث عن أجوبة لها
، تقول امك ، أيرينا جيورجيفنا :
ـــ كنت لا أراه الا وهو يدرس أو يكتب ، حتى في الليل كنت استيقظ فأجده منكبا
على كتاب أو جريدة أو دفتر كتابة .
في مذكراته ، يقول عبد الرحمن سلطانوف ، نائب رئيس القسم العربي ومدرس الاقتصاد
السياسي والجغرافية الاقتصادية في جامعة كادحي المشرق في موسكو في 1935 ، عن
أبيك ، الذي كان تلميذه وصديقه ورفيقه :
ـــ كان شابا متعطشا للعلم ، يصارع الزمن ويريد ان يعرف كل شئ … نعم كل شئ ،
ليتوغل في أعماق الظاهرة . كان يتميز بأنضباط عال وبتواضع جم وحس مرهف . كان
تلميذا يجيد فن الاصغاء ، لم يكن يحب الصخب والثرثرة لقتل الوقت ( يسجل حنا
بطاطو عنه : كان يزدري المناقشات الطويلة التي لا شكل لها ) ، كان قليل الكلام
( يضيف زكي خيري : خفيض الصوت يتكلم بأناة) ولكنه يركز بدقة على الموضوع الذي
يتكلم عنه ( وقال عنه بهجت العطية مدير الشرطة السياسية في العهد الملكي : كانت
لديه حجج اقناع قوية ، وله موهبة تفسير الامور بطريقة واضحة وبسيطة ) . كان
يصارع الوقت وتحس حين يتكلم بأنه يستل كلماته من أعماقه، يبلور جملته بصدق
وبساطة ( ويضيف حنا بطاطو : بانه كان ميالا الى الحديث باختصار ، وفي احيان
كثيرة كان يجلس ساعات دون ان ينبس ببنت شفة ، ولكن حين يتعلق الامر بشرح خط
سياسي او احدى نقاط العقيدة كان اقل بخلا بالكلمات ) . وجهه صارم كعامل منجم .
حين يبتسم ، وهو قليل الابتسام ، تحس بفرحة طاغية تغمره ، عيناه لهما بريق خاص
( عن عينيه قال زكي خيري : مقرح الجفنين قليلا يضيئ من بينهما شعاع بعيد ينم عن
ذكاء عميق ، بينما قال الجواهري : في عينيه شئ من العمش لربما بسبب عمله وراء
الماكنة ) . فضلا عن ذلك كان نموذجا للأناقة والنظافة (يؤكد زكي خيري : بسيط
المظهر كما لو كان فلاحا) وكان يعرف كيف يستفيد من الوقت وحظي باحترام رفاقه
وأساتذته .
وهناك في عراق النخيل ، الرازح تحت القيد الاستعماري ومخالب شركات الاحتكار
وعسف الاقطاع ، وتحت الرقم487 من ملفات الشرطة وبتأريخ 1936 . 8 . 5 كتب أحد
عملاء الشرطة :
ـــ ان اعادة تنظيم الحزب الشيوعي ( العراقي ) لا يتوقع ان تتم قبل عودة شيوعي
مهم ، قاد خلايا البصرة والناصرية والديوانية وبغداد وكركوك والعمارة والكوت
واماكن اخرى ، من موسكو … وهذا الشيوعي المذكور هو يوسف سلمان ، من سكان
الناصرية .
ومثلما تعرفين فان نبوءة هذا العميل لم تكن بدون معنى ، عاد ابوك ومنح كل جهده
لهدف بناء هذا الحزب ، وابتدأت لديه حياته الحقيقية (في سجن الكوت ، سأله رفيق
سجين معه عن عمره فأجاب : يبدأ عمري يوم دخولي الحركة الوطنية اما الباقي فليس
من عمري ) ومثلما تعودت منه امك ، كانت حياته باستمرار مغلفة بالاسرار ، فهي
تتذكر انه حين سافر لم يودعها :
ـــ … وقد اخفى عني حتى خبر سفره .
فاجأ امك برسالة من باريس كتبها بالانكليزية والروسية ، كانت هي الرسالة
الوحيدة التي استطاعت الاحتفاظ بها بعد ان اتلفت الحرب العالمية كل شئ :
ــ عزيزتي أيرا … أرجو ان تكوني في افضل حالات الصحة والسعادة . يؤسفني انني
لم استطع الكتابة اليك في وقت اسبق . اهنئك بعيد ميلادك ، اشتريت لك هدية بهذه
المناسبة ، ارجو ان تتقبلي هذه الهدية المتواضعة . أنا واثق من انك ستغفرين لي
يا عزيزتي .
كانت امك حاملا بك ، ظلت تنتظر ولادتك ، وظلت تنتظره . وصلتها منه رسائل عمد
الى كتابتها مسبقا وتركها مع رفاقه المتواجدين في موسكو ، وطلب منهم ايداعها في
صندوق البريد في التاريخ المسجل عليها . عند عودته مرة ثانية الى موسكو عام
1942 للمشاركة في اجتماع ممثلي الأحزاب الشيوعية ، كانت زيارته قصيرة وكان عجلا
للعودة ، فلم يملك الوقت الكافي لرؤيتك اذ كنتِ في احد دور الحضانة بعيدا عن
موسكو التي كانت تعيش أجواء الحرب ، فالغزو الهتلري اجتاح اراضي الاتحاد
السوفيتي ، واقتربت جيوش العدو من مدينة موسكو ، ومرة حطم صوت المدافع زجاج
البيت ، أصلح زجاج النوافذ بنفسه ، وابدى تفاؤله بهزيمة النازية . كانت امك
مسرورة بزيارته ، ورغم علاقته الحميمة معها لم يبح لها بمركزه الحزبي ولا
بمهامه الحزبية . وغادرها وهي تعيش أمل عودته يوما ما ، كانت لامك يا سوزان
ذاكرة طيبة وتحمل لابيك احلى الذكريات :
ـــ حلوه !
كانت هذه الكلمة العربية الوحيدة التي تعلمتها منه ، وكانت تشعر بالفرح اذ
يدلعها بذلك . تتذكر امك جيدا انه في رحلة في نهر موسكو وهو يجذف كان يدندن
بأغنية عراقية (هل يمكن لأحد ان يخمن تلك الاغنية واية تداعيات مرت بباله لحظة
ترديده لها ؟) ، وتتذكر انه لم يكن حماسه كثيرا للموسيقى الكلاسيكية ( لقد زعل
شاب عراقي ، موسيقي وهوعازف الة جلو في فرقة سيمفونية ، في العشرين من عمره
مقيم في المنفى حين سمع ذلك ، واقنعناه بان والدك ومثلما تروي امك في كل
الاحوال كان يميل الى الموسيقى الثورية ) وكان ضعيفا في الرسم ، فهل تصدقي يا
سوزان ان ابيك حين كتب مقالا لجريدة الحائط المدرسية اخفق في رسم المطرقة
والمنجل ، هذا الشعار الذي رسمه بدمه في ارجاء وطنه العراق ؟ فحين تمكنت
الحكومة من اعتقاله ( وقصة محاكمته صارت حكاية ثورية معروفة ) ، واعادت محاكمته
، ثم ووفق المادة ( 89 أ ) من قانون العقوبات البغدادي حكمت عليه بالموت شنقا
لنشره الشيوعية ، فأنه ظل محتفظا بثقته بقوة افكاره وحيوية حزب المطرقة والمنجل
الذي منحه جهده وحياته . موته البطولي وجه صفعة لاعدائه بصلابته وشدة عزيمته ،
وهذا كله جعل بكر صدقي يتململ وهو في قبره . الجنرال بكر صدقي الذي لم يقف حد
عند طموحه الشخصي الىالسلطة ، فعمد في التاسع والعشرين من تشرين الاول في العام
1936 ، الى قيادة وحداته العسكرية ونفذ اول انقلاب عسكري في العراق والوطن
العربي ، انقلابه الذي ايده كل اليساريين والشيوعيين منهم ، وخرجت تظاهرات
لمساندته ، اذ توسموا فيه خيرا للبلاد ومستقبلها ، بل اصدر الشيوعيون بيانا
حزبيا في الاول من تشرين الثاني ونظموا بالتعاون مع جماعة الاهالي عددا من
مظاهرات التاييد ترفع شعارات تطالب بالخبز للجياع والارض للفلاحين وتندد
بالفاشية ، لكن بكر صدقي وبعد بضعة شهور دخل لعبة الصراع على السلطة ، واستخدم
الجيش فيها كأداة في الصراع ، جاهر بموقفه العدائي للديمقراطية وانطلقت حملة
ضارية ضد الشيوعية، وتوج ذلك بصرخته :
ــ لن تنبت جذورالشيوعية في العراق الا اذا نبت النخيل في جبال النرويج!
سوزان … يا ترى لماذا اختار النرويج وليس السويد ؟
سؤالي هذا ليس لان أعداد العراقيين في السويد هي اكثر من أي بلد اسكندنافي اخر
، بل لانه لو كان اختار السويد لكان ذلك اكثر ملائمة لحكايتي التالية : ان رحلة
البحث عن سقف آمن ، التي قادت الالاف من العراقيين الى بلدان الشمال الاوربي ،
قادت عراقيين الى السويد ، الاول سكن شمال السويد ورأس جمعية بأسم ( نادي
الصداقة ) ، والثاني سكن ستكهولم ورأس جمعية بأسم ( عصفور الشرق ) ، معا اصدرا
مجلة للاطفال اسمياها " النخيل " . رئيس نادي الصداقة له أخ اصغر منه يتعاطى
الشعر ، ويجعله هدوؤه المفرط يبدو كأنه منطو على نفسه ، ولكنه في كل الاحوال
والظروف لا ينسى انه عراقي حد النخاع ، ويوما ما سأله احد المتذاكين بشكل أحس
شاعرنا ان فيه شئ من دغش ولؤم : ما الذي يفعله اخوك في شمال السويد ؟ أجابه
شاعرنا ببساطة : يزرع النخيل من اجل ذاكرة ابنائك !
سوزان … لقد نما النخيل في جبال النرويج يا سوزان !
وان ما يسجل لبكر صدقي هو تشبيهه الشيوعية بالنخيل . فالحزب الذي منحه ابوك كل
جهده وحياته ، تمتد جذوره في تربة العراق عميقا مثل نخلة بهية . ورفاق ابيك بعد
ان امتلأت بهم ارض النخيل ، ضاق صدر الديكتاتور فملأ بهم السجون والاقبية ،
وواصلوا مد جذورهم في الارض الطيبة ، وحملتهم جبال كوردستان وعرفت بنادقهم ،
وعرفتهم نواحي المعمورة بعيدا عن ارضهم وشمسهم ، بل ووصلوا حد القطب ! صاروا
يستقيظون صباحا في ستكهولم وهلسنكي وأمستردام وبرلين وباريس ولندن و … اوسلو
وغيرها ، وقبل ان يتوجهوا الى اعمالهم ، يفطرون بالخبز العربي ودبس A A ،
ويبحثون في الصحف عن اخبار وطنهم . لم يتخلوا يا سوزان عن ارتباطهم بالنخيل
ووطن النخيل . لهم ذاكرة النخيل وأصالته ، وعيونهم تمتد دائما الى هناك ، الى
العراق الذي تحت صهد شمسه تخضر سعفات النخيل ، ومن سمائه يهطل المطر فجأة ،
فيبتل ــ يا سوزان ــ رجل وامراة ، يهرعان الى بيت صديق قريب ، ويطرقان الباب
بدقات متسارعة ، وتفتح الباب امراة فاتنة ، و … !
*
ــــ كل ما يرد هنا على
لسان السيدة ايرينا جيورجيفنا مأخوذ حرفيا من لقاء اجري معها نشرته طريق الشعب
في سبعينات القرن الماضي ، واعيد نشره في العدد 7 من دورية (خبر) اصدار منظمة
السويد اذار 1994 .
**
ــــ السماغون : كحول منزلي الصنع
ذو تركيز عال .
