ايام لا تُنسى
(3)
همام عبد الغني
الأرتباط بمركز
الحزب
كان التوتر والصراعات والأنقسامات
تعصف بحزب البعث المجرم, كما ان الأحتقان
والتذمر كانا يسودان صفوف الجيش العراقي ,
بضباطه وجنوده بسبب سلوكيات البعثيين وحرسهم
المجرم تجاه الجيش والشعب , وكانت تصلنا
الأخبار من بعض العناصر المرتبطة بنا , كما
كان ذلك واضحاً في الشارع البغدادي , وفعلاً
انتهى هذا الصراع والتوتر والأحتقان , بانقلاب
18/ تشرين الثاني 1963 , بقيادة شريكهم
المقبور عبد السلام عارف . وكانت حركة 18
تشرين امتداداً لجريمة 8 شباط السوداء , إلا
انها اوقفت نسبياً حمام الدم الذي مارسه مجرمو
شباط الدمويون , وخففت من موجة القتل المجاني
اللامسؤول الذي تسَّيد الشارع العراقي طوال
الأشهر التسعة المشؤومة .
وبالنسبة لنا , كان الأنقلاب الجديد يفرض
علينا تحديد موقف سياسي منه , وقد شخصنا ان
هذا الأنقلاب هو امتداد لأنقلاب شباط ,
وامتصاص لنقمة الجيش والشعب التي كانت تعتمل
وتتأجج في صدور الجميع. وقررنا ان نصدر بياناً
بهذا المعنى , وفعلاً كتبنا بياناً شديد
اللهجة , بعنوان " لنجعل عام 1964 عام وحدة
القوى الديمقراطية وانتصارها " , كما قررنا ان
لا ننتحل اسم قيادة الحزب او اية منظمة من
منظماته, فذيلناه بتوقيع " لجنة تنظيم بغداد –
الحزب الشيوعي العراقي " . وقبل ان نصدر
البيان حصلنا على جريدة طريق الشعب , وكانت
ورقة واحدة من الورق الخفيف , ومطبوعة بآلة
طابعة , واذكر ان الطباعة كانت باللون الأحمر
, وكان تقدير قيادة الحزب , هو نفس تقديرنا ,
باعتبار انقلاب 18 تشرين هو امتداد لأنقلاب
شباط . ومن اجل ان نؤكد اننا لسنا منظمة منشقة
او قيادة مستقلة , اقتبسنا فقرة من بيان مركز
الحزب , وضمنّاها في بياننا . طبعاً كان
بياننا بخط اليد , وطلبنا من العناصر المرتبطة
بنا استنساخ البيان وتوزيعه على نطاق واسع .
كان هدفنا الرئيس هو الوصول الى مركز الحزب ,
وتوحيد التنظيم واعادة بناء قلعة الحزب ,
وفعلاً بعد اقل من اسبوع , ابلغنا احد الرفاق
, بأنه بعد ان وزع البيان , جاءه من يقول ,
بأنكم لستم مركز الحزب , وانكم منظمة مقطوعة .
وبالطبع " رفضنا شكلياً " هذا الرأي لكي لا
ينفرط عقد التنظيم , وطلبنا منه ان يرتب لنا
لقاء مع تلك الجهة , وفعلاً وصلنا موعد بعد
يومين فقط .
قبل الموعد بفترة مناسبة , كان عبد الله وامين
, وبعض عناصرهما , يراقبون المنطقة خوفاً من
ان يكون هناك كمين. وذهبت في الموعد المحدد مع
علامة تعريف , لألتقي مع شاب أسمر نحيف البنية
, وحين التقينا بادرني بالسؤال "هل انتم الحزب
؟ قلت لا اننا منظمة شيوعية نظيفة ومقطوعة "
ونبحث عن مركز الحزب . قال : هل انت مسؤولها ؟
قلت نعم . قال نحن مركز الحزب , وان الرفاق
اطلعوا على بيانكم واطمأنوا له , ويريدون اسمك
الصريح " . بعد تردد قصير , كتبت اسمي بورقة
وطويتها وسلمتها له . كانت مجازفة , ولكن لا
مفر منها . اضاف سنلتقي بعد يومين لآتيك بجواب
الحزب لتطمئن بانكم في الطريق السليم .
بالمناسبة , ان هذا الشاب هو ابراهيم الياس
عباس , الذي انتُخِبَ عضواً في اللجنة
المركزية في الأجتماع الموسع في تشرين الثاني
عام 1965 , . وقد اعتقلنا سوية في 6/6/1966 في
شارع الشيخ عمر . وسأعود الى هذا الموضوع حين
اعود لتثبيت احداث هذه المرحلة .
قبل الموعد المحدد , تحرك الرفاق للتأكد من
سلامة المكان . وفي الوقت المحدد حضر نفس
الشاب , وصافحني بحرارة قائلاً " لقد تعرف
الرفاق على شخصيتك , وحملني الرفيق ابو شاكر
سلاماً خاصاً لك " . والرفيق ابو شاكر هو
المناضل باقر ابراهيم الموسوي عضو اللجنة
المركزية , والذي كان مسؤولاً للجنة المنطقة
الجنوبية قبل الأنقلاب وكنا نعرفه بهذا الأسم
. في هذه الفترة وصلت الرفيقة الشهيدة عايدة
ياسين , من البصرة مبعوثةً من لجنة المنطقة
الجنوبية , لتأمين الأرتباط بمركز الحزب , وقد
اتصلت بنا من خلال الرفيقة ام بشرى و التي
كانت مسؤولة التنظيم النسوي في البصرة قبل
الأنقلاب المشؤوم . وقد اوصلناها الى المركز
الحزبي آنذاك و وتم تأمين ارتباط المنطقة
الجنوبية بمركز الحزب .
بعد هذا التأكد من سلامة تحركنا , بدأنا
بترتيب ترحيل عناصر تنظيمنا , كل الى مجال
عمله او سكنه او اختصاصه , لأعادة بناء قلعة
الحزب , ومن يدري , فربما كان بعض هؤلاء
المناضلين الأبطال , هم نواة بعض تنظيمات
الحزب التي اعيد بناؤها بعد سقوط نظام الجريمة
الفاشي .
ايام لا تُنسى (2)
ايام لا تُنسى (1)
