مقالات وآراء حرة
حكومات الشوارع … ومحاكم الشوارع …. وأخلاق الشوارع
ابو
حازم التورنجي
في
أغلب البلدان التي تنهار او تضعف لديها السلطة
المركزيه ، لهذا السبب او ذاك ، ينكمش ويتضاءل
دور ومسوؤلية أجهزة الدولة ومؤسساتها
التنفيذية والقضائية ، مما يخلق حالة من
الفراغ الذي يتطور تلقائيا الى تصاعد حالة
الاضطراب والفوضى والتي تؤدي بدورها الى بروز
( السلطات البديله ) التي يتصاعد دورها
ومكانها وتأثيرها في مجري الاحداث مع استمرار
ضعف اجهزة السلطة المركزية والدولة .
ومن أمثلة هذه
السلطات : السلطات الدينيه ، السلطه الاقطاعية
، والسلطة العشائريه ، وآخرها سلطة المجاميع
الصغيرة المنفلته وهي السلطة الاكثر شهرة في
تاريخ العراق مع تدهور وضع الدوله في الازمنة
المختلفة ، والتي تأخذ اشكال متبانية حسب
الظرف الذي انتجها (الشقاوات ، اصحاب الخاوات
…..) وقد تسمى احيانا (سلطة البلطجيه)
المنتشرة في العديد من الدول ذات االازمات
والصراعات الداخلية ، وما أكثرها في عراقنا
المتخبط في الفوضى والاضطرابات والتوترات ،
والمشكلة في هذه الزمر انها تضع نفسها فوق
القانون ان وجد أفتراضا ، بل الانكى ، انها
تضع قانونها الخاص وتلزم الاخرين ان ينصاعوا
لها ويأتمروا بأمرها ، حتى وان تعارض مع ابسط
الحقوق للاخرين ، وتؤسس لحالة من الرعب الشامل
في محيطها ،،،، فتلك الزمر المنفلته تأخذ كل
الادوار ، من حيث ممارسة دور الشرطي المتعجرف
الشرس ، والمحقق الفوضوي المتسرع ، والقاضي
الارعن الصارم في آن واحد ومكان واحد ، فتزداد
حدة الظواهر السلوكية الشاذة في التجاوز على
حقوق وحرية وكرامة الناس ، كلما زاد التوتر
والاحتقان في البلد وهذا بالضبط – على سبيل
المثال – ما فعله ( فدائيي المذهب ) حسبما
وصفهم أحد الطائفيين المتعصبين في حوادث حقول
النفط في الرميله ومضيفا الى ذلك ( قد حققوا
انتصارا للمذهب ) دون اي تدقيق في الوقائع او
حتى توضيح واقعي ومنطقي لما جرى حقا وفعلا .
اني افترض مسبقا بان الرجل (الاجنبي) قد ارتكب
خطأ او خطيئة او حتى جريمه قاصدا ذلك عمدا او
غيره ، يستحق عليها المحاسبة والعقاب ( وليس
هذا موضوع حديثي ) بل اني ابحث واشير واتساءل
من هو المعني في صميم القضية والمسؤول اخلاقيا
وادبيا وقانونيا ـ ان يقوم وينهض بهذه المهمة
كجزء من مسوؤليتة المباشرة ؟ هل الشرطة
والمحققين والقاضي ؟ ام الزمر المنفلته
المغرضة ،، ؟ وبهذة الطريقة التي تثير
الاشمئزاز ، لانها تساهم في زيادة طمس وتغييب
القانون الضعيف او الهزيل اساسا ، فالمتهم
بريء حتى تثبت ادانته ، لا ان يحاكم ويجرم
ويعاقب في الشارع ، بيد من لا يعبأ ولا يكترث
لاية معايير وقيم اخلاقية او قانونية معترف
بها .
ان الاشكالية و الخطورة في هذا التوجه ، تكمن
في انه يفتح كل الابواب التي تؤدي الى جحيم
الدكتاتوريه المتنامية ، لانه يعطي حقوق مطلقة
وصلاحيات أستثنائية لهذه الزمر المنفلته
لتساهم بقسطها في تشييد صرح الدكتاتورية
الجديدة ، دكتاتورية مبنية على اوهام مزعومة ،
ولا اساس لها في معتقدات الطائفة والمذهب ، في
حين ان كلا الطائفة والمذهب ، من حيث الجوهر ،
براء كل البراءة من هذا السلوك المنحرف
والاعتقاد الخاطىء ، وبشكل عام لا مصلحة لهما
( الطائفة والمذهب ) بهذا التوجه الخطير ، بل
ان المتتبع لحقيقة وطبيعة المذهب الشيعي من
منابعه الاصيلة لا يجد اية معالم لروح عدوانية
أقصائية لانهاء أي طرف أخر ، بل يستمد طباعه
المتسامحة المتسامية من تعاليم وسلوك وخلق
امام الفقراء والضعفاء والمسحوقين ألأمام علي
(ع) ، تلك التعليم السامية التي توصي بالتعايش
الاخوي الآمن ، واعلاء كلمة الحق وتجنب أية
فتنة أو بؤرة للصدام .
افلا تتعظ تلك الزمر المنلفته من تجارب الزمن
، وتدرك بـأن هذه السلوكية لا تخدم اي طرف ،
بل هي مسيئة تماما للدين والمذهب ، فلا احد
يستطيع شطب او الغاء الطرف الاخر ، فكل منا
موجود وله الحق في ان يعيش حياته بطريقته ،
وهي مقبوله طالما لا تجاوز فيها على حقوق
وحرية الاخر .
وهل نسينا كيف كانت زمر الطاغية المقبور تمارس
محاكماتها القرقوشية بالتصفيات الجسدية حتى
الاعدامات الجماعية الفورية في الشوارع ،
لمجرد الشبهه ـ او على غرار سب الحزب والثورة
– من اجل فرض رعبها ودكتاتوريتها في سلم
صعودها ، لكنها ذهبت الى مزبلة التاريخ
تلاحقها لعنة الاجيال .
نحن بامس الحاجة الى ردم بؤر التوتر والاحتقان
الطائفي عبر لغة الحوار والتفاهم والبحث عما
مشترك للتقارب ، والسعي لبناء دولة المواطنه ،
دولة تتسع للجميع في حقوق متساوية ، لا دولة
الدين ولا دولة الطائفة ، دولة قانون ومؤسسات
مستقلة و شرعية فوق الجميع ،
وعلى العراق السلام
