مقالات وآراء حرة
مقامات المديح العالي وترنيمة الذم الدفين
ابو
حازم التورنجي
حدوتة الزمن الرديء ، حين
يغدو المدح رخيصا مضللا ، والذم رخيصا بائسا
سجنت ولم اخن
قاتلت ولم ادبر
وشردت ولم اركع
فلا تذموني بمدح باهت كالذم
*
حين تصاهرابا سفيان مع صاحب الجلالة بريمر ،
في زمن الجدب والقحط ، أقام أبا سفيان وليمة
باذخة ، كثرت فيها الطبول والدفوف وتصاعد فيها
الهرج ، وناثري البخور في ارجاء الصالات
الفارهة ،و تنادت عليها قطط بني جحش ، وكلاب
بني بغل ، والحفاة المسحوقون في الطرقات
القريبة يمسكون بقدورهم ، بانتظار ما تجود به
الموائد من فائض او بالاحرى ، ما يبقى من
الفضلات …..
وشكرت الله ان ابي سفيان قد وفر على الكثير
واعفاني من الحرج ، فلم يكلف نفسه عناء دعوتي
لتلك الوليمة ، فقلت : هو ذلك شرف كبير أعتز
به .
لكن صاحبي المتسرع دوما ، أستشاط متسائلا :كيف
ذا ، اتحسب ذلك شرفا ، وأنت المعادي والمشاكس
المنبوذ في عرفه وحساباته . وخططه …..
فقلت : ويحك ياصاحبي ، فأبا ذر لم يملك قيمة
الكفن ومات منبوذا في صحراء الربذة ، قديسا
بهيا مكللا بالغار وبالمجد ، يتحدى لؤم ورشاوي
الخليفة سليل بني سفيان ، ولم يقف على ابواب
الحكام ،بل كان الحكام ينشدون رضاه … وبقي
أبا ذر اماما وبوصلة ومنارا للمنطوعين على
الطرقات .
ويظل قرع الطبول المدوي يصم الأذان ، وتهريج
صغار القوم يبعث في النفوس الابية شيء من
الغثيان ، بل في صدري غصة من كبار، كنا نظنهم
كبار ، وفي صحوة الزمن المر وجدناهم صغارا
يغرقون في أقداح الشاي ، وفي حلقي مرارة من
صغار بقوا صغارا ، لايجيدون الا مدح من رسموهم
في مخيلتهم كبارا ، وما هم كبار ، بل مجرد
افيال هرمة لم تسرح من الخدمة ، فبين الاحساس
بالضألة والدونية لدى نفوس خربة مهزومة ،
والاحساس بالزهو وحب الاطراء والمديح المقزز،
لمن يظنوون انفسهم كبار ، ثمة حبل سري متأصل
في رحم التشويهات الاجتماعية وفقدان التوازن
النفسي ، وهذا ما سعى اليه ابا سفيان وبريمر
……
فهل يصحوا ( الصغار )بأن المديح والاطراء مجرد
زعيق مشوه ، لايشبه حتى صياح الديك في القرية
عند الصبح؟
وهل يتعض ( الكبار ) بأن المديح والتأليه ومنح
الالقاب على عجل ، لمن لايستحقها ، مجرد سخريه
بلهاء ،تقارب عبث الحمقى وتشبهه ؟ وهل شفعت
الالقاب الكبيرة التي قاربت الاسماء الحسنى ،
للقادة الطواويس ، من ان لا يقعوا، وبذلك
السقوط المدوي …… وسلاما لأمريء عرف قدر
نفسه .
*
اوراق من دفتر
فلسطيني ( يعقوب زيادين )
